الحوار المتمدن - موبايل


کوردستان العراق، الاوضاع السياسية، الاحتجاجات الاجتماعیة والآفاق المختلفة/ القسم الثالث

نادر عبدالحميد
(Nadir- Abdul-hameed)

2019 / 7 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


تمهيد
تحدثت في القسمين الاول والثاني عن التطورات التاریخیة والسیاسیة الاجتماعیة التي حصلت علی صعيد کوردستان العراق في العقود الثلاثة الماضية (١٩٩١٢٠١٩)، وکذلک تطرقت لدور الحرکة القومیة الکوردیة واحزابها سواء کانوا في السلطة ام المعارضة، لکننا لم نتطرق إلا بشکل عابر إلی الحرکة الإسلامية وحرکة الیسار الرادیکالي والشيوعي، لذا یستوجب هنا ان نتحدث عنهما کي تکتمل الصورة في رسمنا للاوضاع السیاسیة والاجتماعية اولا وثانيا إعطاء خلفية فکریة وسياسة للآفاق السیاسیة المختلفة والمطروحة داخل الحرکات الاعتراضية وهو موضوع هذا القسم. أما واقع الطبقة العاملة وحرکتها المهنية واعتراضاتها الاجتماعیة ومدی انعكاساتها علی حرکة الیسار والشیوعیة وعلی الجو السیاسي العام في کوردستان العراق، نحيله الی مقال آخر.
الإسلام السياسي ليس أفقًا سياسيًا مطروحا
حاول التيار الاسلامي أن يُجَرجر نفسه مع إعتراضات الجماهير ضد فساد سلطة احزاب الحرکة القومیة الكوردية، يجرجر نفسه مع تظاهرات الشرائح المختلفة ضد قلة الخدمات الأولية. إلا ان النموذج الحي للقمع والتهور للجمهورية الاسلامية في إيران والتي تقع على مرمى حجر من جماهير كوردستان العراق، وکذلك الممارسات القمعية ضد الحرية ومظاهر التمدن خاصة إثناء سیطرة هذا التيار علی بعض القری والبلدات في تسعينيات القرن الماضي وفرضە لقوانین الشریعة الإسلامية کالجلد والرجم وفرض السنن الرجعیة، جعل من النموذج الذي يطرحه الاسلاميون نموذجاً منبوذاً امام جماهير كوردستان.
دخل (الاتحاد الاسلامي) و(الجماعة الإسلامية) في تحالف مع حزب (التغییر) وشکلو کتلة المعارضة القانونیة والبرلمانیة لأول مرة في التاريخ السیاسي لکوردستان العراق بعد الانتخابات البرلمانیة في الاقلیم سنة (٢٠٠٩)، خاصة إثناء وبعد الحرکة الاعتراضية المعروفة بـ(حرکة ١٧شباط ٢٠١١) والسیطرة علی هذه الحرکة وکسب امتیازات من سلطة الحزبین (الدمقراطي) و(الاتحاد) والدخول في الحکومة المشترکة معهما في (٢٠١٤) وفشلهم في غضون سنة، وبذلک فضحت هذه المعارضة وتعرضت مقرات احزابها لحملات المتظاهرین وشتائمهم تعبیرا عن غضب الجماهیر ضد "خیانة" هذه المعارضة خاصة بعد الموجة الجدیدة للمظاهرات التي انطلقت عام (٢٠١٥) واستمرارها لغایة آواخر کانون الاول (٢٠١٧).
الاسلام السياسي لم يتمكن طوال تأریخه من ان يندمج مع الاعتراضات الجماهيرية في کوردستان العراق كما هو الحال بالنسبة لبعض من دول مایسمی بالعالم الاسلامي والعالم العربي، بل انشغل بالتحالفات مع احزاب الحركة القومية في المعارضة والسلطة. ان تواجدهم داخل (حرکة ١٧شباط ٢٠١١) لیس حصیلة مقبولیة آفاقهم وسیاساتهم بل کان ثمرة تحالفهم مع حزب (التغییر) القومي، اي ان هذا التيار لم ولن يشکل معارضة جماهيرية في کوردستان ضد السلطة كما هو الحال في بعض دول العالم، بل انه معارضة داخل محيط البرلمان وذلك لتثبيت القوانيين الدينية الرجعية، لقولبة الحريات والمظاهر الحضارية والثقافة العصرية التقدمية وفقاً للدستور والقانون وبالتضامن مع احزاب الحركة القومية الکوردیة.
الحركة القومية في كوردستان العراق حققت تحالفها مع تيار الاسلام السياسي سواء کانت في السلطة ام المعارضة وذلك لفرض "المقدسات الدينية والقومية" علی المجتمع. فمن جانب المعارضة اعلن (نوشیروان مصطفی) الاب الروحي والمٶسس لحزب (التغییر) وفي اوج معارضته بان "الاسلام وثوابته خط احمر بالنسبة لنا"، ومن جانب السلطة وضعت مختلف المطبوعات الصادرة من قبل "وزارة الثقافة" تحت رقابة "وزارة الأوقاف"، وکذلک غظ الطرف عن فتاوى أئمة المساجد ضد نشطاء حقوق المرأة، والمثقفين الداعين الى التمدن والعلمانیة، لخلق وفرض أجواء ثقافية خانقة، فكرية وسياسية على المجتمع، كي يتم في ظل هذا الظلام الاسلامي الدامس ممارسة الفساد ونهب ثروات المجتمع على حساب حرمان الجماهير من الخدمات و اضطهاد العمال. بهذا المعنی فان کلا طرفي التحالف من القومیین والاسلامیین حققوا مکاسب مهمة لیس فقط لاحزابهم وحرکتهم القومیة والإسلامیة بل وکذلک لحفظ النظام الراسمالي وسیادة الطبقة البرجوازیة التي یمثلونها.
الاسلام السياسي جرب حظه في کلتا الحالتین، في المعارضة مع (حزب التغيير) وفي السلطة مع احزاب الحکومة المشترکة. ورغم صعود ونزول وتیرتە السیاسیة في فترات مختلفة إلا انه تمکن من الاحتفاض بنفوذه حوالی (١٥%) في برلمان کوردستان العراق وداخل المجتمع کذلک، خاصة لدی فئات وشرائح بائسة وعاجزة سیاسيا، وهذا هو احد اسباب عجزه من ان یصبح افقا سیاسیا بدیلا للحرکات الاعتراضیة وللوضع السیاسي الراهن، فرغم نفوذه النسبي داخل المجتمع والبرلمان إلا إنه بعید عن ان يکون افقا سیاسیا مطروحا لقیادة الحرکات الاحتجاجیة وکبدیل للسلطة المیلیشیة للاحزاب القومیة الکوردیة، ومع هزائم وانتکاسات الاسلام السیاسي خاصة في الشرق الاوسط يتراجع حظ هذا التیار اکثر فاکثر الی الحاشیة. لذا فالاسلام السیاسي كما لم یمثل في الماضي القریب لا یمثل کذلک في الوقت الراهن أحد الآفاق والبدائل السیاسیة المطروحة وبالتالي لا يشكل تحدیا داخل الحرکات الاعتراضية والاحتجاجات الاجتماعیة في کوردستان العراق.
حرکة اليسار الرادیکالي والتیار الشیوعي داخل هذه الحرکة
تشكلت حركة اليسار الثوري في كوردستان العراق نهاية حقبة السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي ضد القمع السياسي وتغطرس نظام (البعث) اولا، وبإنفصالها عن اليسار القومي ثانيا. کانت تلک الحقبة فترة انتقالية لنوعٍ من الماركسية تسعى للحصول على تعريف نفسها خارج إطار الماركسية الرسمية التابعة للکتلة الشرقیة المعروفة باسم "المنظومة الاشتراکیة". بعد تلك العملية الإنتقالية لحقبة السبعينات، يصبح اليسار في كوردستان، بالمعنى والمفهوم الموجود الآن، تحركاً ونشاطاً داخل الطلبة، الشباب، الموظفين والمثقفين، ويمكننا القول بانه كان قد اتخذ شكله كحركة سياسية لهذه الشرائح الاجتماعية.
تطوير وتأجيج اعتراضات الطلبة وعدم الانصياع لأوامر (حزب البعث) في المدارس والجامعات كرفض "التبعيث أي الانضمام لصفوف حزب البعث" والانخراط في الجيش الشعبي والهروب من الخدمة العسكرية والتجنيد الاجباري...، وکذلک توسعة وتقوية الاعتراضات الجماهيرية بالأخص داخل المدن والمجمعات القسرية ضد القمع والظلم القومي، كان يمثل اسلوب العمل النضالي لهذا اليسار بالدرجة الأولى. تکونت في تلک الحقبة حلقات ومحافل فکریة وسیاسیة شتی والتي ومن خلال صيرورة تأريخية، تتطور وتصبح الاساس لتشكيل منظمة "إتحاد نضال الشغيلة". هذه المنظمة تصبح الحجر الاساس ليسارٍ رادیکالي ومنظم في كوردستان العراق.
أثرت الحركة الشيوعية الإيرانية بعد ثورة (١٩٧٩) وسقوط الشاه، بالاخص عن طريق ("كومەلە"-منظمة كوردستان للحزب الشيوعي الإيراني)، وعلى إمتداد عقد الثمانينات والتسعينات، بشكل جذري على الرؤية والمنطلقات الفكرية والسياسية لليسار في كوردستان العراق، وهو ما قَرّبَ هذا اليسار أكثر فأكثر من الناحية الفكرية والمنهجية من الماركسية الاصيلة وشيوعية الطبقة العاملة. الخروج الموفق لمنظمة "التيار الشيوعي" (١٩٨٤) من رحم منظمة "اتحاد نضال الشغيلة" بعد ازمة فكرية-سياسية وتنظيمية، وخلال عملية انتقادية، عملية ٌ كان للـ "لماركسية الثورية" في إيران والأعضاء المبادرين في التيار الشيوعي الدور البارز والحاسم فيها ولها التأثير الفعلي على مجمل اليسار في كوردستان العراق واصبحت فيما بعد بداية لعهد جديد في حياة هذا اليسار.
الهيمنة الفكرية السياسية لـ"الماركسية الثورية" على يسار كوردستان العراق اواسط الثمانينات وبعدها، كانت تلك الحلقة التي ربطت المصير الفكري والسياسي لهذا اليسار بمصير اليسار الإيراني. وهو بالضبط الذي مهد الطريق في بداية التسعينات لتثبيت وتاثير ابحاث "الشيوعية العمالية" داخل هذا اليسار، والذي ادى بدوره الى إعادة صياغته الفكرية-السياسية على شاكلة تيار "الشيوعية العمالية" التي تشكلت حديثا في إيران.
أعلن هذا التيار عن نفسه لاول مرة كحركة مستقلة عن الحركة القومية وكغريم لها اثناء الانتفاضة الجماهيرية (آذار ١٩٩١). سَعَتْ هذه الحركة الى تسيير حركة مجالسية في قلب هذه الانتفاضة وتزامن ذلك مع تنظيمها وقيادتها لحركة العاطلين عن العمل والحركة التحررية للنساء في كوردستان وکذلک تنظیم المشردین والمطرودین من اهالي مدینة (کرکوک) واطرافها من ذوي الاصول الکوردیة من قبل اجهزة (البعث) القمعیة کجزء من سیاسة التعریب والتبعیث.
هذه الحركة، عن طریق منظماتها، جمعت نفسها في إطار (الحزب الشيوعي العمالي العراقي- حشعع) سنة (١٩٩٣). الا انها لم تتمكن من توسيع رقعة أفقها السياسي والارتقاء به بوجه الحركة القومية. كان هذا الحزب يسير اواخر عقد التسعينات نحو التقلص والضمور، ومع التطاول المسلح والهجمة الدموية للـ"الاتحاد الوطني" على مقراته واغتیال خمسة من أعضاءه في مدينة السليمانية صيف عام (٢٠٠٠) فرض علیه تراجعا کبیرا. سقوط نظام البعث (٢٠٠٣) وفّر الفرصة لهذا الحزب للانتعاش والتطور نسبیا في وسط وجنوب العراق، إلا ان منظمته في كوردستان والذي تحولت فيما بعد (٢٠٠٨) الى حزب مستقل، (الحزب الشيوعي العمالي الكوردستاني "حشعک") لم تتمكن لحد الآن (٢٠١٩) الخروج من بوتقة هذا التراجع.
عام (١٩٩٨) انشق جزء من كوادر ومنظمات "حشعع" عنه ويواصلون نشاطهم الآن تحت اسم "إتحاد الشيوعيين في العراق". انشق عن نفس الحزب عام (٢٠٠٤) جناح آخر تحت اسم "الحزب الشيوعي العمالي اليساري العراقي". عدى ذلك فان العديد من كوادر وفعالي هذا الحزب استقالوا منه خلال مسیرة حیاته السیاسیة. العديد من هؤلاء المستقيلين احتواهم النقد الليبرالي واستقروا في حاشیة التیار القومي-اللیبرالي.
استمرت حرکة اعتراض وخروج الکوادر والاعضاء من (حشعع) الی ان وصل الامر الی الخروج الجماعي لمجموعة من الکوادر القیادیة واللجان التنظیمة في الوسط والجنوب اواخر آیار (٢٠١٨)، وبذلک توصلت عملیة الصراع والخروج من الحزب إلی نتیجتها المنطقیة وإنتهاء مرحرلة طویلة من هذه الصراعات والجدالات داخل هذا الحزب التي استمرت منذ ولادته عام (١٩٩٣).
تکون (حشعع) نتیجة اندماج افقین مختلفین الا وهما الافق الشیوعي وافق الیسار الرادیکالي. تشکیل هذا الحزب وفر مناخا ملائما للافق الیساري الرادیکالي وتمکنه من قولبة هذا الحزب خلال صراعات داخلیة في فواصل زمنیة مختلفة طوال ربع قرن من عمره (١٩٩٣٢٠١٨). الذي یمیز الخروج الجماعي الاخیر هو "تصفية" هذا الحزب من آخر مجموعة غیر متجانسة فکریا وسیاسیا مع الخط المتسلط، وبهذا تخلص هذا الحزب من تناقض تعایش الآفاق المختلفة واکتملت سیطرة الافق الوحید المتبقی داخله.
اخيرا فان الجیل الجدید من المارکسیین في کوردستان العراق والذي تحدثنا عنه في الحلقة السابقة. بعد (حرکة ١٧ شباط ٢٠١١)، وجنبا إلی جنب تطور الحرکات الاحتجاجیة تشکلت محافل وحلقات مارکسیة عدیدة تابعة لهذا الجیل تحت مختلف التسمیات في الفضاء الالکتروني وشبکات التواصل الاجتماعی واصبح النشاط الفیسبوکي السمة البارزة لتلك المحافل والحلقات، منها یخطو خطوات بدائیة نحو التحول الی منظمة سیاسیة.
رغم کل ماقیل سابقا فالحرکة اليساریة في كوردستان العراق، والمتمثلة بعدد من المحافل والمنظمات والاحزاب، رغم كل ما تعانيها من تناقضات وضعف وإنعزال وتهميش وعدم البلوغ السیاسي، فانه جزء من دینامیکیة الصراع الاجتماعي والسیاسي والفکري في کوردستان العراق.
امام النقد الليبرالي وافقه السائد داخل الاعتراضات الاجتماعیة، هناك افق ونقد ثوري لهذه الحركة اليسارية، الداعية لیس فقط للحرية والتقدم وحقوق العمال والکادحین بوجه سلطة احزاب الحركة القومية بل وإزاحة سیطرة الحرکة القومیة نفسها علی مصیر مجتمع کوردستان وانشاء سلطة من المجالس العمالیة والجماهیریة ایضا. لانجاز هذه المهمة وکیفیة الوصول الیها تتصارع آفاق وسنن واسالیب نضالیة مختلفة، وبالتحدید الشعبویة الرادیکالیة والشیوعیة الاجتماعیة لتنظیم وتعبئة وقیادة الحراک الجماهیري والعمالي في کردستان.
الآفاق الثلاثة في الحرکات الاحتجاجیة الجماهیریة والعمالیة
هناک ثلاثة آفاق سیاسیة تتصارع داخل الاعتراضات الاجتماعیة والحرکات الجماهیریة في کوردستان العراق:
اولا آفاق القومیین اللیبرالیین
وصل عملیا هذا الافق إلی طریق مسدود علی ید قواه التقلیدیة من التحالف غیر المعلن للیبرالیي کوردستان مع حزب (التغییر) والتحالف المعلن لـ(التغییر) مع الاحزاب الاسلامیة، وکما اشرنا سابقا فإن قوی قومیة لیبرالیة جدیدة تشکلت حدیثا (٢٠١٨) کحزب (الجیل الجدید)، حیث یحاول جاهدا بسط افقه علی الحرکات الاحتجاجیة والسیطرة عليها وتوجیهها، خاصة لدیه موارد مالیة ضخمة وقنوات فضائیة ووسائل اعلامیة عديدة.
المعارضة القومیة-اللیبرالیة (بمفهومها الواسع اي جمیع المراکز الفکریة والاعلامیة، الکتاب والشخصیات الادبیة والسیاسیة بما فیها حزب "الجیل الجدید") ترغب وتحاول جاهدة لیس فقط لوضع حد لفساد وعنجهیة حزبي هذە الحرکة المحتکران للإقتصاد والسلطة في الاقلیم، وذلک بغرض سد الطریق امام الانفجارات الشعبیة الثوریة ضد سلطتهما کي لا تٶدي الامور الی مسائلة کلیة للنظام الاقتصادي والسیاسي الطبقي القائم من قبل الحرکات الثوریة لجماهیر العمال والکادحین.
إن الحرکة اللیبرالییة لیست لدیها نقد فیما یتعلق بافق السلطة الاقتصادی وتبنیها لستراتیجیة السوق الحرة وسیاساتها في الخصخصة، اي ان افاقها مشترکة من هذه الناحیة مع أحزاب السلطة، کل ما هنالک لدیها انتقادات في سوء الادارة ووجود الفساد ونهب الاموال العامة بدل مساعدة القطاع الخاص ودعم الرأسمالیین في تطویر مشاریع اقتصادیة للنهوض بـ"الاقتصاد الوطني" وتوفیر فرص العمل للعاطلین. ان الدور التاريخي لهذا التيار القومي-الليبرالي بالنسبة للبرجوازية الكوردية، تکمن في قولبة الافاق الثوریة للحرکات الاحتجاجیة واکتفائها بالتغییرات الفوقیة في النظام السیاسي فقط وعدم مس الاسس الاقتصادیة والطبقیة للسلطة والدولة المحلیة في الاقلیم.
یحاول اللیبرالیون في کوردستان، حصر الاعتراضات الاجتماعیة والمظاهرات والحراک الشعبي في إطار تحقيق تحولات سياسية ديمقراطية شكلية کتشکیل حكومة تکنوقراطیة مترافقة للانتخابات البرلمانیة کنقيض للسلطة المیلیشیة للحزبین، وذلک خوفا من اقدام العمال والجماهیر الکادحة على تأسيس المجالس الثورية وعدم الوقوف في منتصف الطريق والمضي قدما نحو ثورة شاملة وجذرية.
تطور الاعتراضات والحراک الشعبي ضد السلطة، تخلق فرصة ذهبیة لهذا التیار القومي-اللیبرالي کي یتمکن علی الاقل من فرض التراجع علی السلطة وکسب الامتیازات منها ناهیک عن تفتح شهیته للوصول إلی السلطة علی اکتاف الجماهیر في حال تطور اعتراضاتهم الی الانتفاضة والثورة وکنس نظام الحزبین الحاکمین. خطورة هذا التیار لا تکمن فقط في المسقبل حین استلامه السلطة، واکتفائه بتغیرات شکلیة وفوقیة والحفاظ علی الاجهزة البیروقراطیة والقمعیة لآلة الدولة البرجوازیة، بل تکمن ایضا في اللحظة الراهنة في خطورة استعماله للاعتراضات الاجتماعیة والحراک الشعبي لتقویة الافق الیبرالي البرلماني وسد الطریق امام ایجاد التنظیمات الجماهیریة والعمالیة علی اسس مجالسیة وممارسة السلطة من تحت لایجاد سلطة موازیة لسلطة البرجوازیة لحین حل هذە الازدواجیة في السلطة عن طریق ثورة اشتراکیة.
الثاني والثالث: الافقان المترافقان؛ الشعبویة الرادیکالیة والشیوعیة الاجتماعیة
لماذا ابحث عن هذین الافقین المختلفین تحت عنوان واحد؟ لانهما ولدا کتوأمین متزامنین، وکذلک غیر منفصلین عن بعضهما البعض طوال عمر الیسار في کوردستان العراق منذ نشئته آواخر السبعینات وبدایة الثمانینات من القرن الماضي. فترافق هذان الافقان انعکاس لهذا الوجود المترافق والمتزامن تاریخیا، وان کانوا في صراع وجدال دائم حتی في زمن " الطفولة "اي في بدایة الثمانینات وبعدها في التسعینات من القرن العشرین وداخل (الحزب الشیوعي العمالي العراقي) ولحد الآن. هذا بالاضافة الی إنهما في قلب الحرکات الاعتراضیة والمظاهرات والحراک الشعبي يواجهون معا السلطة والمعارضة القومیة-اللیبرالیة والاسلامیة، وبهذا یشکلون عملیا وفي الساحات النضالیة کتلة سیاسیة واحدة ضد السلطة والمعارضة البرجوازیة، مما يٶدي بدوره الی التسترعلى التناقضات بین الافقین وتبیان الصراع والجدال بینهما کاختلافات في الرؤية بین الفرقاء داخل بیت واحد.
ان التیار الشیوعي الثوري مر بمراحل مختلفة داخل حرکة الیسار الثوري، وتمکن من التبلور في منظمة (التیار الشیوعي) في الثمانیات، حیث انجز هذا التيار مهامات نظریة وسیاسیة مهمة وطرح قبل انتفاضة آذار (١٩٩١) افقا شیوعيا للمهامات العاجلة والمطروحة امام الحرکة الشیوعیة والعمالیة، وکذلک تمکن من تشكيل قوة مسلحة، عدی عن دوره الممیز داخل الحرکة المجالسیة، لکنه فقد المبادرة والسیطرة بعد مشارکته في تحزب حرکة الیسار داخل (الحزب الشیوعي العمالي العراقي)، حیث فقد هذا التیار لحمته وکوادرە وانحل ما انجزه من مهامات نظریة، تنظیمیة وعملیة خلال عقد من الزمن (١٩٨٤١٩٩٣). لسنا هنا بصد بحث الارضیة الموضوعیة لتزامن وترافق هذین الافقین وبحث الاسباب الذاتیة لعدم اکمال الانفصال واستقلال الحرکة الشیوعیة عن الیسار الرادیکالي، واسباب فقدان المبادرة من قبل (التیار الشیوعي) داخل الحزب وعدم تمکنه من تحویل هذا الحزب الی وسیلة نضالیة شیوعیة، لکن یستوجب هنا التأکید بان انجاز هذا الانفصال وتجسیده في حزب شیوعي ثوري واجتماعي تبدو الآن بعد تجربة تاریخیة مُرّة شرط بقاء وتطور الحرکة الشیوعیة وتحزبها في کوردستان والعراق وکذلک شرط تمکنها من تجسید الافق الاشتراکي داخل الحرکات الاعتراضیة الاجتماعیة لجماهیر العمال والکادحین والشبيبة التحررية.
نقد افق الیسار الرادیکالي
ان الیسار نشط في الحرکات الاعتراضیة الجماهیریة الراهنة کما کان الحال في الماضي، انه ینفخ في المظاهرات والاعتصامات ویدعو الی العصیان بوجه احزاب السلطة، کذلک یدعو الی تنظیم الجماهیر عموما، وخاصة العمال والکادحین في المجالس. وهذه امور ایجابیة، لکن مشكلة هذا اليسار هي انه لا یری بان المسألة لا تکمن فقط في العصیان بوجه السلطة، لا تکمن فقط في تنظیم وقیادة الانتفاضة واسقاط حکم الحزبین باعمال ثوریة عن طریق الجماهیر الکادحة والمستاءة، بل تکمن في تعبئة هذه الحرکات بروح العداء ضد الآفاق البرجوزایة المختلفة، ضد الافق القومي، الیبرالي والاسلامي وبدائلهم السیاسیة او علی الاقل ابطال تاثیرهم علی تلک الحرکات وبالتالي رسوخ الافق الاشتراکي والاممي وتعبئة هذه الحرکات به، إذ بدونە لیس بمقدور الیسار من ممانعة قوى الثورة المضادة والبدائل السیاسیة المختلفة للبرجوازیة من السیطرة علی الحرکات الاعتراضیة والثورات والانتفاضات وبالتالي حصر الانتصارات في تغیرات شکلیة وفوقیة سیاسة وبصورة مٶقتة وغیر مضمونة، كما شاهدناها في ثورة ایران (١٩٧٩)، کذلک في ثورات تونس ومصر (٢٠١١) ومانشاهده الیوم (٢٠١٩) في الجزائر والسودان. إن الانتصار في زمننا وفي عصر الراسمالیة المتعفنة لە معنی معین ومحدد وهو اسقاط سلطة الطبقة البرجوازیة برمتها، تدمیر آلة الدولة والاستعاضة عنها بالدولة المجالسیة وتحقیق الاشتراکیة ولیس فقط اسقاط حکم بعض الاحزاب والوجوه الفاسدة والمستبدة والمعادیة لمصالح الجماهیر الکادحة ولو هذا جزء ضروري من المسیرة الکلیة، لذا فالمسألة تتطلب ارساء حرکة اشتراکیة وحزبیة قویة، لا ترضی بالتغییرات الشکلیة والفوقیة السیاسیة، تدفع بحرکة العمال والجماهیر الکادحة کثورة مستمرة الی النهایة ضد العالم البرجوازي ككل وبدائله وآفاقه المختلفة.
اليسار في کوردستان، لا ینظر إلی الحركة القومية الكردية باعتبارها حركة الرأسمال في ميدان السياسة، باعتبارها انعكاس لعلاقات الرأسمال وتطور الرأسمالية في مجتمع كوردستان، لذا یحصر انتقاداته للحركة القومية في تجسیداتها المادیة اي في شكل الاحزاب الميليشية القمعية والعشائرية.. لیست ممارسات احزاب الحرکة القومیة، في نهب ثروات المجتمع وفرض البٶس الاقتصادي علی الجماهیر الکادحة والتصدي الدموي لاعتراضاتها ومظاهراتها وکذلک فرض مقدسات قومیة ودینیة علی مجتمع کوردستان، وإغتیال الصحفیین وتفشي جریمة قتل النساء، ... انعکاسا للثقافة العشائریة او "الثقافة الجبلیة" (نسبة الی ثقافة الکفاح المسلح في الجبال) او انعکاسا لسیطرة عوائل معینة (عائلة البارزاني) و(عائلة الطالباني) علی هذه الاحزاب، بل في الحقیقة هي انعکاس لمتطلبات تراکم الراسمال وضرورة الحفاظ علی سلطة البرجوازیة وان کانت تعبر عن نفسها بهذه الاشکال القدیمة والمتخلفة التي تبدو غریبا الیوم بالنسبة للعالم المتمدن.
نقطة انطلاق الیسار الرادیکالي والشعبوی هي الاعتراضات في بروزاتها وتجسیداتها، في اشکالها الملموسة والظاهرة للعیان کالاعتصامات والمظاهرات او الانتفاضة والثورة، وتضع مهامات معینة امامه لکي تدفع بهم الی الامام لاحراز النصر، وهنا تکمن جوهر نشاطاته الآکسیونیة، بعکس الافق الشیوعي والعمل الشیوعي الاجتماعي الذي ینطلق من عملیة الصراع الطبقي واعتراض العامل قبل تطور هذا الاعتراض الی مستوی الاعتصام والتظاهر او الانتفاضة والثورة. الافق الشیوعي منشغل دون انتظار الانفجارات الاجتماعیة والسیاسیة بارساء وتقویة الحرکة الاشتراکیة في قلب المجتمع الراسمالي وضد کل ارکانه وسلطة البرجوازیة. لیس هذا فحسب، بل وإثناء الاعتصامات والمظاهرات او الانتفاضة والثورة، منشغل کذلک بتقویة الحرکة الاشتراکیة وسیطرة الافق الاشتراکي الاممي علی هذه الحرکات خلال سیاسات (تکتیکات) معینة لتقویتهم ودفعهم نحو التوسع واحراز النصر. إذ بدون حرکة اشتراکیة قویة وافقها المهیمن علی الحرکات الاعتراضیة والانتفاضات والثورات من السهل للقوی البرجوازیة التي تظهر بشتی التلاوین والرأسماليين المرتبطين بهم وحلفائهم من القوى الدولية السیطرة علیها بالخداع والمؤامرات، ناهیک عن القمع وعنف تیارات الثورة المضادة باسم الثورة لاخماد الجماهیر المنتفضة.
الحراک الشعبي والعمل الشیوعي
ان الإعتراضات الاجتماعیة والمظاهرات والاعتصامات والحراک الجماهیري في کوردستان، ثمرة تناقضات مجتمع رأسمالي وظروف معینة مفروضة علی المجتمع من قبل احزاب الحرکة القومية الکردیة بآفاقها وسلطة احزابها وانتهاجها لنظام السوق الحرة وسیاسات الخصصة، لکنها في معظم الحالات وکما نشاهده الیوم في معظم دول العالم، لا تخرج هذە الحرکات إلی العلن کحرکة عمالیة وإشتراکیة، بل في شکل ظهورها ومرحلتها الاولی تنبثق کحرکة جماهیریة عمومیة. إن شکل ظهور الحرکات الجماهیریة في مستوی تطورها الاولي وما تطرحها من قادة وخطباء ومطالب وشعارات وأناشید "وطنیة" ... لا يمكن اعتبارها كأساس للتقييم، بل يجب تفسيرها على أنه تناقض بين البنیان الفوقاني الفكري والسياسي لهذه الحرکات مع وجودها الاجتماعي وبنيتها التحتية. إن المسألة الجوهریة والفوریة امام الحرکة الشیوعیة في کوردستان هي تمهید الطریق لحل هذه التناقضات داخل هذە الحرکات بحیث یمکن ان یتطابق بنائها الفوقي (من الافکار والآفاق والاهداف والسیاسات) مع بنائها التحتي من حرکة الکادحین من عمال وجماهیر الشغیلة والشبیبة العاطلة. إن هذا لمستحیل دون العمل الشیوعي الواعي المستهدف والمثابر.
إن هذه الحرکات، برکان من إعتراض إجتماعي لجماهیر الشغیلة والعمال والشبیبة العاطلة تنفجر بوجه شروط حیاة ونظام حکم وسلطة تحمي الرأسمالیة والسوق الحرة بافقها القومي واسالیبها المیلیشیاتیة البلطجية والبولیسیة القمعیة ودستورها وقوانینها المستندة إلی الشریعة الاسلامیة. هذه الحرکات في طیاتها حاملة القدرة والطاقة السیاسیة الاجتماعیة للمضي قدما نحو نزع هذا الافق القومي علی مجتمع کوردستان وتحطیم هذە السلطة، وإرساء سلطة مکانها تستند علی الادارة المجالسیة للعمال والكادحين، مع جعل کوردستان خندقا لتعزیز وتوسیع الحرکة العمالیة والشیوعیة في عموم العراق من اجل إنجاز الثورة الاشتراکیة وإسقاط سلطة البرجوازیة في المرکز وهدم اسس النظام الرأسمالي وتحقیق الأشتراکیة. هذا هو المعنی الواقعي للنصر التام والشامل لحرکة الإعتراضات الاجتماعیة لجماهیر العمال والکادحین والشبیبة الثوریة في کوردستان، لکن العامل الحاسم الذي یخرج هذه الطاقة الکامنة من رحم هذه الإعتراضات، ویجعله امرا واقعا، هو عمل سیاسي معین، وبالتحدید العمل والممارسة الشیوعية. بدون هذا العمل الشیوعي لن تزدهر هذە الحرکات ولن تصل إلی نتائجها المرجوة.
نیسان ١٩١٩








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المغرب.. فرض رسوم جمركية لمدة 5 سنوات على منتجات تركية


.. فرنسا..جمعيات خيرية تواصل نشاطها الخيري الرمضاني خلال العيد


.. الجراحة الروبوتية.. كيف نجح الروبوت دافنشي بأصعب العمليات؟




.. -النقصة-.. تقليد كويتي في مواسم رمضان والأعياد


.. قصف مكثف للمدفعية الإسرائيلية على عدة مواقع في قطاع غزة