الحوار المتمدن - موبايل


كفاءات العراق بين الإصرار والتهميش

علي عبد الرحيم العبودي
باحث عراقي مختص في الاقتصاد السياسي

2019 / 7 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


منذ زمن ليس بالبعيد ، كان القطاع العام في العراق المتمثل بالحكومة يتسابق مع القطاع الخاص في استقطاب وتوظيف الخريجين ومن مختلف الاختصاصات ، لذا كان الطالب يجتهد ويبذل اقصى جهد لديه طامحاً للحصول على شهادة بكالوريوس او الدبلوم ؛ ليقينهُ بعد هذا الجهد والمثابرة وصرف الاموال ، فضلاً عن الوقت سوف يأخذ دوره في خدمة المجتمع ، وبما يحقق لهُ العيش الكريم ، ولا شك في أن هذا الاسلوب في استقطاب مخرجات الجامعات وتوظيفهم حسب التخصص كان لهُ الاثر الواضح في نمو الاقتصاد ، وتنمية رأس المال البشري ، مما انعكس في وجود مبتكرين ومخترعين ومنظرين وخبراء عراقيين على مستوى عالٍ من الامكانيات .
ومع بداية الربع الأول من هذا القرن ، ونظراً لما شهده العراق من فوضى وتخبط بعد انحلال النظام السابق تغير كل شيء ، ليس على مستوى الاقتصاد فحسب ، بل على جميع المستويات السياسية ، والثقافية ، والعسكرية....، لكن هذا التغير لم يكن ايجاباً على المجتمع العراقي ، بل كان تغيير للأسوأ !! ، حيث انحلال المؤسسات بجميع صنوفها ، وحل الكوادر الفنية والإدارية السيئة مكان الكوادر الجيدة والتي كانت نتيجة للنظام الجديد الذي جاءت به الولايات المتحدة الأمريكية ، إذ تمكنت من تطبيقه في العراق عبر أدواتها المتمثلة بالشخصيات الكمبرادورية (الاشخاص العراقيو الجنسية العملاء إلى الخارج)، فضلاً عن الاحزاب الفاسدة ، التي اتبعت عبارة "الغاية تبرر الوسيلة" ، منتهكة بذلك جميع المحرمات والإخلال بمبدأ العدالة المجتمعية .
وعلى وفق ذلك ، ونتيجة لهُ اضحى العراق ومؤسساته ينماز بعدم التخطيط والرؤى الاستراتيجية والخطط التنموية ، من هنا جاءت معاناة الشاب العراقي بصورة عامة ، والخريجين بصورة خاصة ، إذ تُخرج الجامعات العراقية كافة الآلاف من الطلبة ، وتستقطب أعداد اخرين دون ان يضعوا اي خطة او برنامج لتوظيفهم ، لذا كانت النتيجة هي تعطيل الايدي العاملة المتمثلة بالشباب الذين يُعدون ثروة من دونهم لا تتقدم الشعوب ، حتى وصل معدل البطالة في العراق وفقاً لتقرير منظمة حقوق الانسان لعام 2018 ، نحو 36% ، فضلاً عن تعطيل المصانع والقطاع الخاص مما أدى إلى ما يسمى (بالبطالة المركبة) .
وفي الوقت الذي تنشغل به الحكومة المتمثلة بالأحزاب الفاسدة في تقسيم الكعكة ، والمقايضة على المناصب السيادية ، وتوزيع المغانم بينهم ، هناك خريجين من حملة البكالوريوس والشهادات العليا بمختلف درجاتها يفترشون الارض ويتخذون من السماء غطاءً لهم ، إذ اكلت الشمس وجوههم الجميلة التي لطالما كانت تتزين بالقراءة والمطالعة وطلب العلم حتى يصبحوا مؤهلين لخدمة بلدهم . وقد يسأل سائل على ماذا هؤلاء معتصمون ويفترشون الارض منذ أكثر من شهر ، وتحت هذه الشمس الحارقة؟ .
وبصفتي أحد هؤلاء الخريجين من حملة الشهادات العليا ، علي ان اجيب ، كان علينا ان نعتصم ونتظاهر للمطالبة بتوفير بيت سكن لكل فرد ، وراتب شهري لكل طفل يولد ، وخدمات الكترونية عالية ، ومناطق سياحية ترفيهية ، وجواز سفر ذو حصانة عالية !! هذا لو كنا مواطنو دولة متقدمة تحترم الكفاءات وتقدرهم ، أما ونحن مواطنين عراقيين ، فنعتصم لأشهر وننام في الشارع تاركين عوائلنا ونحن من حملة شهادات عليا ، على ماذا ؟ على توظيف !!، على ابسط حق يمكن ان يحصل عليه الانسان في جميع الدول لتأمين حياته والحفاظ على كرامته .
ولتعلم هذه الحكومة الغير شرعية والأحزاب الفاسدة التي جاءت لتخدم اسيادها وولاة نعمتها ، ان الحق لابد ان ينتصر على الباطل ، وان نهايتهم باتت وشيكاً ، وسوف لن يرحمهم التاريخ ، وسيذكرهم في فصل (اغبى الصوص)، لان من يبيع وطنه وشعبه بثمن بخس دراهم معدودات ، اقل ما يمكن ان يطلق عليه اغبى الصوص . وسأقول كما قال زملائي من المعتصمين : (همشوا بينه شما تهمشونه نزيد .. هذي ثورة وحنة واحدنه حديد) .
وأخيراً ، سأكتب ابياتاً استذكرها للشاعر (أحمد مطر) ، يقول فيها :
نموت كي يحيا الوطن ... يحيا لمن ؟
لابن زنى ... يهتكه ثم يقاضيه الثمن ؟!
لمن؟
لإثنين وعشرين وباءً مزمناً
لمن؟
لإثنين وعشرين لقيطاً ... يتهمون الله بالكفر وإشعال الفتن
ويختمون بيته بالشمع ... حتى يرعوي عن غيه
ويطلب الغفران من عند الوثن ؟!
تف على هذا الوطن!
وألف تف مره اخرى!
على هذا الوطن
من بعدنا يبقى التراب والعفن
نحن الوطن !
إن لم يكن بنا كريماً أمناً
ولم يكن محترماً
ولم يكن حراً
فلا عشنا ... ولا عاش الوطن .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا بعد طرد تركيا لسفراء عشر دول بينها فرنسا وألمانيا والول


.. أردوغان يأمر بطرد سفراء عشر دول.. ما دوافع هذا القرار؟


.. الاتحاد الأوروبي يدعو إلى الإفراج سريعا عن قادة السودان المد




.. السودان.. هل نجح الجنرالات في شق صفوف شركائهم المدنيين في ال


.. لحظة تحطم طائرة خفيفة في ضواحي موسكو