الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خطورة العبث السياسي في العالم العربي

عبدالله نقرش

2019 / 7 / 31
مواضيع وابحاث سياسية


تمور المنطقة العربية بأحداث سياسية عنيفة ومغامرة , كما لو أن العالم العربي مسرحاً لإرهاصات حرب عالمية رابعة أو خامسة فيما لو اعتبرنا الحرب الاقتصادية والتكنولوجية الدائرة اليوم , في مجال الاقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي, حرباً بالمعنى السياسي للعبارة .
فعلى الصعيد الداخلي هنالك مواجهة تاريخية اجتماعية بين قوى الربيع العربي كقوى اجتماعية راهنة ومستقبلية, وقوى الثورة المضادة المشّكلة أساساً من قوى الأنظمة الحاكمة وأدواتها القمعية, وتحالفاتها الخارجية المشبوهة , وتحالفاتها الداخلية المركبة في تحالف هش بين القوى الرأسمالية الأصيلة والطفيلية, والقوى الاجتماعية التقليدية المشيخية والطبقية , والقوى الانتهازية المأجورة اعلامياً وسياسياً وثقافياً . والقوى السلفية ذات المناهج المضادة للتغيير حكماً.
فعلى الرغم من التباين الخطاب السياسي لكل هذه القوى إلا أنها في المحصلة تقف من حيث الجهد المبذول والتطلعات ضد مسيرة الربيع العربي. وضمن هذا التصنيف لا تستثنى قوى النخب السياسية التقليدية حتى وان كان بعضها يصنف معارضاً للنظام الحاكم القائم, وتعاملت معه باعتباره نظاماً سياسياً شرعياً.
إن هذا التوصيف التصيف هو الأكثر دقة من وجهة نظرنا لفهم المواجهة الشاملة بينما ما يقع في إطار قوى الربيع العربي وما يقع في إطار القوى المضادة للربيع العربي, ذلك ما يضفي على الريع العربي تاريخيته واجتماعيته ومستقبليته، كما يضفي على قوى الثورة المضادة رجعيتها ونخبويتها وانعزاليتها وفشلها في النهاية، كما فشلت في إيجاد دولة حديثة مستقلة وقوية ونامية ومدنية.
وهذا يدفع إلى الاعتقاد بأن المواجهة مستمرة وطويلة الأجل وجوهرية وجذرية. ولا بد في نهايتها أن تحسم لمصلحة قوى الربيع العربي كثورة عامة وشاملة وحالة انتقال من المكرس المتكلس إلى الحيوي المتجدد.
وإلا فلن يكون هنالك معنى للتاريخ ولا للأمة العربية ولا حتى للشعوب العربية كشعوب عادية.
أما المواجهة الأخرى التي تتم على الساحة العربية. فهي المواجهة أو التنافس الدولي بين المشاريع الدولية الغربية أساساً (المشروع الإمبريالي الأمريكي والأوربي والمشروع الروسي وإلى حد ما التنسيق مع الصين) والمشاريع الإقليمية المتنافسة. (المشروع الإسرائيلي الاستعماري الاستيطاني المركزي والمتحالف مع المشروع الإمبريالي الغربي، والمشروع الإيراني التدخلي الساعي إلى الهيمنة، والمشروع التركي الناعم من حيث القوة ومن حيث الغاية).
إن سر قوة هذه المشاريع على تباين أحجام هذه القوى ومكوناتها لا يكمن في بنيتها وأدوارها وأهدافها وحسب، وإنما يكمن في امتداداتها وتحالفاتها في الدول العربية ذاتها, سواء على المستوى السياسي الرسمي أو على المستوى الشعبي. وأبرز هذه التحالفات تحالفات الأنظمة العربية الحاكمة مع القوى الإمبريالية وتحالفات بعض القطاعات الشعبية مع سياسات هذه القوى أو بعضها.
فما بين الأزمة الناجمة عن المواجهة الداخلية وأزمة التعامل مع المشاريع الخارجية، يمارس نوع من العبث السياسي المدمر. ولا نستطيع أن نستبين وجهه الإيجابي، أو نعثر فيه على رؤية إيجابية للمصلحة الوطنية أو القومية. وحتى لو حاولنا تفحص السلوك المهيمن في مجمل الدول العربية، أو أي منها، فنحن لا نستطيع أن نكتشف لا المبرر ولا الغاية الإيجابية التي تنعكس على أي من البعدين الوطني أو القومي.
ربما نستطيع أن نضع بعض من الدول العربية في حالات تشابه نسبي بما يؤدي إلى نتيجة واحدة عامة نسبية هي الأخرى ..
فلو بدأنا مثلاً بدول المغرب العربي (الجزائر، تونس، المغرب، موريتانيا، ليبيا) ففي إجمال ما يحدث فيها أن هناك تجربة ثورية يجري احتوائها في الجزائر، وهناك تجربة ثورية في تونس يجري تطويعها، وهناك نار تحت الرماد في المغرب، وموريتانيا، وهنالك تسارع نحو صيغة الدولة الفاشلة في ليبيا، إن كل هذه الحالات تُبعد ولو مرحلياً على الأقل هذه المجموعة عن المبادرة في الفعل السياسي القومي والدولي، وهي مرشحة للتورط في أوضاع داخلية معقدة ستعزلها عن نطاق الفعل السياسي ردحاً من الزمن وهي بالتأكيد معزولة منذ الآن عن مركز الفعل السياسي في المشرق العربي وهو وضع تقليدي في التاريخ السياسي العربي الحديث.
ولو نظرنا إلى مصر والسودان، لربما كان لنا أن نتفاءل لو أن مسيرة الربيع العربي في مصر استمرت ولو أن المجلس العسكري السوداني لم يفترض الوصاية له على السودان، إلا أن المرجح أن عسكرة مصر مرة أخرى والشروع في عسكرة السودان، لا يؤديان فقط إلى تطويق دور الأولى وإلغاء دور الثانية، الأمر الذي يجعل من دول وادي النيل، ليس العمود الفقري للفعل القومي والنموذج الوطني الذي يحتذى به إنما يشير الواقع إلى أن مصر أصبحت أصغر حجماً بكثير مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة بما فيها مرحلة حسني مبارك، وهو أمر لا يقبله العرب ولا المصريين قبلهم. وربما إذا لم تحدث معجزة ما ستقع الدولتان فرائس للتآكل الذاتي والانكماش، وذلك بفعل اضطرار النظام الحاكم في كل منهما إلى الاعتماد على التحالف الخارجي لتسويقه وعلى التحالف مع الدول العربية النفطية لتمويله.
سيما وأن رهانه (نظام الحاكم) على البقاء يعتمد على ما يطرحه من مبادرات اقتصادية علها تساهم بالإفراج عن عزلته الداخلية.
أما السودان ذاتها فيبدو أنها على طريق محاكاة ما حدث في مصر، وأنه بالرغم من وعي القوى السياسية السودانية لذلك، يبدو من المكلف تجاوز حالة العسكرة، ولربما يكون التفاوض أفضل الطرق للوصول إلى حل توفيقي يجمع بين القوى العسكرية والقوى السياسية التقليدية، وقوى الحداثة، ومع أن ذلك يتطلب وقتاً أطول من المتوقع إلا أنه أفضل الاحتمالات الممكنة الحدوث. ولكن المسيرة الطويلة نسبية والقيد المصري يحد من تأثير السودان السياسي، ناهيك عن عبث أولي النعمة في مفاصل القوى السياسية المختلفة.
هذا هو المحتمل في دول أفريقيا العربية، على الأغلب، ونرجو أن تكون المآلات أفضل مما نتوقع.
أما دول آسيا العربية، أو المشرق العربي، فالوضع أكثر تعقيداً، ذلك أنه ما بين دول منعزلة ذاتياً كعُمان، ودول مرهونة بالقضايا القومية بما يؤثر على مصيرها، كالأردن، ودول تحاول أن تهيمن على النظام العربي لمصلحة قيادة النظام الدولي، كالسعودية، بون شاسع واحتمالات من التناقض غير المحسوب.
فبالنسبة للتحالف السعودي الإماراتي، كبؤرة مركزية لما يقال عنه جزافاً دول التحالف العربي، تبدو الأجندة السعودية ملتهبة في أكثر من موقع، وتبدو نزعتها لضبط احتمالات انتصار حالات الربيع العربي، أو حتى اجهاضه الأولوية الأولى على كل النشاطات السعودية في الإقليم. ليس فقط سعياً للحفاظ على الأوضاع الراهنة وتجنباً لأوضاع مستقبلية محتملة، وإنما أيضاً سعياً لاستثمار الفراغ الإقليمي القومي العربي، لمصحلة معسكر من المحافظين العرب , وبنية سياسية تقليدية رجعية, لم تعد تتفق مع البنى السائدة في العالم من حيث شكل الحكم أوتشكل المجتمعات.
إن اعتقاد النخبة الحاكمة في السعودية على ما تبديه من محاولات انفتاح اجتماعي وانغلاق سياسي داخلي، وتدخل فج في شؤون الدول الاخرى، إن هذا الاعتقاد يعبر عن رغبة بضبط القوى الاجتماعية والسياسية العربية عن طريق المال واستثماره عكس التيار الاجتماعي الجارف.
وهو أمر تبين أنه مكلف وغير مضمون النتائج، فالسعودية وقعت ضحية الابتزاز الدولي والاستنزاف الإقليمي، وضرورة الاستجابة لمقتضيات التأهيل الداخلي.
فالحليف الأمريكي والغربي عموماً جشع بغير حدود، والتدخلات الإقليمية تستنزف بلا حدود وبلا مردود فعلي حقيقي، ومقتضيات التأهيل الداخلي ذهبت بالحكام السعوديين بعيداً جداً، إلى إسرائيل من جهة وإلى تفكيك أعمدة النظام السعودي من جهة ثانية. فإذا كانت إسرائيل قادرة على التوغل في النخبة الحاكمة السعودية، إلا أنها محرمة بالنسبة للشعب السعودي إجمالاً، وأركان النظام السعودي، (العائلة، ومجلسها، والمؤسسة الدينية الوهابية والوعاظ، والمؤسسة القبلية الشركاء التقليديين في الحكم، والزعامة الخليجية وبعدها العربي من الأنظمة المحافظة)، كلها اعتراها الوهن بل بعضها ضرب في مقتل.
ولم يعد النفط وفوائضه المالية بقادر على ضبط التوجهات المختلفة لهذه الأركان في ظل قيادة تبدو أنها تتحدى الجميع وتسعى لشراء الجميع، تحت وهم الركون إلى الحليف الخارجي الذي تحول فعلاً إلى قوة ابتزاز بدل أن يكون قوة حماية.
يبدو أن الحكام السعوديون يطلبون المستحيل ويعملون على النقيض من مقتضياته ، يطلبون النفوذ والهيمنة بالقوة والقسوة، ويطلبون التنمية على ما لا طائل منه ، ويرغبون في المحافظة على صورة تقليدية لدولة ذات دور قيادي في العالم الإسلامي والعربي. ، ويشوهون الصورة بالعلاقة مع إسرائيل، وبالانفتاح الاجتماعي المخل ، ولربما ينسى هؤلاء الحكام في غمرة الانفعال باللحظة بأن العالم عربياً كان أم أجنبياً، والشعب السعودي بمكوناته المختلفة منذ ما قبل الإسلام وحتى اليوم يراكمون أخطاء وممارسات الحكام يوماً بيوم. فلو وقعت السعودية في يوم ما لا سمح الله في براثن التفكك والضعف لن تجد من يساندها. فقد عرف العالم خلال العقود الاخيرة الكثير من نماذج الدول الموحدة أو الاتحادية التي تشرذمت إلى ما دون ذلك. في ظل هذه المعضلات المعقدة، ربما تفوز السعودية في المدى القريب بالهيمنة على اليمن المنهك – الدولة الفاشلة المحتملة – ولكنها ستكون عبئاً مرهقاً أكثر من كونها إضافة نوعية للدولة السعودية "القائدة" افتراضاً.
إذا كان ما مر آنفاً، صحيحاً أو محتملاً، أليس من الحكمة مراجعة كل شيء في السعودية؟ فمثلاً يكفي القول بأن العلاقة مع إيران كدولة إقليمية جارة، هي علاقة حيوية وهامة وضرورية، وتجنب الأذى خير من الوقوع في وهم القوة ومفاجآته، لن تختفي إيران من الخارطة الإقليمية ولن يتيسر لأحد السيطرة عليها، إيران من اكثر دول التاريخ رسوخاً، ولن يغفل العالم بما فيه الولايات المتحدة عن هذه الحقيقة. أما الحديث عن التفاصيل فهو من شأن الأساطير لا شأن السياسة.
أما باقي دول المشرق العربي – العراق وسوريا تحديداً، فهاتان الدولتان وقعتا بموافقة الغرب المنافق نفسه، الأولى وقعت تحت تقاسم نفوذ استراتيجي واقتصادي بين الولايات المتحدة وإيران، مع تحالف سياسي إيراني عراقي، وذلك لأجل غير مسمى.
وحتى يخرج العراق من أزمته المركّبة الطويلة منذ أكثر من أربعين عاماً ولمستقبل غير منظور ... ربما يكون هنالك حديث آخر ولكن الشروط ستكون مختلفة.
أما الدولة الثانية سوريا، فهي الأخرى وقعت في براثن تقديس السلطة الفردية والأقلوية والطائفية، وتحت الهيمنة المشتركة بين روسيا وإيران.
فروسيا تهيمن استراتيجياً وعسكرياً وسياسيا واقتصادياً إلى حد ما، بينما تهيمن إيران على الطائفة وبعض القطاعات الاجتماعية، وفق تحالف سياسي طائفي أقلوي. وذلك تم أيضاً بتفهم الغرب المنافق نفسه. فإن المبالغة فقط هي التي تعظم مصالح الغرب في سوريا. كان هنالك مصلحة ما في حماية إسرائيل من بعض عناصر القوة السورية عندما كان الجيش السوري جيشاً قوميا، ولربما كان ذلك فهماً مبالغاً به أيضاً. أما اليوم فسوريا وقعت في أزمة شبيهة بأزمة العراق وليس من المحتمل أن تفرج هذه الأزمة بالمعنى التاريخي والاجتماعي، طالما بقي هذا النظام في سدة الحكم. أما قدرة سوريا على الفعل السياسي والمراوغة والمفاوضة فقد ذهبت أدراج الرياح إلى زمن طويل. ولهذا ليس مستغرباً أن يعلن الرئيس الأمريكي الجولان أرضاً إسرائيلية.
وفي ضوء ارتهان لبنان للقضية السورية، سيبقى أيضاً دولة مقيدة الحركة والمصير، وربما يتاح لها أن تعود دولة السياحة العربية المشرقية والساحة التي تعبر عن تناقضات الأنظمة العربية إعلامياً واستخبارياً كما كانت في عهد مضى. مع حضور إيراني ممثلاً فعلاً في البنية اللبنانية.
ويبقى من دول المشرق العربي، مراكز المال والأعمال المتنافسة، الإمارات وقطر، وكلا الدولتان تحاولان الانتفاخ سياسياً بواسطة المال والمرتزقة، ومع أن التواضع فضيلة، إلا أن وهم القوة الناعمة يسيطر على العقلية السياسية لهاتين الدولتين. قد تبدو القوة الناعمة إيجابية في تأكيد العلاقات السياسية ولكنها لا تكفي للعب دور مؤثر ومستمر في السياسة الدولية أو الإقليمية. يمكن أن تساهم هذه القوة في المساعي السلمية وفي المصالحات وفي المساهمة في تنمية الدول ومساعدتها، ولكنها تحتاج إلى قوة مادية ومعنوية وأنموذج يحتذى حتى يمكن أن تؤثر في العلاقات الدولية. ربما تكون قطر في هذا أكثر إيجابية من الإمارات، ولكن كليهما لا تستطيع أن تلعب دوراً سياسياً يتجاوز حدودهما، ولا يمكن لأي منهما أن تمارس دوراً ذا طبيعة إمبريالية ونفوذ خارجي سواء على صعيد الموانئ والمواقع الاستراتيجية أو على صعيد التشكيلات السياسية في الدول، فهذا الدور يحتاج لمقومات لا تمتلكها الدولتان.
أما تحالفهما الخارجي أو الإقليمي فإن المنطق يقتضي أن ينظر إليهما بمنتهى العقلانية والتواضع وإلا فإن أية أزمة ستصيبهما بما لا تحتملان ومثال على ذلك أزمة الموانئ في بحر العرب حيث دخلت الصين لاعباً أساسياً عن طريق باكستان.
فإذا كان هذا هو وضع دول كالإمارات وقطر، وإذا كانت عُمان تبدو وكأنها في قارة أخرى، فهل يجوز للبحرين أن تلعب أي دور في العلاقات السياسية الإقليمية والدولية إلا دور التوفيق والإيجابية، بل الحياد. ربما تكون الكويت أنموذجاً يحتذى به في المنطقة الخليجية وربما لهذا وجدت أن من المناسب كظم غيظها وتجاوز محنتها مع العراق وأقدمت على المصالحة التاريخية معه.
وإذا كان لا بد من قول شيء بخصوص فلسطين والأردن، فالأرجح أن القضية الفلسطينية بعمقها واتساع أبعادها، ولا سيما من حيث الرؤية الإسرائيلية وأثرها الدولي فهذا يحول دون حركتها الحرة في ساحة العمل السياسي العربي بشروطه الراهنة.
فمركزية القضية الفلسطينية بالنسبة لهما تجعل من القضية المتغير الأهم في توجهاتهما وبالتالي فإن أي سلوك سياسي لهما لا بد وأن يفهم في ضوء ذلك. بمعنى أنه لا مجال للعبث السياسي ولا مبرر له لدى كلا الطرفين. ربما تفسر العلاقة المتناقضة بين السلطة الفلسطينية وحماس من قبيل العبث السياسي وقد تكون كذلك فعلاً، إلا أن العلاقة بين السلطة والأردن بعيدة عن العبث وتحسب إيجابياً لمصلحة القضية، ونرجو أن تكون العلاقة بين الأردن وحماس كذلك. ربما أثرت المسلكيات والخيارات السياسية العربية على بعض وجوه العلاقة السياسية الداخلية في كلا الساحتين الفلسطينية والأردنية على انفراد إلا أن ذلك يقع في باب المجاملة والتوافق مع بعض الطروحات العربية تماشياً لا تماهياً.
وأنه على الرغم من ثقل الضغط الإسرائيلي في الحالتين إلا أن الصمود في المواجهة يحسب إيجابياً لمصلحتهما. ونرجو أن تكون الخواتيم متسقة مع هذا النهج. فالمؤكد أن أية تسويات تتعلق بالقضية الفلسطينية ستغير من طبيعة السلطة الفلسطينية وستؤثر على الدولة الأردنية ككيان سياسي قانوني. وهذا بدوره يساهم في تغيير الصورة في الإقليم ويدفع باتجاه حالات من العبث السياسي، لا بد أن يعمل الجميع على تجنبه.
وأخيراً ماذا سيترتب على حالة العبث السياسي السائدة في الإقليم العربي؟
إن الإجابة على السؤال أعلاه، تنطلق من التذكير بأن السياسة تبدو في أحيان كثيرة كالرياضة أو كالرياضيات، والفيزياء، بالرغم مما يقول عنها العرب وغيرهم بأنها "فن الممكن" فن الممكن يعني تركيب العوامل القابلة للتركيب أما العوامل الغير قابلة للتركيب فعبثاً نحاول تركيبها والحصول منها على نتائج منطقية.
في السياسة لكل فعل رد فعل؛ وإلا فالخسارة محققة، والفعل يحتاج إلى قوة, وبالنتيجة فإن العبث السياسي في المنطقة العربية، أدى إلى حالة من فقدان القوة، - فراغ القوة – وهذا يأتي من الإجابة على سؤال أين هي؟ ومن هي الدولة العربية القادرة على التفاوض مع الغير وضمان الحصول على نتائج إيجابية؟ وإذا حدث فذلك يعني أن النتائج تأتي بما يتناسب مع حجم القوة المتوفر. ولتأكيد ذلك بمثال أين تقع المبادرة العربية بشأن القضية الفلسطينية من جدول أعمال ورشة البحرين ؟!.
وثانياً: هل هناك من يستبعد إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية العربية فيما لو أراد النظام الدولي ذلك؟ في ظننا أن الجواب يكون هناك من يعتقد بإمكانية إعادة تشكيل القوة السياسية العربية، دون إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية حكماً؟ مع إمكانية إبقاء هذا الباب مفتوحاً، ولكن لا نعتقد أن النظام الدولي يريد إعادة تشكيل الجغرافيا الخاصة بالدول العربية آنياً على الأقل.
إذن العبث السياسي يفتح المجال أمام إعادة تشكيل القوى وعلاقات القوى السياسية في العالم العربي، وإذا رغب الإنفصاليون بتقسيم الجغرافيا فيمكن فتح هذا المجال لهم. إلا أن المنطقة ستدخل في نفق أكثر ظلاماً بما يؤثر على الواقع الدولي وعلاقات القوة الدولية.
ثالثاً: إن أخطر ما يمكن تصوره، أن الذهن السياسي العربي الرسمي يعتقد بأن تحالفه مع أي من هذه المشاريع المتنافسة أو مع بعضها مجتمعة قد يكون هو الحل الأنسب لأزماته المتعددة الجوانب، وبينما يعتقد الذهن السياسي الشعبي أو بعضه على الأقل أن غاية المواجهة بينه وبين الجانب الحاكم هو تمثل طروحات أو نماذج هذه المشاريع، أيضاً كلها أو بعضها.
رابعاً: وعليه فإن إيدولوجيا الحل للأزمات أو لنقل لأزمة العلاقة بين الشعوب العربية وحكامها يقع في الحالتين بين الحماية والتبعية من جهة أو التقليد والنمذجة من جهة ثانية، وهذا في الواقع ما هو إلا وهم وحل. فالحل الحقيقي هو حل تاريخي يتفق مع مقتضيات العصر ومدى تطور فواعله وتفاصيل العلاقات الإنسانية والسياسية التي تحكمه.
خامساً: ألم يتم تحويل العالم العربي إلى إسفنجة امتصاص للتوترات الدولية بحيث تستطيع المشاريع الدولية التعبير والمنافسة على أهدافها في هذه المنطقة من العالم التي تشكل قلب العالم القديم؟. ألا يعتبر ذلك إرهاصات تسبق وربما تطفيء التوترات الدافعة باتجاه حرب عالمية خامسة؟!. ذلك أن السؤال الممكن طرحه استراتيجياً هو هل من الممكن أو هل من المطلوب القضاء على العالم أم أن المطلوب تفريغ الشحنات (الدولة الأعظم والدول الأقوى والدول متوسطة القوة والدول الأضعف، والايديولوجيات الأكثر تطرفاً ، والسلع الأكثر تنافسية" البترول والطاقة، تكنولوجيا السلاح والسلاح وتكنولوجيا الاتصال والتجسس") ؟!
سادساً: أدى العبث السياسي إلى تأجيل الحراك السياسي الاجتماعي التاريخي العربي ولم يلغه، وإنما جعله أكثر كلفة، بمعنى أن عبادة السلطة لدى الحكام العرب ألغت إمكانية المصالحة بينهم وبين شعوبهم، وأدت إلى تدمير بعض الدول دون أن تضمن دوام سلطتهم، ألا يجعلهم هذا حكاماً بلا تاريخ، أو صفحات سوداء في التاريخ؟!
سابعاً: إن العبث السياسي، أهدر موارد الشعوب ودمر محاولات التنمية السابقة على محدوديتها، وكان بكل المقاييس العامة والتفصيلية تعبير عن حالات التخلف والبدائية لدى من يملكون السلطة. ومن ينتهي إلى هذه النتيجة في القرن الواحد والعشرين لا يستطيع أن يدعي بالتراكم الإيجابي للفعل والإنجاز عبر الزمن، لا على المستوى الوطني ولا على المستوى القومي ولا على المستوى الإنساني. إن من يدمر بلاده وشعبه لا يقع في زمرة الناس الأسوياء. وبالفعل لقد كان هنالك في التاريخ حالات توحش ولكنها قبل أن تصنف الإنسان كائناً عاقلاً.
ثامناً: إن العبث السياسي في العالم العربي، أتاح الفرصة للأغيار أن يتدخلوا وأن يتفوقوا وأن يجيدوا التوظيف وإحداث الخلخلة في البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وأن يحولوا بعضاً من قطاعات شعبية عدا عن الرسمية إلى عملاء ومرتزقة ومعوزين وعابثين وما إلى ذلك، مما هدد الوحدة الوطنية لكل شعب، وأشاع السلبية والمشاعر السوداء إزاء أبناء الوطن الواحد، فما بالك إزاء الآخر؟! فكما أن للحروب آثارها المادية المدمرة هنالك آثار معنوية أكثر تدميراً كذلك...... وتسألون عن الإرهاب؟!
تاسعاً: بالتأكيد ليس ما سبق هو فقط المحصلة النهائية للعبث السياسي، هنالك ما هو ظاهر وهنالك ما سيظهر لاحقاً، ولكن الأهم من كل ما سبق وما سيلحق من آثار، أن الإنسان العربي وضع نفسه حيث تكون الشروط الموضوعية التي يعيشها واكتشف أنه ما زال يعاني شروط القرون الوسطى الأوربية، نوعاً وإن لم يكن كماً. وهذا يعني أنه لم يحظى بالتطور النوعي للإنسان الذي فرضته السياسة والعلم والأخلاق وحقوق الإنسان.
إنها نتائج لا يندى لها الجبين فحسب، وتدعو إلى التساؤل حول حقيقة الإنسان نفسه، وتسألون بعد هذا كله المغفرة ،إنه شفير الهاوية فهل من منقذ؟!.
عاشراً نعم: لقد بدأت عملية الإنقاذ في العام 2010/2011، لقد بدأت مع البوعزيزي، هذا الإنسان البسيط الذي فجر كل هذا التاريخ وكل هذا الحراك، وكل هذه الطاقة، ولن تتوقف نعم المنقذ هو الربيع العربي في كل قطر عربي وفي كل العالم العربي مجتمعاً، فإذا كان الأمس معجزة غير متوقعة، فإن غداً لناظره قريب والله والأمة من وراء القصد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأزياء الكردية تراث حاضر في المجتمع المعاصر • MCD


.. لقطات جوية ترصد آثار الدمار الهائل الذي خلفه الزلزال التركي




.. التغير المناخي يلقي بظلاله على جبال الألب • فرانس 24 / FRANC


.. بكين تؤكد أن منطادا صينيا حلق فوق أميركا اللاتينية • فرانس 2




.. تكاثف الجهود الدولية لمساعدة تركيا وسوريا بعد زلزال مدمر خلف