الحوار المتمدن - موبايل


العربية في ميدان العلم

سعيد عدنان

2019 / 5 / 30
الادب والفن


ثمة من يزعم أنّ العربية لغة أدب وشعر وأخبار فإذا أُدخلت ميدان العلم عَثَرتْ وكبتْ، وقصَرتْ أن تؤدي مقاصده.
وتريد هذه الصفحات أن تضع هذا المزعم على محكّ النقد، وأن تتبيّن مقدار ما فيه من صواب. وخير سبيل أن يُنظر إلى العربية في سياقة تاريخها، وما كان لها في كل حقبة.
كانت العربية في نشأتها الأولى لغة شعر، وخبر يروى، وقد بلغت في أداء ذلك مبلغاً عظيماً: دقةً في التصوير، وانسجاماً بين الألفاظ، وإحاطة بالعصر واستيعاباً له. فلما تنّزل القرآن الكريم بها اتسعت له فلانت ألفاظها وتراكيبها لمعانيه السامية ولم يضق لفظ أو تركيب عما تنّزل فيه من حكمة أو موعظة أو تشريع، وبدت كأنّها خُلقت من جديد متلألئة فيها المعاني القرآنية.
ثم نشأ علم الكلام، ونشأت بعده الفلسفة، وتُرجمت الآثار الفكرية الإغريقية إلى العربية، بل نشأت قبل ذلك علوم عربية إسلامية خالصة، كالنحو، والفقه، ومصطلح الحديث، ولم تعيَ العربية بأيٍّ من ذلك، ولم تعسر عليها الإبانة عنه. ونشأت علوم الرياضة، والكيمياء، والطبيعة، وكان لها مصطلحها الدال على جزئيّات فيها، وكانت العربية طيعة مرنة لم تشكُ مما حُمّلت من علم جديد، وكان العلماء في سَعة من أمرهم لم يصعب عليهم أن يؤدوا بالعربية شيئاً من العلم. وطرائق العربية في استيعاب العلم المستحدث كثيرة منها المجاز، ونقل الدلالة، ومنها الاشتقاق، والتعريب، والنحت ورائدهم أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، وما كان لأولئك العلماء أن يتيسر لهم سبيل أداء العلم بالعربية لولا أن كانوا ضليعين من اللغة قادرين على حسن التصرف بها يعرفون أسرارها، فهم أهل علم صرف، وأهل لغة.
ولم تكن اللغة في مأزق، ولم تعثُر بأداء علم أو معرفة لأن أبناءها كانوا بناة حضارة وطليعة مجد لا يرضيهم أن يجتزئوا بجانب دون آخر، وكانوا يذهبون إلى تكامل روافد المعرفة.
حتى إذا خبت جذوة الإبداع وانطفأ مصباحه سرى ذلك إلى اللغة فضؤُل سراجها ونضَب معينها وأدركها الجفاف، ولا يرجع ذلك إلى أمر فيها، بل إلى ما أصاب أهلها!!
ولما أقبل العصر الحديث، وأفاقت الأمة من رقدتها سرت الحياة في اللغة سريانها في الأمة، وعرف القرن التاسع عشر، ولا سيما النصف الثاني منه، رجالاً بذلوا جهداً كبيراً في إلانة اللغة والاقتراب بها من العصر وجعلها قادرة أن تعبر عما استجد من أفكار، وما أُستحدث من أشياء، وكان للصحافة الناشئة يومئذٍ يد بيضاء في ذلك فلقد تهدّت إلى عربية فصيحة لا هي بالمتوعرة الجاسية ولا بالمبتذلة العامية واتخذت منها أداة تواصل، وحمّلتها مستحدث العصر ولم تتوخَ فيها غير الوضوح والسلامة والإبانة عن القصد، ولم يكن من وكدها أن تتطلب الفن في الأداء.
وكان ممن قاد نهضة اللغة هذه حتى أعطته مقادتها: عبد الله فكري المتوفى في سنة 1889م، وعبد الله نديم المتوفى في سنة 1896م، ومحمد عبده المتوفى في سنة 1905م، وإبراهيم المويلحي المتوفى في سنة 1906م ومصطفى كامل المتوفى في سنة 1908م، وكانوا أرباب لسان وقلم جمعوا بين الخطابة والكتابة.
وكان لا بد أن تتوالى التجارب وأن تتعدد المحاولات حتى ينشأ نمط يضمُّ سلامة الأداء إلى جماله، فما أطلّ القرن العشرون حتى استعادت العربية رونقها وبهاءها واستقرت طرائقها في حسن البيان، وتمثلت روح العصر، وكان ممن ارتقى بالبيان وعرفته الصحف والمحافل: أحمد لطفي السيد (1870م- 1963م) الذي نعت بأستاذ الجيل، وأحمد حسن الزيات (1885م- 1968م) صاحب الرسالة، وطه حسين (1889م- 1973م)، وعباس محمود العقاد (1889م- 1964م)، وإبراهيم عبد القادر المازني (1890م- 1949م)، وكلهم كان صاحب بيان مشرق يقتدى به في نهج العربية، ولم تقف العربية عند الأدب والدين والفكر ولم تكتف بالتعبير عنها بل طَمَحتْ إلى العلم الصرف أن تعبر عنه، وأن تُلين جانبها له. وكان يعقوب صروف (1852م- 1927م) ممن لهم الريادة في انزال العربية إلى ميدان العلم، فقد ألّف وترجم، وأصدر مجلة ((المقتطف)) التي جمعت المنحيين: العلمي والأدبي على خير ما جمعا عليه، وعلى نهجه في منحى العلم جرى ابن أخيه فؤاد صروف (1900م- 1985م) إذ خلفه على مجلة ((المقتطف)) وعزز اتخاذ العربية لغةً في بيان الحقائق العلمية وكتب ((الإنسان والكون)) معرباً عن نظريات العلم الحديث في الفيزياء والكيمياء والفلك بلغة عربية فصيحة لا يعتروها خلل.
غير أن من ارتقى بلغة العلم وصفّاها وهذّبها وبناها على الوجازة المبينة وأجرى فيها نُسغاً حيّاً هو أحمد زكي (1894م- 1975م).
ولد في أواخر القرن التاسع عشر، بمصر، في مدينة السويس(1) وسلك سبل التعلم في أوائل القرن العشرين، وكانت بإزائه نهضة أدبية وفكرية يقودها رجال امتلكوا الثقافتين: العربية والأجنبية، وكان عندهم أن لا تُغني إحداهما عن الأخرى.
شدا من العربية وما يتصل بها أشياء، وتطلع إلى الثقافة الأخرى، وأراد أن يستقيها من بلدها فاتجه إلى إنكلترا ودرس من العلوم الكيمياء ونال فيها شهادة الدكتوراه، ولم يُرد أن يقتصر على العلم الصرف، وغايته تكامل المعرفة بعناصرها كلها، فمضى يدرس الفلسفة حتى أحرز فيها الدكتوراه فتم له إطار من المعرفة يلتقي عنده التراث العربي فكراً ولغةً بالتراث الغربي علماً وفلسفةً.
زاول التأليف والترجمة –عند عودته إلى مصر- في ميادين العلم والفكر، ودرّس علم الكيمياء في جامعة القاهرة، وكانت العربية حاضرة لديه في درسه، وفي تأليفه، وهي على أتم صفائها.
ترجم –في ما ترجم- ((بواتق وأنابيق، قصة الكيمياء)) من تأليف برنارد جافي. فأنزل العلم بلغة عربية فصيحة رشيقة واضحة الدلالة على حقائقه فكانت بذلك مثلاً شاهداً على أن العربية تسع العلم وتُحسن أداءه، وهو في صنيعه هذا يرى العلم متصلاً بمحيطه الإجتماعي قائماً عليه، غير منفصل عنه، ولا ريب في أن مما يصل العلم بالمجتمع ويُقيم بينهما الصلات اللغةَ المشتركة، فاذا كانت اللغة التي تعبر عن العلم وطرائقه ونظرياته وحقائقه غيرَ لغة المجتمع خسر الإثنان: العلم والمجتمع، فلا المجتمع أفاد الإفادة المرجوة من العلم، ولا العلم، استطاع أن يحقق غايته التي هي الارتقاء بمحيطه الإجتماعي، بل إنّ العلم لا يرتقي في طريقه من دون علاقة جدلية بينه وبين مجتمعه.
وألّف –في سياق نشر العلم متصلاً بالقيم الرفيعة- ((مع الله في السماء)) يتناول فيه ظواهر كونية فلكية، وقضايا فيزيائية بعربية سمحة يجد فيها القارئ المتعة مقرونة بالفائدة.
أدرك أحمد زكي، وهو في صدر حياته، أن العلم في المجتمع العربي ينبغي أن يتخذ العربية أداة اتصال لكي يحقق شرطه الاجتماعي.
وكان يرى أن من رسالته أن يبسط العلم بالعربية فلما تولّى رئاسة تحرير مجلة ((العربي)) التي صدر عددها الأول في كانون الأول سنة 1958م شرع ينشر ما يكتب في ميدان العلم، وكان في بابين واسعين الأول: ((مع الله في الأرض))، وهو عطف على كتابه ((مع الله في السماء))، والثاني: ((في سبيل موسوعة علمية)) فضلاً عن ((حديث الشهر)) الذي يديره في كل شهر على قضية مما يشغل الناس فيعالجها على نحو من السعة والتقصي منطلقاً من روح العلم في الموضوعية ورصد الوقائع على حقيقتها.
تناول في ((مع الله في الأرض)) الكائنات الحيّة في أنواعها، وتكوينها، وأعضائها، وأجهزتها، ونظر إلى ما بينها من وحدة، كل ذلك بعربية واضحة وجيزة قصيرة الجمل لا تدع لبساً في ما تروم قوله، يقول في الحديث عن الثعابين: ((إن الثعابين من الحيوانات ذوات الدم البارد، هكذا نقول. وإنما الذي نعنيه بذلك أنه ليس بها جهاز أو أجهزة تعمل على إبقاء حرارة أجسامها عند نطاق معروف، تتقلب درجة الحرارة فيه، ولكن في اعتدال كثير، كما في الإنسان، وفي الحيوانات ذات الأثداء وفي الطيور. والثعابين تموت إذا برد الجو فوق ما يجب فانجمدت بذلك أنسجتها، أو إذا احتر الجو فوق ما يجب كأن زادت درجة حرارته عن 40 مئوية. والثعابين بالطبع تهرب من كلتا الحالتين بالالتجاء إلى الموضع المناسب.))(1).
ولغته في الإبانة على وضوحها ووجازتها تنطوي على جمال أخّاذ، بل إن جمالها ينبع من الوضوح والوجازة وسلاسة الألفاظ، فلا غرو أن يجد القارئ فيها الفائدة والمتعة وقد امتزجتا معاً.
وتناول في ((في سبيل موسوعة علمية)) أشياء تتصل بالعلم وعالجها بمنهجه ولغته من حيث الاستيعاب والوضوح، يقول وهو يتحدث عن التاريخ مدوناً في باطن الأرض، وأعماقها: ((ونقف وقفة نتساءل فيها ما الأحافير؟ ونحن نحفر الأرض لنزيل عنها ترابها لأغراض شتى. والعلماء حفروا الأرض، وحفروها حيث سكن الناس، وحفروها حيث لم يسكن الناس في جبال ووديان، وحفروها في أعماق الأنهار وأعماق البحار، وخرجوا من كل ذلك على بقايا للحياة القديمة كشفت عن وجوه منها كثيرة. والشيء الذي يخرجه العلماء من الأرض، وله هذه الدلالة، نسميه أحفورة Fossil والجمع أحافير، وفي الأحافير قد تجد عظم ساق لحيوان، أو فكاً به أسنان، أو طابعاً لشكل نبات أو حيوان أو أو... فكل هذه أحافير. والأحافير التي خلفتها الأحياء الماضية بعد موتها، ثم اختزنت في بطن الأرض بسبب ما وقع في قشرة الأرض من ترسب وتغيّر، هذة الأحافير نوعان، نوع كان من عظم أو صدف أو شيء يدوم على الدهر فاحتفظ بهويته في الصخر، ونوع طري سهل التحلل والفناء احتفظ بشكله فقط ريثما تم طبعه في التربة التي دهمته. ومن الشكل المطبوع استدل العلماء عليه. ونشأ عن ذلك علم، وهو علم الأحافير Paleontology يربط بين ما يجده علماء الأرض منها، وبين ما عرف علماء علم الأحياء الحيّة، من شتى المخلوقات القائمة في تلك الأيام القديمة.))(1).
يتضح من هذه النصوص أن العربية طيعة بين يديه قادرة أن تجري في ميدان العلم وأن تبين عنه الإبانة السليمة التامة.
وإذا عدنا إلى المزعم الذي بَدأتْ به هذه الصفحات: أن العربية لا تقوى على أداء العلم وعرضناه على هذا المثال الساطع في البيان عن العلم وجدناه لا يقدر على الثبات، وأن العربية إذا تضلع منها الكاتب كانت لديه مبينةً أتمّ بيان عما يريد.

وبعد:
فان مما تخلص إليه هذه الصفحات:

- إن العربية قادرة على أداء العلم في هذا العصر كما قدرت على أدائه في الأعصر السالفة.
- إن العلم لا يكتمل مداه ويحقق غايته إلاّ إذا أدّي باللغة القومية، إذ إن ذلك يتيح له أن يتغلغل في المجتمع ويدخل في بنيته، ولا يكون مقصوراً على نخبة من مزاوليه.
- لا بد للعالم المشتغل بالعلم الصرف من أن يحسن العربية حتى يستطيع أن ينشر علمه في محيطه الاجتماعي.
- يدعو الباحث أن يكون التعليم في كلّ فروعه، وكل مستوياته باللغة العربية، وأن يُقتدى بما صنعته سوريا من تعريب للتعليم في كل مراحله، ولا يعني ذلك بأيّة حال إغفال تعلّم اللغات الأجنبية وإتقانها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - هل اخترق ابن سلمان الحوار المتمدن؟
محمد البدري ( 2019 / 5 / 31 - 17:09 )
هذه مقالة تصلح كخطبة يوم جمعة كونها مهمومة بالماضي من ادعاء بان للعرب نصيبا من العلم او انهم قادرين علي حيازة والمشاركة في انتاج العلم.
اللغة العربية خالية من اي مفاهيم عقلية أو فلسفية او حتي رؤي فيزيائية تؤدي للتفكير خارج منظومة الدين ومن المعروف والمؤكد ان الدين يخالف العلم تماما، لهذا وقعت المقالة في خانة البروباجاندا لا اكثر.

اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما