الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حروب الآلهة -1

محمد ابداح

2019 / 7 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


في ليلة متأخرة من ليالي الشتاء الباردة طلب أحد سلاطين الدولة العثمانية من كبير الخدم في القصر تجهيز غرفة أخرى من غرف القصر كي ينام فيها، لأن أصوات نعيق الغربان فوق جثث أعداءه في جدارية إحدى معاركه المُكللة بالنصر كان يمنعه من النوم، ونحن المؤمنين بجدوى الصمت في أوطاننا العربية قد يقلقنا مغزى الحكاية، رغم أن المنطق الذي يحكمها قد يخلق حقلا مغناطيسيا للنقد الجاد، إلا أنه بالتأكيد ملف مزعج للجهات الأمنية، لأن تلك العلاقة بين صورة الواقع والصمت تستبيح ذلك الشك الغافي في أعماقنا حول حقائق نُسخت بالذاكرة أكثر مما نُسخت بالنسيان، وبات لكل موقف منها عيدٌ يأتي بموعده. وتركيا على أية حال في ركب الغرب وذلك الأرق الذي يصيب سلاطينها من نعيق الغربان لا يمت بصلة لنا نحن العرب.
لكن من أين أتتنا تلك الفكرة؟ بأن الصورة تعبر عن ألف كلمة، وبأن لها روحا تتنفس، وبأن تأمل المريض في صور الكون كالسماء الزرقاء والبحر والقمر والنجوم والزهور يساهم في تحسن حالته الصحية. لعلّ الأمر يتعلق بأشخاص من بيننا أي أولئك الذين حددوا لنا قِيَمنا وطرقنا التي ينبغي المسير فيها، ومن هنا قد يصبح الوضع أكثر إزعاجا من نعيق الغربان، فإنسان الماضي كان ليؤمن بصورة سواءا أكانت كونية أم من صنع يديه، حتى يسمع حديثها ويحاورها ويعبدها ويتقرب إليها، وفي المثال السابق شواهد تتجاوز التمثيل، فعظمة المشهد يسري أثره في جسد المتأمّل، وبذلك تتشكل تلك الروابط السريالية المقدسة ما بين الصورة والعقل، وبذلك يصبح للصورة سلطة فعلية.
لكن قد نتسائل كيف أمكن حدوث ذلك النفوذ ؟ وكيف تم توظيفه فكريا ودينيا وسياسيا؟ هل حاول سقراط الذي (أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض – شيشرون) من خلال صمته أمام الصور الدينية فلم يُروى عنه قط إساءته أو تدنيسه لأي من المعتقدات الدينية رغم أنه لم يضاهيه أحد في قدرته على الإقناع، وفي محاربته للسلطة السياسية، وهل مات الرواندي دون أن يشهد تغير الأوضاع النمطية الغامضة للصور، والتي لا تنفك عن دحرجة أكثر يقيناتنا ثباتا من قمة هرم عقولنا المتعبة؟ إذن فمالذي تغير في العقل الغربي حتى استغني بحبة دواء عن الصور والقرين وطرد الجن والشياطين؟
إن كل تلك الأسئلة لاتعد من نافلة القول بالقدر الذي قد تبدو عليه، فالأمر يتعلق بمنعطف حضاري، لكنه حاد وذو مسار إجباري مما يسترعي استثارة بعض الحواس الغافية فينا، فمن المعقول أن المرء يفضل أخذ حبة دواء لازالة الصداع على التمعن في صورة الحدائق المعلقة، كما أن صورالمسجد الأقصى التي تزين معظم شوارع العواصم العربية لم تمنع من سقوط القدس، وعلى النقيض فإن صور الخميني التي تملأ شوارع إيران لم تمنح طهران كل ذلك النفوذ السياسي والعسكري باليمن وسوريا ولبنان والعراق، وبالقطع ليست طريقة وخز دمى الأعداء بالإبر ( الفودو) هي من مكن إثيوبيا من لجم ردة فعل مصر أمام بناء سد النهضة.
وإذا ما استثنينا - الراسخون في العلم- في الدول العربية فإن آثار الصور الصامتة والناطقة على حد سواء قد باتت عضوا في جسد حياتنا العامة بكل ما لها من تداعيات وانحرافات بالغة، غير أن الذي تغير هو انفلات تلك الإنحرافات من قبضة رجال الدين لصالح الأنظمة السياسية الحاكمة، أي أن الصورة قد انتقلت من قبضة السماء لقبضة البشر، تماما كما قيل في سقراط ( أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض). ورغم ذلك المشهد المؤسف هل فقدت القوة الفاعلة للصورة المقدسة صولجانها في العقل العربي؟ حال الواقع ليس كذلك، فمن المؤكد أن عيوننا لازالت تُمطر بغزارة ونحن ننظر لصور فتنة القبر وعذاب النار، وفتنة الخروج على طاعة ولي الأمر، وهي ليست كفتنة جدارية قصر السلطان العثماني، وهي بالتأكيد ليست كصور الزعماء العرب المليئة بالنعيق المزروع في كل زاوية من زوايا حياتنا العامة والتي لا يجرء أحد على التفكير بإزالتها من جدران المباني الضخمة والمكاتب العامة. نحن نعلم جيدا بأن الصورة النمطية الثابتة بكافة أشكالها على مر التاريخ أريد لها أن تمارس فعلا وتحث على الفعل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد توغل بري إسرائيلي وقصف مكثف.. نزوح عائلات من حي الزيتون


.. هل بدأت التحولات بالمواقف الأمريكية من حرب إسرائيل على غزة؟




.. هل سيؤدي تعليق شحنة الأسلحة الأمريكية لإسرائيل للضغط على نتن


.. الشرطة الهولندية تفض اعتصام طلاب مؤيدين لغزة بجامعة أمستردام




.. هل بدأت معركة الولايات المتأرجحة بين بايدن وترامب؟ | #أميركا