الحوار المتمدن - موبايل


قراءة متعجلة في قصيدة-أنثى الماء..في ثوبها الأفعواني- للشاعرة التونسية المتألقة هادية آمنة

محمد المحسن

2019 / 7 / 4
الادب والفن




ليست سهلة على الإطلاق مهمة الغوص في معاني قصائد الشاعرة التونسية المتألقة:هادية آمنة.. فهي لاتكتب لمن يظن أن ظاهر النص وحده كفيلا بأن يجعله متذوقا وقارئا عاشقا لما تنثره من قصيد ..فلابد لمن يريد بلوغ مرتبة التآلف والإنسجام مع نصوصها التي تتسم بالقوة من أن يتسلح بمهارة غواص عليم بفن تأويل الرؤى الأدبية التي ترفض أن تكون مجرد جمل عابرة بين رواق القول الشعري،ببراعة وقداسة تتعامل شاعرتنا مع فن تمرير الرسائل وكأنها برديات كنوز ثمينة ،لإيمانها الأكيد أن للشعر كرامة لاتقبل أن ينتقص من قدرها،عزيز الغاية صانع مجد وحياة وليس وسلية ترفيه وتسلية،فهو رمز الهوية وهو لغة الوجدان،وتاريخ الإنسانية ..لذلك نلحظ وبوضوح ومن خلال تتبعنا لتجربتها الشعرية المشهودة ، ترفعها عن المواضيع المستهلكة التي تستهوي الكثير من الشاعرات ،وعامة القراء الذين ينأون بأنفسهم عن كل خطاب
..مسؤول يحتاج عمقا وإنصاتا شديدا لمعاني الحياة ..وقد استطاعت الشاعرة التونسية هادية آمنة أن تحقق التوازن النفسي اللغوي وفق صيغة الحاضر الغائب حيث بقى الانزياح يثبت الاستعارة مع البقاء على حركة الصورة الشعرية المتنقلة،وهذا جعل الصورة الشعرية مركبة على قدر المشاعر النفسية داخل النص.أي أن بؤرة النص بقيت تشع منها وتنسق شتات الرؤى..قصيدتها الأخيرة والمعنونة ب"أنثى الماء..في ثوبها الأفعواني عميقة ومدهشة وبإيقاع لغوي تصويري يداعب الذائقة الفنية للمتلقي..
وأنا أهم بالكتابة عن القصيدة النثرية المتفردة ( أنثى الماء..في ثوبها الأفعواني )للشاعرة المبدعة هادية آمنة،لم أخطط كثيرا لما سأقوله عنها فلست من عشاق الاوراق المسودة ،سواء تعلق الأمر بقراءة كهذه او قصيدة او نص قصصي،مسوداتي داخل رأسي ،وقلمي غربال افكاري،وطرقي في الحديث نفعية القصد ،أكره اجترار الأحاديث ،وأنأى بنفسي عن الغموض،وكثرة الاستشهادات ،ولقد أعلنت هذا مرارا فيما سبق وكتبته ،فالغاية عندي تقريب النصوص وتدليلها من عامة القراء ،ولست أضع نفسي موضع الإنابة عن أحد ،ولا ألزم قلمي بأكثر مما يطيق ،ولا أرغمه على تقليد غيري ،إنما أدندن حول النصوص التي تستفزني ،بما أعلم وما أراه مجديا ،حتى أنني لا أتخير بين طول وقصر ما سأكتبه ،فإن النص الاصلي هو من يمنح أسباب الحديث،فلايكون التوقف إلا بإحساس خالص بالكفاية ،ورب جملة واحدة يتفجر من خلالها مجلد عملاق ،ومجلد عملاق تعصره فلاتخرج منه إلا بجملة ،كما أن طريقة التقسيم الشكلاني الثابت للدراسة لاتوافق رؤيتي،لاعتقادي أنها ترغم النص الاصلي على الخضوع إلى قوالب ، منها ما يؤدي إلى التكرار ومنها ما يفرض السكوت عن أمر ما يظلمه السكوت عنه،كما أن النصوص الأدبية حين تخضع لموازين وترسيمات شكلية تعاني تباينا في توهج النص يختلف بين القوة والضعف عاطفيا ،فإذا الحشو شبه مفروض حتى وإن تم المعنى،فيكون وجوب الالتزام بالشكل المرسوم مسبقا،مكلفا على حساب نفس المبدع ،فيأتي بما يبدو اضافة لاطائل من ورائها،فيكون فعل التمديد او التقليص ظالما للقول مؤذيا للإحساس ، وماينطبق على الإبداع ينطبق على النقد،فكلاهما أدب ومن شروطهما جمال العبارة وجدية الخطاب ،ولا الزم أحدا بهذا ،بيد أني مصر أنه إذا قال بيت القصيد كل شيء ،كان كافيا للإستدلال على قصدية النص أو حتى فنيته ،بيد أن هذه الأخيرة في غالب الوقت تتطلب فعلا نوعا من التتبع والدراسة الكلية للإبداع ،خاصة فيما يتعلق باللغة والتجنيس والشكل
وإذن؟
الكلمة الشعرية إذا ليست مجموعة حروف مجموعة مع بعضها البعض لتشكل كلمة ؛إنها مجموعة من الأرواح المتشابكة تبعث فينا الروح و الثورة .‏
إن الكلمة الشعرية كالينابيع التي تتفجر في سطح الارض ،تتشكل و تتخمر عبر سنين طويلة ثم تشق وجودها الى حيز الوجود .‏
والشاعرة التونسية هادية آمنة التي تقف أمام ذاتها، وتحاول الكشف عن القيم النبيلة في الانسان باستخدام لغة لها اتجاهان: واحد للاشارة، والآخر للتعبير عن انفعالها بما حولها. وإذا صحت المقابلة، فإننا أمام صورة فنية تحتم الالتفات إليها والتمعن فيها، كمثل ما تحتم ذلك الأسئلة في الرياضيات والفيزياء وسواهما من العلوم .بمعنى آخر،فإنه يجب علينا إذا ما رغبنا في تحليل هذه القصيدة،تقديم تحليل شامل يوجب البحث عن الانسجام بين أجزائها جميعها،دلاليا وتركيبيا وجماليا،وذلك لاكتشاف المعنى الحقيقي ومعرفة آلية تمظهره في اللغة الشعرية..


و قبل أن أنهي هذه القراءة خلف كلمات “أنثى الماء..في ثوبها الأفعواني” لا بد أن أشير الى أن الشعر هو عمل لغوي بالأساس و من لا يكون له حس مرهف باللغة و عشق لها لا يمكن أن يتعاطى فعل الكتابة و الشاعرة هادية آمنة تسعى دوما الى الإنفتاح على أفاق تعبيرية جديدة تفصح من خلالها عن تجربتها كمربية أجيال و تقول غائر مشاعرها بأناقة لغوية لافتة .
لنستمتع بهذه القصيدة التي تحمل إمضاءها:أنثى الماء..في ثوبها الأفعواني

أفْعى قرطاجنيّة أكون
أتلوى أتمطّى
وأندسُّ في سكون
بين ذراعيك العتيّة
ابتسمت وقلت
” صارت هديّة”
أتلاعبُ فأنسيك وعن كلّ العالم أُلهيك
تتخدّرُ بِعطُوري
ساحرة أجتذبُكَ بطِيبِ بَخُوري
الكَونُ طلسمٌ ترَاه لا تَدْري كُنْهَهُ و لا تفهمُ مدَاه
بينَ شُموع الهَوى
أجعلُكَ تدُور
أُسكِركَ خمرًا عتيقةً من أبْعَدِ العُصور
تعيشُ ألف ليلة في ليلة
أجعلكَ شهريار
ترى النُّجومَ في وضح النّهار
انسحَبت الأفعى
بين الأطلال
طيفٌ كانت في عالم الأحلام …

هادية آمنة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الفنان السعودي خالد عبدالرحمن


.. الممثلة اللبنانية #إلسا_زغيب تفوز على #أمل_طالب في حلقة قوية


.. يوميات رمضان من القاهرة مع الفنان التشكيلي محمد عبلة..




.. إيرادات السينما العالمية تنخفض بـ80 بالمئة جراء إجراءات كورو


.. #لورنس_العرب.. السينما العالمية تطارد المغامر الإنكليزي في ا