الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في ثقافة الاستبداد العربية

عبدالله نقرش

2019 / 5 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


قيل " أن العاقل من اتعظ بغيره" ، ولربما تكون العبارة النقيضة لذلك هي " إن الجاهل لا يتعظ إلا بنفسه ". ربما ينطبق ذلك أكثر ما ينطبق على الحكام المستبدين . فكثير من المستبدين سحقهم التاريخ بثورات الشعوب ، ولكن مستبدي العصور اللاحقة لم يتعظوا ولا يتعظون بمن سبقوهم.
صحيح أن الاستبداد ظاهرة تاريخية، لا تذكر إلا ويذكر معها الظلم والقمع والفساد والحروب والتدمير، وأخيراً وليس آخراً" الانتحار الذاتي" . فإذا كان الاستبداد الفردي يؤدي غالباً إلى نتائج وخيمة على صاحبه ، فما بالك بالاستبداد على الجماعة ، غلى الغير، على الشعوب ، بل على الانسانية معنىً ومبنىً؟!
التاريخ يبين أن الممارسات والنتائج السلبية للاستبداد تتناسب طردياً مع مساحة الدائرة التي يشملها فعل المستبد ، كما أن حجم المآسي والكوارث التي تترتب عليه غالباً ما تكون تاريخية وطويلة الأجل.
هكذا كان الأمر في أوروبا ، وفي آسيا، وفي كل العالم تقريباً. أما في العالم العربي، فالأمر يكون أكثر فحشاً وكارثية. فقد عايشت الشعوب العربية الاستبداد بشكل يكاد يكون قدرياً. فلم يكن مجرد مرحلة تاريخية في حياة الشعوب العربية ، بل تحول عبر الزمن إلى ثقافة ولدت قناعات بعدم جواز الخروج على الحاكم ، وثقافة تبرر أسطورة وسطوة " المستبد المستنير" ، كما يصفون الحاكم العادل الذي لم يعرف التاريخ العربي منه الكثير من الأمثلة.
ثقافة تبرر التوارث في الحكم على الرغم من عدم توفر شروط سوية للحكام في كثير من الأحيان ، ثقافة تبرر التعسف الذي يمارس باسم ترتيب الأولويات والقضايا. وغالباً ما تكون حرية المواطن ومشاركته في شؤون الدولة آخر الأولويات إن وجدت أصلاً.
ثقافة الاستبداد سمحت بتجاوز الأدوار ، والمحددات ، ومبادئ الفصل بين السلطات، ومبادئ تكافؤ الفرص . ثقافة ألغت وجود الآخر، وأكدت عبادة الفرد ، أو عبادة الذات ، وبررت الاعتداء على كل شيء، بما فيها الحرمات الدينية والاجتماعية ، والحقوق المدنية ، والحق في الحياة للإنسان.
باختصار، تجاوزت ثقافة الاستبداد ، منطق الحق والواجب ، ومنطق الرحمة ، ومنطق القانون والعقل ، ومنطق المنطق ذاته.
عرفت ثقافة الاستبداد العالمية ، أباطرة ، وملوك ، وأمراء، ورجال دين، وقادة عسكريين، وحكم عائلة أو عائلات بالتوارث، وأحياناً في أكثر من إقليم أو دولة ، وكأن حق حكم العائلة حق شرعي إلهي. وعرفت أكثر صراعات وحروب واستغلال ثروات وشعوب وعنصرية واستعمار واستعباد، وما إلى ذلك من تجاوزات على الوجود الانساني بتفاصيله كافة . ولكن ذلك مضى وانقضى في كثير من بقاع الأرض وإلى غير رجعة . مع أن الاستبداد الدولي مازال قائماً إلى حد ما.
إنقضى ذلك الزمن في أوروبا أولاً، للأوروبيين أنفسهم بداية . فعصر التنوير والمفكرين الأوربيين حسموا المسائل العالقة كلها وأولها استبداد الحكام واختاروا التقدم لشعوبهم باتجاه كل شيء جيد ومفيد ، وأهم ما حدث ، التغير الجوهري في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، العلاقة بين وحدات الحكم والادارة السياسية والقضاء والاقتصاد . وذلك كله في اطار برامج تنموية وسياسية واجتماعية ، ساعدت على تنظيم بنية السلطة وبنية الأدوار، وبنية الحقوق والواجبات والمكاسب. حدث ذلك عبر التخصص والتنظيم القانوني والالتزام بقيمتي الحرية والعدالة ، والاعتراف والاحترام بالآخر وبالاختلاف أياً كان نوعه ، وإذا بقي شيء من الخروج على القواعد الرئيسية فهو الشاذ والمستهجن والمحدود . فهناك اليوم حالات من العنصرية والتمييز والتجاوز ولكنها لا تشكل صبغة المجتمع والدولة.
أما ثقافة الاستبداد العربية ، فجلّها ثقافة رسمية ومجال فعلّها الشعوب العربية كموضوع للاستبداد . فقد عرفت هذه الشعوب ، شيوخ قبائل ، وملوك، وأمراء ، وخلفاء، وولاة ، وعائلات حاكمة ، وقادة عسكريين ، فمنهم من كان من العرب ومنهم من كان من غير العرب. والمفارقة أن معظم هؤلاء لم يلتزموا بقواعد عصر التنوير الذي بدأ بالرسول صلى الله عليه وسلم ، بل ما أن أصبحوا حكاماً حتى تصرفوا كحكام آخرين . والتاريخ العربي يظهر تطور الاستبداد كمنهج متصل عبر الزمن وإلى اليوم .
أما المفارقة الثانية ، فذلك أن عصر التنوير الحديث عند العرب كان محاولة شكلية لتقليد الغرب ، أكثر منه مجاولة الاستنبات ما استقر من قواعد أساسية لدى الغرب . وبالاعتماد على الموروث الثقافي العربي ، كانت محاولات الاصلاح إما محاولات أصولية تعيد الانسان العربي إلى الماضي تحت شعار " لا يصلح آخر الأمر إلا بما صلح به أوله" ، وهو شعار يتجاوز العبر التاريخية ويسوّق للتاريخ وكأنه الحالة المثالية والأنموذج الذي يجب إعادة إنتاجه ، وهو أمر يتناقض مع حركة التاريخ نفسها ومع الشروط الموضوعية التي تحكم الواقع على مختلف أزمنته . والحال أن أي مشروع لا يأخذ البعد الزمني ومحددات الواقع في الاعتبار لا يمكن أن يتقدم.
أما فيما يتعلق بتقليد النماذج الاصلاحية الغربية ، فذلك يستدعي التنبه إلى أن الأنموذج الغربي استقر على قواعد أساسية وتفصيلية بنت المجتمع والدولة لبنة لبنة . ربما منذ الماغناكارتا ومروراً بعصر الفكر المستنير والمتقدم في كل المجالات . ابتداءاً من العلاقة بالدين وانتهاءاً بعلاقة الفرد بالوطن وبطبيعة الحال مروراً بكل الترتيبات الخاصة بالنشاط الانساني في دوائره المحددة ( أفراداً وجماعات، وتنظيمات ، وشعوب) . ولم يكن ذلك بلا صدامات وصراعات وثورات وحتى الحروب الدولية ، كما لم يكن بلا تناقضات ومحاججات فكرية بين المذاهب الفلسفية والاجتماعية المختلفة . كان تناقض الأفكار والحوار فيما بينها يولدان أفكاراً جديدة ولا يؤدي حتماً إلى إلغاء الآخر أو نفيه أو تجاهله. لذلك مازال هناك في بنية أي نظام اجتماعي سياسي في أوروبا جانبان – من يملكون زمام الأمور ويوجهونها ومن يعارضون ذلك ، وكله في اطار الوطن الواحد والشعب الواحد والمصلحة العامة المشتركة.
وفي حالة تقليد الأنموذج الاشتراكي العلمي على النسق الأوروبي أيضاً ، وفي ظل محاولة البحث عن التوافقية المحتملة مع الثقافة التراثية التاريخية بالمعنى الأصيل للعبارة، كانت المحاولات العابثة في اشتراكية الدولة والمجتمع ، على أيدي المستبدين الموصوفين بأنهم وطنيون . وكانت المحاولة كأنها المنبت " الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
ربما كان في الحالتين ، من الضروري أن تحسم الخيارات بصورة أفضل وأكثر حزماً والتزاماً . وربما كان من المطلوب تهيئة المجتمع لعملية الاختيار بين بدائل ( أي الدمقرطة) قبل أن يقحم المجتمع بتبني خيارات هجينة . بالطبع لم يكن ذلك ممكناً أن يتم على أيدي حكام مستبدين شيوخ أو ملوك أو عسكر ، لاسيما مع الوهم الذي يستقر في ثقافة الاستبداد بأن هنالك احتمال لبروز " المستبد المستنير" من بينهم ، هذا المنقذ الأعظم للأمة أو للشعب ، ما كان ممكناً أن يظهر في عصر الجماعات والشعوب والتنظيمات . ولم يكن بالتالي ممكناً تحقيق الاصلاح بإدارة مستبدة مهما كان توجه الاصلاح.
لذلك، نرى أنفسنا اليوم . وكأننا في العصور الوسطى ، ونرى أن مساحة الاستبداد تتسع بدل أن تضيق ، والحدود الدنيا من التنمية التي تحققت بفعل التقادم تنهار وتتلاشى . أما الحرية والعدالة فهما قيمتان غائبتان كلياً عن المجتمعات العربية . ومازال هنالك شيوخ ، وملوك وأمراء وعساكر يسيطرون على المجتمع والدولة والثروة والمستقبل. كل هذا بفعل سيادة ثقافة الاستبداد داخلياً ، على المستوى الرسمي ، وأحياناً على مستوى قطاعات اجتماعية معينة .
وأكثر من ذلك فإن الفجوة بيننا وبين الآخرين تتسع يومياً، أياً كان هذا الآخر ، لدرجة أنه هو الآخر يعتقد بانعدام فرصة الحوار معنا ، بل يتصورنا كأعداء محتملين ودائمين . ونحن بدورنا لا نتوقف ، لضيق أفق ثقافة الاستبداد ، عن خلق عداءات جديدة ، وبنفس الوقت نرهن أنفسنا للآخرين الذين كنا نعتقد فيما مضى أنهم أعداؤنا، فإذا بهم اليوم مخلصّينا أو هكذا نتوهم .
إن من أكثر مركبات ثقافة الاستبداد العربية المعاصرة ، هي تلك الثقافة المتعلقة بالجيوش ، ونسميها " أيديولوجيا العسكرتاريا" ، كي لا يفهم أننا ننظر بسلبية إلى الجيوش العربية كجيوش وطنية. فالأصل أن الجيوش هي مكامن القوة المرتبطة بالدولة من حيث بنيتها ووظائفها وكلفتها وأنها أعدت للتعامل مع التهديدات التي تتعرض لها الدولة من الخارج ، وبهذا المعنى تكون القوات العسكرية المسلحة أداة من أدوات السياسة الخارجية وظيفتها امن الدولةوالمجتمع وردع العدوان الخارجي والحرب عند الضرورة، ويمكن أن تؤدي وظائف لحماية الدولة من الداخل فيما لو تعرضت لما يمكن أن يهدد بنيتها وكينونتها . أما الأمن الاجتماعي الداخلي فهو من صلاحيات وواجبات الأجهزة الأمنية.
أما ثقافة الاستبداد العربية . فقد جعلت الجيوش، جيوش الأنظمة الحاكمة إن لم نقل جيوش الحكام أنفسهم ، وفي أحيان كثيرة كانت الجيوش هي الحاكم الفعلي. أي أنها تدير العملية السياسية في الدولة ولم تعد جزءً منها وحسب . بل أكثر من ذلك وباعتبارها تجتكر القوة المادية أصبحت في كثير من الحالات الند السياسي للمجتمع أو الشعب. وان عقلية العسكرتاريا افترضت أن الجيش هو النظام السياسي بعد أن يسقط الحاكم ، وأن قادته هم قادة النظام الحاكم المتوقع ، أو أنهم الفيصل فيما يمكن تشكيله من نظام حكم بعد الثورة . ذلك ما أسفرت عنه عمليات اجهاض ثورات الربيع العربي . فما حدث فعلياً يؤكد أن تلك الجيوش كانت جيوش الحكام وليست جيوش الدول وبالتالي جيوش الشعوب. وهذا يعني أن العسكرتاريا حالة متقدمة من الاستبداد تجعل من الفرع سيداً للأصل الذي هو الشعب . وهو أمر لا يتفق من حيث المبدأ مع الوظيفة الوطنية للجيوش ، ولا مع كون الدول هي دول الشعوب بكليتها والجيش أحد المؤسسات الوطنية الأهم . ولذلك من منطق علاقات القوة ليس من الممكن للشعب الأعزل أن ينازع الجيش على موضوع الحكم أو خلافه.
فالجيوش الوطنية هي مؤسسة القوة الرادعة والحامية للوطن والشعب على اختلاف سياسات حكامه . وكمؤسسة عامة وطنية أولاً ، لها عقيدة عامة وبنية خاصة وأهدافها تشكل اجماعاً وطنياً لكل الفرق والوحدات السياسية في الدولة . ولا يجوز بحال أن تكون حزب الحاكم ولا البديل القسري عنه . والأصل أن تكون أدوار الجيوش العربية كلها غير ما هي عليه اليوم.
لم تتوقف النتائج السلبية لثقافة الاستبداد العربية على الشأن الداخلي للدول ، وإنما تعدّتها إلى أن تبرر الوقوف في مواجهة ثورات الشعوب الأخرى . ولم يكن هذا التدخل أو ذاك مرتبطاً بالدافع القوي ولو كان كذلك . لكان من المتوجب الوقوف في مواجهة الأنظمة القمعية دون التدخل في صياغة حركات الانقلاب على الثورات أو حركات اجهاضها. ربما كان مثل هذه التدخلات مقبولة في مرحلة المد القومي ولأسباب تبرر بالدوافع الوحدوية ، ومع ذلك كانت توصف أنها تدخلات تعسفية وأحياناً اعتباطية إلا أنه في مرحلة تكريس الدول الوطنية العربية وحيث لم يعد هنالك مداً قومياً وحدوياً وثورياً، لم تعد هذه التدخلات مقبولة جملة وتفصيلاً، خصوصاً أن التدخلات تأتي غالباً من دول لا تستطيع أن تزعم بأنها ترفع راية القومية العربية ، وأنها معنية فعلياً بالشأن القومي للأمة وللوطن العربي. كما لا يمكن تبرير هذه التدخلات باعتبارها من أجل الحفاظ على الاستقرار والأمن أو دعم الثورات الديمقراطية للشعوب ومن منطلقات تقدمية وانسانية . فالواقع يشير أنها كانت تدخلات تدميرية انحرافية ، وأنها ذات طبيعة انحيازية سياسياً لمصلحة فئات دون الأخرى ، أو أنها ذات أهداف توسعية ومصلحية . وهنا لا بد من الاشارة إلى أن دولاً مرتبطة بأعتى قوة امبريالية في العالم لا يمكن أن تمارس إلا دوراً امبريالياً فرعياً يصب في النهاية في مصلحة القوة الامبريالية الدولية . وبالتالي يصبح من الضروري مقاومة هذا التدخل غير المشروع وطنياً وقومياً وإنسانياً . ولنا في ما جرى في بعض الدول العربية شواهد كثيرة على العلاقات المتداخلة بين الأنظمة القمعية والقوى الاقليمية المتدخلة والقوى الدولية، والنتائج التدميرية التي نجمت عن ذلك.
إن ما آلت إليه الأوضاع في العالم العربي بعد موجة الربيع العربي الأولى ، كما أن ما تنبئ عنه مآلات موجة الربيع العربي الثانية ، يؤكد بأن ثقافة الاستبداد وضعت العالم العربي والشعوب العربية أمام ثلاثة اختيارات صعبة وتتناقض مع منطق العصر والحداثة السياسية . وتشير إلى أن العالم العربي مازال يعاني من ذهنية رسمية ترتكز سياستها على ثلاث قواعد رئيسية:
الأولى: استخدام الدين الاسلامي أو بعضه كمبرر للاستبداد والزعم بالمحافظة على عقيدة المجتمع والدولة ، بحجة المحافظة على التراث واستحضار التاريخ المجيد للأمة واستنباط البديل الاسلامي لحل المشكلات المعاصرة . وفي هذا اجتهادات لا حصر لها . بعضها يعود للأصول وبعضها يعتمد الجزئيات . الأمر الذي أدى إلى تصنيف الأنظمة والجماعات والأفراد على طول المدى الموجود بين الكفر والايمان. وعلى اختلاف الحكم بين القتل والاستشهاد والتسامح.
الثانية: القبيلة كبنية اجتماعية سياسية وما يرتبط بها من فهم للأعراف والتقاليد وتوارث الزعامة . وذلك لتبرير الزعم بالمحافظة على هوية المجتمع والدولة بالتالي ، وتبرر اقتسام الغنائم وأيديولوجية المحاصصة ، بصورة شرعية اجتماعية . وكل ذلك نقيض لصيغة المجتمع المدني القائم على المواطنة ومعادلة الحقوق والواجبات.
الثالثة: العسكرتاريا- كأيديولوجية –وافتراض أن الجيوش وجدت كمؤسسات فوق الجميع بحجة حماية الوطن والشعب من المؤامرات الخارجية والداخلية ، الأمر الذي جعلها أكثر اهتماماً بضبط الأمن لمصلحة النظام والسيطرة على البلاد والعباد لمصلحته . علماً أن الجيوش هي التي تمثل حالة الاعتزاز الوطني للشعب ، والقوة الحقيقية للدولة ، والحامية لاستقلالها ككيان سياسي قانوني لشعب محدد الهوية.
إن هذه المرتكزات على الرغم من أهميتها في الذهنية السياسية والثقافية العربية ، ما كان يجب أن توظف لغير ما هو من وظائفها ولغير ما أريد لها أصلاً. فالدين هو عقيدة المجتمع ويبرر عادة بالإيمان والصلاح والاستقامة والسلام ، وهو بعيد عن الارهاب الفكري والمادي . والقبيلة وحدة اجتماعية تكرس صلة الرحم والدم وتمثل حالة اجتماعية قيمية تخدم سلامة المجتمع والتضامن بين وحداته انسانياً. أما الجيوش فهي بطبيعة تكوينها أداة لسياسة الدولة وليس هيئة سياسية منافسة للقوى السياسية في المجتمع. وظيفتها أكبر من تفاصيل العملية السياسية أي وطنية.
كان الربيع العربي بموجتيه ، كاشفاً عن ثقافة الاستبداد العربية بين أمور أخرى ، وتبين بأن التراكم المعرفي لثقافة الاستبداد العربية أدى إلى حالة من الافتراق بين الأجيال الشابة والمحدثة من جهة وبين ما عداها ، والافتراق نوعي ونهائي.
إن استقراء ما حدث أكد أن للأجيال الشابة وعيها المعاصر وأدواتها المعاصرة وطموحاتها المستقبلية، أي أنها المؤهلة أكثر للتعامل مع معطيات العصر الحديث.
وتبين بالمقابل أن النخب الحاكمة والنخب السياسية المعارضة لها على اختلاف مواقفها وأفكارها لا تتماشى مع النخب الشابة.
لذلك لجأت النخب الشابة للثورة السلمية ، وقاعدتها الجماهير الشعبية المختلفة ، ولجأت النخب الحاكمة إلى المماطلة والتسويف والسعي لإجهاض الثورات بأدواتها القديمة ( القمع تارة ، والادعاء بالتآمر الخارجي تارة أخرى، ومحاولة العبث بالجماهير وحاجاتهم تارة ثالثة ، وهكذا ... دواليك). أما النخب السياسية التقليدية ، فكانت موضوعاً للمنافسة بين النخب الحاكمة والأجيال الشابة . وتحدد دورها بعناوين (الحوار ، والمفاوضات ، والمساومات .. وما إلى ذلك ) .
ونظراً للضبابية التي عادة ما تخيم على الواقع السياسي المفعم جماهيرا، ونظراً لاستنزاف الوقت وقوى الحراك الاجتماعي، أتيحت الفرص لقوى الثورة المضادة أن تفعل فعلها وتعبث بالاتجاهات جميعها. ومن ثم المناورة من أجل الحصول على توافقات هشة مغالية في توفيقيتها وغموضها بهدف احتواء وربما انهاك واستهلاك الحراك الجماهيري. ونظراً لأن القوة العسكرية هي الأقدر على السيطرة والانتظام ، بدت وكأنها الفيصل في هذا التشابك أو الصراع. وبطبيعة الحال فإن للجيوش مغرفتها وخبرتها في سياسات واجراءات فك الاشتباك .
لقد نجح هذا التكتيك في مصر لكونها الدولة العربية القاعدة في التأصيل والتكوين الاجتماعي والمؤسساتي. وهو قيد التطبيق في الجزائر والسودان . ولكنه فشّل في اليمن وليبيا وسوريا ولأسباب مختلفة أهمها التدخلات الخارجية.
هل كان من الممكن تجاوز حالة الانسداد هذه ؟ ربما كان المطلوب أن تصر الجماهير الشبابية والشعبية من وراءها على مطالبها بإنهاء بنية النظام القديم/السابق، وليس فقط رموزه البارزين، وربما كان من المناسب أو الضروري تنظيم عناصرها لابراز قيادات واقعية من زخم الحراك الاجتماعي نفسه ، ومن ذلك استثناء بعض عناصر النخب السياسية التقليدية أو كلها إلا في حالة اللجوء إلى التفاوض عبر محددات ، وربما كان من المفروض الاستمرار بالجهد الثوري أيا كانت طبيعته طيلة الفترة الانتقالية ،... المهم أن يأخذ الحراك الثوري مداه. ذلك أن الشروط الموضوعية الدولية والاقليمية والوطنية تستدعي الانتقال من حقبة تاريخية قوامها عقلية ومكونات القرون الوسطى إلى حقبة تاريخية حديثة بكل فواعلها ومضامينها.
صحيح أن العالم الآخر لا يحبذ كله هذا الانتقال بالأمة من عصر قديم ديكتاتوري مستبد إلى عصر حديث وديمقراطي ، ولكن هذا هو ما يمكن أن ينهيه دخول الأمة بشعوبها في دائرة الفعل السياسي الدولي ، لا أن تبقى موضوعاً له. وهذا يعني رؤية طويلة الأجل وتاريخية بالمعنى النضالي على مختلف الأصعدة وطنياً وقومياً واقليمياً ودولياً.
ان الحراك الاجتماعي السياسي تاريخي بطبيعته ، ونقيض لثقافة الاستبداد في كل مكان وفي كل الحقب التاريخية، ولا يجوز لمكونات هذه الثقافة أن تبقى مهيمنة على العقل السياسي الاجتماعي العربي، ولا يمكن تحقيق التنمية والتقدم والحضور الحضاري والانساني، إلا بالالتزام بقيم الحرية والعدالة والمشاركة في صياغة الحاضر والمستقبل. أما الماضي وثقافته فقد أوصلتنا إلى ما نحن فيه، وكفى.
نحسب أن الشعوب العربية عازمة على دحر الاستبداد وبعد ذلك ستكون حلول كل المشكلات أقل كلفة . ويكون المستحيل ممكناً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما الأوضاع في إدلب السورية والمناطق المحيطة بها بعد الزلزال


.. الكارثة في تركيا التي خلفها الزلزال أكبر مما هو متوقع وما هو




.. بداية تنازلات الحكومة الفرنسية في مشروع إصلاح نظام التقاعد؟


.. الجمعية الوطنية الفرنسية تناقش مشروع إصلاح نظام التقاعد وسط




.. في شمال غرب سوريا.. الزلزال المدمر يضاعف معاناة السكان ويعقد