الحوار المتمدن - موبايل


كشاجم !!

توفيق أبو شومر

2019 / 7 / 17
كتابات ساخرة


نجح مارك زوكربيرغ بمستحضره الأثيري، (الفيس بوك) في كشفنا على حقيقتنا، فقد جرَّدنا من أغلفتنا الخارجية، استخرج منا فكرنا، نثرنا فوق بساطه الساحر عُراةً مكشوفين، أبرز جوعنا، وشغفنا، وعطشنا، وبحثنا الدائم عن الزعامة، والرفعة، والعلو. والسمو، أخرج نقائصنا، وعوراتنا، جعلنا نعترف بكل مكنونات أنفسنا، بلا غرف تعذيب، وبلا خبراء في فن التحقيقات الشرطية، ثم وثَّق اعترافاتِنا بالصوت والصورة!
إن إدمان تصوير النفس، ونشر الصور الشخصية، العائلية، والاجتماعية قد يكون مرضا من أمرض الألفية الثالثة، وقد يكون فايروسا أصاب جهاز مناعة المجتمعات الضعيفة والمقهورة، وقد يكون محرضا على الثورة والتمرد؛ وقد يكون في الوقت نفسه علاجا تنفيسيا للخروج من الكوارث، والمصائب، والأمراض المحيطة بنا من كل الجهات، كالفقر ، والقهر، والإحباط، والتشاؤم، وقد يكون بديلا عن التمرُّد، والثورة، والمطالبة بالحقوق.
أظهر ولعنا بالألقاب التي تسبق أسماء الأفراد في شبكات التواصل الاجتماعية، وفي عناوين الندوات واللقاءات، مثل: الأستاذ، البرفسور، الدكتور، والأديب الكاتب، والشاعر الصحفي، والمختار، والإعلامي الصحفي، ومهندس المهندسين، بالإضافة إلى ألقاب السياسيين، بدءا بالجلالة، والرفعة، والسمو، وانتهاءً بالمعالي، والأمناء العامين للأحزاب، وأعضاء المكاتب السياسية، كذلك الحالُ مع مديري الجمعيات، وأعضاء الحركات والنقابات، وغيرها من المسميات.
لا يعرف مدمنو هذه الألقاب أن ألقابهم تؤثر سلبا عليهم، وتثير الامتعاض والاستهزاء، فإغراق الصفحات بالصور الشخصية، وعشرات الأخبار اليومية الساذجة، يؤدي إلى نتيجة عكسية تماما، وهي أن يكره المتابعون هذه الشخصية، مثلما يحدث في الدول الديكتاتورية، حين تكره الشعوب حاكميها لأن أنصار الحاكم يفرضون نشر صور الحاكم الأول وهو في ريعان شبابه، في شوارع الوطن، وفي مراكز الحكومة!
(الكشاجميون) الذي ابتدعته عنوانا لمقالي منحوتٌ من اسم شاعرٍ فلسطيني، عاش فترة من حياته في مدينة الرملة، ثم صار شاعرا في بلاط، سيف الدولة الحَمْداني، اسمه الحقيقي، أبو الفتح محمد بن محمود السندي، توفي في القرن العاشر الميلادي، غير أن اسمَه الأكثر شهرة من اسمِه الحقيقي هو(كشاجم)!
كان شاعرا مبدعا، لم يكتفِ بأن يكون شاعرا، بل كان أديبا، وفلكيا، وفيلسوفا، فاختصر كل تلك العلوم في حروف؛ (كشاجم)، مستغنيا عن اسمه الشخصي.
فالكاف الأولي تعني: كاتب، والشين، تعني شاعر، والألف بعدها تعني: أديب، أما حرف الجيم، يعني : جدلي، أما الميم فتعني: منطقي.
هذا العلَّامة لم يلحق بمارك زوكربيرغ، فلو أنه عاش في عصرنا، لما أسمى نفسه بذلك، لأننا تفوقنا عليه، وأصابنا طغيانُ الغرور لدرجة، أن شخصا لم يكتفِ بتطريز عدة ألقاب أمام اسمه الشخصي، بل إنه يبدأ الألقاب بتعبير (نحن) الذي يشير إلى الفخامة، والسمو، والرفعة. قديما قال الشاعر:
إني رأيتُ بني العباسِ، قد فَتحوا.... من الكُنى والألقاب أبوابا
فشبَّهوا رجلا، لو عاش أوَّلَهم...... لم يُرضَ به للدار بوَّابا
قلُّ الدراهمِ في أيدي خليفتِنا... فأنفقَ في الأقوامِ ألقابا.
وقال ابن رشيق القيرواني، يذم شيوعَ ألقاب الفخامة عند حاكمي العرب في الأندلس، حين افتنَّ الأندلسيون في نحت ألقاب، معتمد، مقتدر، معتصم، مستعصم، مهدي، ومهتدي، ناصر، مستنصر، منصور.... قال:
مما يُزهِّدُني في أرضِ أندلسٍ.... ألقابُ مُقتدرٍ فيها ومُعتضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدِ.
ألقابُ مملكةٍ في غير موضِعِها..... كالهِرِّ يحكي انتفاخا صَولةَ الأسدِ.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - دكاترة الكهنوت الجديد
ابراهيم الثلجي ( 2019 / 7 / 17 - 12:18 )
قد تكون مداخلتي على ضفاف المقال فاعذرني مسبقا
فان هناك صفات مكتسبة في السلوك البشري تنتج عن ترك مجريات الأمور تسير على الهوى وحسب ما تتمنى النافس لنفسها بعيدا عن الجهد والعناء
ولناخذ اليوم المراتب العلمية بعيدا عن عالم الجبروت حيث التسميات هناك كانت لغايات إرهاب الجمهور للتمكن منه والسيطرة عليه
في الثلاثين سنة الأخيرة وخاصة في بلدان العرب برزت أسماء ملزق فيها لقب دكتور لمواضيع ولا أقول علوم لا معنى لها ولا فكاهة ولا مازية حسب قول غوار وأبو عنتر
فلان كيف بدنا نسويه وزير نلبسه لقب دكتور وهو لو فلح فيه وفي علومه لما بهدل نفسه وهو يلهث للمنصب والجعمصة في عالم الوزارة والسياسة
حتى غدا اعداد الدكاترة في الوطن العربي اكثر من عددهم في أوروبا او اليابان دون نتيجة تذكر او لا تذكر
والطامة الكبرى عندما غزت هذه الألقاب علوم الدين ليتشكل عندنا كهنوت ديني مرعب يفوق كهنوت بولص والكنيسة في العصور الوسطى، بالرغم من ان علوم الدين منزلة من الرب العليم وسماها قران مبين
فصرت كل يوم تسمع لفتاوي جديدة عن الدكتور فلان وعلنتان وهو يخالف فيها أصول المنهج ويخرب بيت الامة فوق ما هومتهافت
وقالوا كذبنا لمصلحة الرب؟


2 - في الصميم
توفيق أبو شومر ( 2019 / 7 / 17 - 18:33 )
أشكرك على تكثيف الأفكار، نحن بالفعل نُعاني من انتشار فايروس الألقاب ، بخاصة في العالم العربي، وهو أحد أبرز أعراض مرض الاستبداد، الذي شخَّصه المبدع، عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد،!!!

اخر الافلام

.. لحظة إصابة فنانة فلسطينية برصاص الجيش الإسرائيلي تثير غضب ال


.. مصر.. إجراءات مواجهة كورونا تعصف بأفلام العيد |#اقتصادكم


.. وفاة الفنانة نادية العراقية بعد إصابتها بفيروس كورونا




.. On Demand | الأفلام التي ستعرض في صالات السينما بمناسبة عيد


.. ا?سباب وقف التعامل مع المخرج محمد سامي من قبل شركة المتحدة