الحوار المتمدن - موبايل


لو كنتُ حكيما ، أو الشاعر متأمّلا

سعيد عدنان

2019 / 7 / 3
الادب والفن


يقوم الشعر في جانب منه على التأمّل ، والنظر في الوجود وتقلّباته ، والحياة وما يعتريها ، والمبدأ والمآل ؛ وذلك مدخل حرج من مداخله ؛ قد يعلو به في مدارج الفن ، وقد يتردّى به فيضيع الشعر في الفكر ، وينقلب الشاعر ناظم أفكار ، وصانع مواعظ ! لكنّ الشاعر العريق في فنّه ، المتوقّد الفكر ؛ قادر أن يجعل من عنصر التأمّل نسغاً يسري في الكلمات فيزيد من حيويتها ، ويتّسع بمداها 0
ولقد سلك الشاعر سامي مهدي سبل التأمّل ، وأقام تجربته عليه ؛ فتأمّل في الأشياء وزوالها ، وفي الإنسان وحالاته ، وفي الكون وما يتخلّله من ضياء وظلام ، وتأمّل في حيوات أسلاف قدماء متسمّعاً أصداءهم ، ونظر ، من قبل ومن بعد ، في مجرى حياته وتقلّب الزمان عليها ؛ كلّ ذلك بنغمة هادئة يلتقي عندها العقل بالعاطفة على قدر من الاعتدال وحسن المزج .
والتأمّل حين يبدأ فلكي يفضي إلى معنى مكتمل يسمو به الشعر ، ويفتح له رحيب الآفاق 0
وقد تجلّى ذلك كلّه قي ديوانين صدرا في كتاب واحد عن دار ميزوباتاميا ، في سنة 2019 ، ببغداد هما ؛ " لو كنت حكيماً " ، و " قصائد في الظل " 0
يبدأ متأمّلاً في هذا الوجود ؛ ما سرّه ؟ ما مبدأه ؟ ما منتهاه ؟ ما نحن فيه ؟ ألنا نظير في هذا الفضاء المتراحب ؟ أم نحن وحدنا ؛ لا يحيط بهذه الأرض غير الصمت المترامي ! فيكتب " المأزق " :
إذا لم يكن في المجرّات ،
في كلّ هذا الفضاء ْ
سوانا ،
فما أفقر الكون َ، ما أضيع الحكماءْ
وإذا كان السؤال ممّا يُلقيه العقل ، وينشغل به الفكر ؛ فإنّه في هذا المقام يجيء متوقّداً مشحوناً بما يثير الأسى ، ويبتعث حيرةَ الإنسان مذ وعى نفسه ، وأدرك ما حوله ، واشرأبّ نحو ما حُجب عنه . ثمّ ينظر الشاعر إلى مسعى الإنسان على الأرض فإذا به :
عصور من الشكّ والخوف
تخرجنا من عماء وتُلقي بنا في عماءْ،
ونحن على عهدنا
نتسلّى بما تهب الأرض من زخرف
ونعلّق أحلامنا بوعود السماءْ
فيا للحياة مع الوهم من مأزق مهلك
لم نجد فيه غير الشقاءْ.
وقد قال الشاعر القديم ، من قبل ، في مقام يشبه هذا المقام :
أرانا مُوضِعين لأمرِ غيبٍ ... ونُسحر بالطعام وبالشراب
وإنّما هي حال الإنسان تتجدّد كلّما نظر وتأمّل وفكّر !
وكلّ ما يتّصل بالإنسان يدعو إلى الدهشة والحيرة والتأمّل ؛ فإذا كان قد رجع بحيرته وهو ينظر في أجواز هذا الكون ؛ فإنّ الحيرة لا تنفكّ عنه وهو يسبر هذه الحياة ؛ كيف كانت ؟ وكيف التأمت صفحاتها ؟ وعلى أيّ نحو تمضي ؟ وتجيء قصيدة " حياتان " لتصوّر ذلك :
نحن نحيا حياتين في الأرض ،
واحدة لنعيش ،
وأخرى لنفهم ،
والفرق بين الحياتين ملتبسٌ ،
ولقد عشتُ حتّى تصوّرتُ أنّي فهمتُ ،
وما كنتُ إلّا من الواهمينْ ،
والفجيعةُ أنّي اكتشفتُ الحقيقةَ في أرذل العمر،
إذ لا خيار تبقّى
سوى أن أعيش وأن أتوهّم أنّي فهمتُ ،
وإلّا فلا حظّ لي في مصاحبة الزاهدينْ .
وإذا كانت كلتا القصيدتين قد جاءت بصوت الشاعر ؛ فإنّه صوت يتلبّس الإنسان ، بما هو إنسان ، ويعرب عمّا ينتابه ويتخالج في نفسه ؛ وكلٌّ منهما تصوّر جانباً من الحيرة ؛ الأولى : حيرة الإنسان وهو ينظر في هذا الفضاء الرحيب ، والثانية : حيرة الإنسان وهو ينظر في نفسه ، وفي مدرجه على الأرض ، ومسعاه في أن يعرف أشياء عنه ، وعمّا حوله . وكلتا الحيرتين تنبع من منبع واحد ، وتؤول إلى مآل واحد .
ومن تأمّلٍ في الكون والإنسان إلى تأمّلٍ في الفكر نفسه ؛ فيكتب قصيدة عن : " الحقيقة " التي هي غاية ما يسعى إليه الفكر ؛ كيف تكون ؟ وعلى أيّة هيئة تجيء ؟ :
تتوكّأ عرجاءَ على عكّازينْ
ضائعةً ، لا تدري من أين أتت
وإلى أينْ
والكلّ يجاذبها الثوب ،
ليدنيها منه ،
فتهوي مربكة بين بينْ .
ذلك ما يقبض عليه المتأمّل في الإنسان ، وتاريخه ، وفكره ؛ من " الحقيقة " ! إنّها عرجاء تتوكأ ، لا تكفّ الأكفّ عن مجاذبتها حتّى تهوي مرتبكة ! وتضيع ! ولا ريب في أنّ هذه الرؤية ثمرة تمرّس طويل في الفكر والحياة .
وينظر في هذا العالم وما آل إليه ؛ فإذا به فاقد الروح ، غائب المعنى فيكتب : " تجريد "
شجرٌ من إسمنت وحديدْ
وجدارٌ أجردُ لا نقشَ عليه
أو ظلّ نشيد
تجريدٌ هذا العالم في تجريد
لا شيء نؤكّده فيه لا شيء أكيد .
لا معنى يتعيّن للأشياءِ
وللأسماءِ
وللأنواءِ،
ومعنى هذا النصّ غيومٌ تنأى ،
تتبخّر في أفق ملتبس
أفق جدّ بعيد .
وقد يقع التأمّل على ظواهر من المجتمع فيحيط بها ، وينفذ إلى غورها مثلما جاء في قصيدة : " القفّاص "
لا تعجل
( قلت لنفسي )
هذا قفّاصٌ آخرُ ، من ملّة قفّاصين
تورّطَ في الليلِ الأسود
فأُنيطَ به نزعُ الألغام ،
ولكنّي ،
من قلّة صبري وفجاجة تدبيري ،
استعجلتُ وظاهرتُ القفّاص ،
وقلتُ لنفسي :
قد يُفلحُ في نزع الألغام ،
ويشقّ طريقاً لعبادِ الله إلى الفردوس ،
ولكنّ القفّاص
ما كان سوى قفّاص .
والقصيدة بارعة في تصوير شأن اجتماعيّ ، قديم جديد ، ما يزال يتكرّر ، وما يزال يجد من الناس من يُحسن الظنّ به ؛ لكنّه لا يلبث أن يتكشّف ويظهر المخفي منه !
وقد يلتقط حالة من حالات النفس فينظر فيها بالفكر المتأمّل ، ويبسط عناصرها ، ويرتقي بها فوق سببها ؛ مثلما في قصيدة : " لا تُخفني "
لا تُخفني
فقد خفتُ حتّى تعلّمتُ ألّا أخاف
وتعوّدت أن أضع الملح في الجرح حتّى الرُّعاف
وأغالب نفسي ، أفاجئها بقوى لا تراها ،
فلا أتوجّع أو أشتكي ،
لا أسوّغ أو أستسيغ ، ولا أزدري أو أعاف .
استظلّ بظلّي ،
وأتبع قلبي ،
لأبقى كما كنتُ قبل السنين العجافْ
طائراً غَرِداً يتنزّه في غابةٍ لا حدودَ لها أو ضفافْ
لا تُخفني ،
فقد خفتُ حتّى تعلّمتُ ألّا أخافْ!

وكلّ قصيدة من قصائد الديوانين عمادها فكرة جديدة طريفة ، أو نظر مستأنف في فكرة سائدة يُظهر منها ما خفي . وكلّها في مدار الإنسان الفرد ورؤيته لنفسه ، وللكون من حوله ، وللمجتمع الذي هو فيه .
وكلّ القصائد قصار ، محكمة البناء ، مصقولة ، مرهفة لا فضول فيها ؛ بُنيت لغتُها على الاقتصاد في اللفظ ، والنأي عن غرابة الاستعارة ، وافتعال الصياغة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما