الحوار المتمدن - موبايل


صُوَرٌ في العتمة

صبري رسول
(Sabri Rasoul)

2019 / 7 / 9
الادب والفن


بارتباكٍ قلقٍ كان ينظر بعينين كسيرتين إلى ضوء خافت يهطلُ من النّافذة المنثكمشِة على نفسِها، انزوى إلى حواره المتقطِّع مع بقايا صورٍ عالقة في داخله، الصّورة المتشظِّية تكتسبُ ملامحَ بليدة عند استعادتها من قاع الخوف، عندما أنجبَتْه أمُّه كانَتِ الشَّمس تعلو على قمة الجبل بأمتارٍ قليلة، ومع صرختِهِ الأولى عرضَتْه الدَّايةُ تحتَ خصلات شمس نيسان الذَّهبية المنسابةِ على الكونِ، قائلةً: يشرب الجسدُ الضوءَ، فيتحرّر من الخوف، يكسر الزوايا الضّيقة وينطلق مع الأفق المفتوح، إنّه الجسد البشريُّ يتغلْغلُ الضَّوءُ إلى داخله مع الجرعة الأولى من هواء الولادة، ثم أضافت بلهجةِ حكماءِ التَّاريخ: صرخةُ الطّفل الأولى في الحياة توقيعٌ منه على ميثاق الاستمرارية فيها، كان يتمطّط بأقمطته تحت دفْءِ نيسان، مستمداً منه قوةً تمسكه بالحياة، من قوة هذا الشَّهر في التَّجدد والانبعاث تحقيقاً للعرف المقدَّس السَّائد في ولادته المائية، أغمضَ عينيه على ألمٍ منتشرٍ في أصقاع الجسد، وابتلع آهةً كتيمةً لم تجدْ لها مكاناً في فمه.
تلمّس أطرافَه السّفلية ليُكذِّب خشبيةَ روحِهِ، لكنَّه لم يجدْ نهايةً لركبتيه، ولم يستطع تحديد الشَّكل الذي تنتهي به قدماهُ، نهاية لينة عجينية، شبيهة بغفوة طفلٍ بعد بكائِه على أمِّه، خانَه الإدراكُ من معرفة الزَّمن الذي أخذتْ فيه قدماه هذا الشَّكل، ولم يعلم أأكلتْهَا العتمةُ أمْ تضاءَلَتَا بفعل كثافتِها. كبساطةِ عذريةِ الرِّيف، كان ينظر إلى الآخرين بعيون النّبوّة، ويرى النَّاس كسنابل حبلى بالخير، لكنَّه لم يجدْ تفسيراً دافئاً لرفضِ ذواتِ اللّكنةِ الثقيلةِ لشكْلِه، ولطريقة نطقه لأحرف الحجل الشَّجية، جمع مواويلَ أمِّه وأغاني الحصيدة، وأعادَها كخرقٍ باليةٍ إلى مهده الخشبي، المزخرف، وربطَها في مكان نومِهِ بـ( دسْتْ بَنْدْكَا – DEST BENDKA) المهد قائلاً : أمي هذه مواويلُك وحكاياتُك من التَّكوين والعدم، وعن السّلالات المائية والصّخرية، أودعتُهَا في مهدي كي لا تجلبَ لي متاعبَ وأوجاع لا قوة لي بحملها، ونسي أنَّ الأم تتركُ صدى أغانيها عميقاً على ملامح الابن، فيبقى أسيرَ لونِها حتى القيامة؛ مع مرور الأيام استمدّ القلبُ قوةَ خفقانِه من صمتِ الجدرانِ الكتيمةِ المشبعة بعتمة السِّنين، فتسرَّبَت العتمة إلى داخلِه، ومع الزَّمن اعتاد الجسم على القوى الخفيَّة في العتمة، يسقط النُّور الخجولُ من أعالي الكوة، فتتنفّسُ الكائنات الخامدة، و الجمادات في الغرفة، وحدَه يتضاءل حجمُ الجسد باحثاً عن زاوية تحتفظ بعتمتها، كلَّمَا أخذتْ ضآلة الجسم شكلها الأقصى تحتاج إلى كميةٍ هائلةٍ من كثافة العتمة ليعود بها الجسم إلى حجمه المعهود قبل سقوط الضوء في فضاء الغرفة، تسرَّبت العتمةُ الصَّامتةُ إلى مفاصل الجسد، وتغلغل طغيانُها في عتيق الرُّوحِ، أصبحَ كائناً ذائباً في الظَّلام، يرتقي إلى معاني العدمِ، بنشوة الصَّمت، ويتلاشى مع فضيحةِ الضَّوء للكائنات، غابتْ عنه صورُ الحياة تحت النُّور، واهتزّ مخزونُها، احتضنَ ظلامَ الغرفةِ الرَّخو ولم يَعُدْ يذكر من مواويل أمِّه، وهي أعذبُ من مياهِ (كانيا بلك –KANYA BELEK). أغمض عينيه بقوة، وبدأ العدم التَّالف يصعدُ إلى أعلى جسمه.

قامشلي 28/11/2005م








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حواديت المصري اليوم | حكاية ممثل شهير في الأصل ملحن كبير.. م


.. يستضيف الاعلامي دومينك ابوحنا في الحلقة الاولى من Go Live ا


.. عبد الغني النجدي باع الايفيه لاسماعيل يس و شكوكو بجنيه .. و




.. دراما كوين | تترات المسلسلات من الموسيقى للغناء.. أصالة وعمر


.. تحدي الضحك بين الفنانة رولا عازار وأمل طالب في #التحدي_مع_أم