الحوار المتمدن - موبايل


علي عبد الرازق 1888 - 1966

سعيد عدنان

2019 / 7 / 21
الادب والفن


نشأ علي عبد الرازق في أسرة ثريّة ، واسعة الثراء ، من ملّاك الأرض بصعيد مصر ؛ وهي مع ثرائها أسرةٌ ذاتُ إقبال على المعرفة ، وعنايةٍ بالشأن العام ؛ فلقد كان أبوه حسن باشا عبد الرازق من مؤسسي حزب الأمّة ، ثمّ من مؤسسي حزب الأحرار الدستوريين ، وكان مع أحمد لطفي السيد في إنشاء صحيفة " الجريدة " ، وهو من قبل من أصفياء الشيخ الإمام محمّد عبده . ولقد كانت أفكار الشيخ محمّد عبده تتردّد في بيت آل عبد الرازق ، وقد نشأ عليها ابنا حسن عبد الرازق ؛ مصطفى ، وعلي ؛ فلمّا شبّا ، وذهبا إلى الأزهر يدرسان فيه صارا من تلامذة الشيخ الإمام ومريديه .
نشأ علي عبد الرازق مطمئن النفس ، مكفي الجانب ، لا تُرهقه حاجة من حوائج الدنيا ، ولا تروّعه صغيرة من الصغائر ؛ فأقبل على العلم يتزوّد منه ؛ يقرأ ويحفظ ؛ لكنّه مع القراءة والحفظ يُعمل عقله في ما يقرأ ؛ فيقبل ما يرضاه ، ويرفض ما يتأبّى عليه ؛ ومرشده في ذلك كلّه ؛ عقله ، وما أخذه عن شيخه محمّد عبده . ويمضي على نهجه حتّى يُتمّ درسه في الأزهر الشريف ، وينال منه شهادة " العالمية " ، ويسلك نفسه في جمهرة علماء الأزهر ، ويصبح قاضي المحكمة الشرعيّة في المنصورة .
لكنّه لا يقصر شأنه على الأزهر وعلمائه وما يتّصل بهم ؛ بل إنّ له صحباً آخرين يلقاهم في مكتب صحيفة " الجريدة " بعضهم بمنزلة أساتذته كمثل أحمد لطفي السيّد ، وعبد العزيز فهمي ؛ وبعضهم من أقرانه كمثل محمّد حسين هيكل ، وطه حسين ، وكلّهم ممّن أثّر فيهم الشيخ محمّد عبده ، وهيّأ لهم فهماً سمحاً للدين ، وكلّهم أيضاً ممّن نفذ إليه الفكر الأوربيّ بنحو ما .
كان علي عبد الرازق طُلَعة ؛ يريد أن يعرف ، وأن يزداد معرفة ؛ وقد استقرّ عنده أنّ العقل قادر على أن يفهم الأشياء ، والأفكار ، وأن يسبر غورها ، وأن يصل إلى أصولها . وإذا كان عند العرب لغةٌ ودينٌ ، وعلمٌ بهما ، وتراث زاخر بالفكر والأدب ؛ فإنّ لدى غيرهم أشياء يحسن الانتفاع بها ، لا سيّما في مجال الرئاسة والحكم ؛ فلقد استبدّ الحاكم بالمحكوم ، عند العرب المسلمين ، وطغى به ، وأذاقه ألواناً من الانتهاك المذلّ ، وإنّ في الغرب فكراً يرسم معالم الحكم ، ويُرسي نظامه على دستور ينفي الاستبداد ، ويحفظ على الناس حقوقهم ، ويخضع له الحاكم والمحكوم . كان علي عبد الرازق يدير في ذهنه اليقظ أشياء كهذه ، ويجعل أنظمة الحكم التي شهدها العرب المسلمون ، في تاريخهم كلّه ، على محكّ من فكر سياسي قادم من الغرب يجعل الحكم مرهوناً بالأمّة ، مستمدّاً شرعيّته منها . ولم يكن عبد الرحمن الكواكبي وكتابه ( طبائع الاستبداد ) بعيداً عن جوّه ؛ فقد جهر بسوء الاستبداد والمستبدّين ، وقارع الطغاة ، وهيّأ الأذهان أن تفهم علاقة الحاكم بالمحكوم فهماً جديدا .
كانت الخلافة العثمانيّة قد ضعفت ، وصارت ، بعد الحرب الأولى ، عبئاً على تركيا ، فكان أن قام مصطفى كمال أتاتورك في سنة 1924 بإلغائها ، وإعلان الجمهوريّة ؛ فأصبح المسلمون ، عامّة ، من دون خليفة يحكمهم ويُقيم فيهم الشرع ؛ فأفزع ذلك جمهورهم ، وخشوا سوء عاقبة أن لا يكون لهم خليفة ، فيبوؤا بغضب من الله ! ثمّ اشرأبّت لهذا المنصب الرفيع أعناقٌ هنا وأعناقٌ هناك ، وكان من تلك الأعناق المشرئبّة ملك مصر أحمد فؤاد ، وكان من ورائه من ذوي الشأن في العالم من يزيّن ذلك ، ويسعى فيه بنحو ما . وقد رأى علي عبد الرازق ذلك ، وأدرك أنّ ثمّة من يريد إحياء نظام الخلافة ، وأن يبعث فيه الحياة ، وأن يرجع بالزمان القهقرى .
كان علي عبد الرازق يزاول القضاء الشرعي ، فأراد أن يكتب في نشأته وتاريخه ؛ وإذا بتاريخ القضاء يفضي به إلى تاريخ الخلافة ؛ ذلك أنّ سلطة القاضي شيء مستمدّ من سلطة الخليفة ؛ إذ الخليفة هو الذي ينصب ، وهو الذي يعزل ، ولا سلطةَ ، على وجه الحقيقة ، إلّا سلطته ؛ ومن أجل أن يتبيّن ذلك على تمامه شرع يدرس نشأة الخلافة ، ويقف على تاريخها حتّى يعرف مكانة القضاء منها ، وحتّى يعرف منزلتها هي من الدين ؛ أهي من صميم الدين ، أم هي شكل من أشكال الحكم أتاحه الزمان والمكان والسياق الثقافي ؟
شرع ينظر في التاريخ ، وينظر في الكتاب الكريم ، وفي الأثر الشريف ، ويوازن بين الوقائع والنصوص ؛ بين نظام الخلافة - الذي نشأ بعد وفاة النبي الكريم - ومصدري التشريع ؛ القرآن والسنّة ؛ فإذا بالذي يتّضح له ؛ أنّ الخلافة ليست من صميم الدين ، وأنّها شكل من أشكال الحكم والإدارة تهيّأ للمسلمين في حقبة من الزمان ، وأنّهم ليسوا مسؤولين عند الله إذا لم يُقيموها ، بل أن ليس أمر من أمور الدين يتوقف تحقّقه على قيام نظام الخلافة !
تمّ له البحث بمقدّماته ونتائجه ، وصاغه بلغة واضحة مبينة تقوم على الإيجاز أكثر ممّا تقوم على التفصيل ، وأصدره في كتاب عنوانه : ( الإسلام وأصول الحكم ) في سنة 1925 . وما أن صدر الكتاب حتّى غضب عليه القصر ؛ فلقد أدرك من فيه أنّ الكتاب يروم أن يصرف عنه منصب الخلافة ! وإذا غضب القصر غضب المتّصلون به ، وإذا كان غضبُ القصر خفيّاً مستوراً ، فإنّ غضب المتّصلين به صريح جهير ! فكان أن غضب الأزهر ، وأنكر على الكاتب ما ذهب إليه ، وأجرى له محاكمة أدّت إلى طرده من جماعة العلماء ، ومحو اسمه من سجلّات الأزهر ، وإلغاء شهادته ، ومنعه من مزاولة القضاء ! ولم تُجدِ الأقلامُ التي كتبت في نصرة ما ذهب إليه الكاتب ، ولم تستطع أن تحول دون ما أُوقع عليه ؛ فلقد أُمضي الأمر ، وعُزل الشيخ ! لكنّ الخلافة لم تقم ؛ فقد مضى زمنها ، وذهبت الأحوال التي اقتضتها !
كان علي عبد الرازق يقظ الذهن ، واسع المعرفة ، ذا قلم مبين قادر على صياغة الأفكار ، والإعراب عنها ، وكان بالفكر العربيّ الإسلامي حاجة إليه ؛ لكنّ ما وقع عليه من أذى جعله ينكفئ ، وينأى بنفسه عن الشأن العام مدّة سنين ؛ حتّى إذا رُدّت إليه شهادته ، بعد ما يقرب من عشرين سنة ، ورُدّ اسمه إلى سجلّ الأزهر ؛ لم يجد حافزاً على استئناف ما كان فيه ؛ فقد ملأ الشعور بالمرارة نفسه !
لو قُدّر لنهج علي عبد الرازق أن يشيع بين الناس لتضاءل كثير من العنف ، ولهدأت كثير من النفوس ...!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنانة يسرا: -الله بيحبنا وبيحب مصر- |#مع_جيزال


.. صباح العربية | أربيل توثق مئة عام من الموسيقى


.. الإخواني الذى غدر به زملائه.. الفنان يوركا نجم مسلسل الاختيا




.. كيف كانت تجربة مهرجان -مالمو- للسينما العربية بنسخته الحادية


.. رمضان 2021 - الف ويلة بليلة - الفنانة ناانسي عجرم في ضيافة