الحوار المتمدن - موبايل


إلى كلّ من لم يقرأ الشدياق، ويجهل مكانته، هذا الفصل من كتابه !!

سليمان جبران

2019 / 8 / 4
الادب والفن


سليمان جبران: إلى كلّ من لم يقرأ الشدياق، ويجهل مكانته، هذا الفصل من كتابه !!
في ألوان مختلفة من المرض
ثمّ لازمَ الفارياق[ فارس شدياق ] نظمَ الأبيات، وهو حريص على الاتّسام بسمة شيخ. فعنّ له أن يقرأ النحو على بعض المشايخ لما أنّه رأى أنّ القدر الذي كان تعلّمه منه في بلاده لا يكفي لممدح السريّ. وفي ذلك الشهر الذي نوى فيه القراءة أصيب برمد أليم. فلمّا أفاق شرع في العلم فقرأ على الشيخ مصطفى كتبا صغيرة في النحو والصرف. ثمّ اشتدّ به داء الديدان الذي سببه فيما قيل أكل اللحم نيّئا. وتلك عادة مشهورة عند أهل الشام. فكان يتمعّص منه وقت القراءة، والشيخ يظنّ أنّ ذلك من اختلاف المسائل وكثرة التعليل، حتى قال له مرّة سبحان الله، ما أحد قرأ عليّ هذا الفنّ إلا ويتمعّص. فقال له ليس التمعّص كلّه يا سيّدي الشيخ من زيد وعمرو. فإنّ لجماعة الديدان أيضا مدخلا. فإني لا آكل شيئا إلا وسبقوا معدتي إليه. قال لا بأس عليك عسى أن يخفّ عنك ببركة العلم. واتّفق للفارياق وقتئذ أن سأله أحد معارفه أن يقرأ على الشيخ المذكور ذلك الكتاب الذي تقرأه النصارى في الجبل، وهو كتاب بحث المطالب. فلما ختمه التمس من الشيخ أن يكتب له إجازة إقرائه في بلاده. فكتب له إجازة وعرضها على الفارياق. فحين تصفّحها رأى فيها خطأ في اللغة والإعراب، فاستأذن من شيخه أن يوقفه على الغلط، فلما وقف عليه قال سأكتب لك غدا أخرى. ثمّ كتب له إجازة غيرها، فلما أمعن الفارياق فيها النظر إذا بها كالأولى. فنبّه شيخه على ما فيها. فقال له اكتب له أنت عني ما شئتَ، فكتب له ما أعجب به. على أنّ الشيخ كان مضطلعا بفنّ النحو غاية ما يكون. فكان يقضي ساعة تامّة في شرح جملة غير تامّة. إلا أنّه لم يكن يزاول الإنشاء والتأليف فكان علمه كلّه في صدره وعل لسانه، ولا يكاد يخرج منه إلى القلم شيء.
ثمّ بعد قراءة النحو على النسق المذكور راجع الفارياق وجعُ العينين. فلما أفاق رأى أن يقرأ شرح التلخيص في المعاني. فشرع فيه مع الشيخ أحمد. فلم يسرْ فيه قليلا حتى أصابته الحكّة، ولم يكنْ قد عرفها في مبادئها، فلهذا استمرّ في القراءة. حتّى إذا كان الشيخ آخذا مرّة في شرح مسألة معضلة ثارت الحكّة في بدن الفارياق، فجعل يحكّ بكلتا يديه. فالتفتَ إليه الشيخ ، فرآه منهمكا في الحكّ، فقال له ما بالك تحكّ وأنت على ما يظهر لي غير منتبه لقيل وأجيب، هل نحن الآن في محاكّة الألفاظ أم في محاكّة الأعضاء. قال لا تؤاخذني يا سيّدي فإنّي أرى لذّة الحكّ مانعة لي من التنبّه لغيره. قال أوبك الحكّ قال لعلّها هي. فنظر الشيخ إلى يديه فقال هي والله، فينبغي أن تقتصر في بيتك، وتطلي جسمك بخراء الكلاب، فليس لها من علاج سواه. فلزم الفارياق بيته، وجعل يطلي بدنه كلّ يوم بالخراء المشار إليه، ويقعد في الشمس ساعات، حتى لقيَ من ذلك عذاب الهون.
ثمّ لما أفاق رجع إلى القراءة، وبعد أن ختم الكتاب عاودته ضريبة الرمد، ثمّ نقر في رأسه أن يقرأ شرح السلّم للأخضري في المنطق. فشرع في قراءته على الشيخ محمود، فأصابته الهيضة، وهي الداء المسمّى في مصر بالهواء الأصفر، فبقي ثلاثة أيّام لا يعي ولا يعقل من الدنيا شيئا، ولا يقدر على النطق. سوى أنّه سمعه خادمه مرّة يهذي ويقول كليّة، موجبة كبرى. فظنّ أنّه يستعظم مصيبته فيقول إنّها كبرى، ولم يكنْ أحد أصيب بهذا الداء في مصر. فلمّا مضت ثلاثون يوما انتشر في البلد وعمّ بلاؤه، والعياذ بالله، فكان يموت به كلّ يوم ألوف. ووقتئذ عرف الفارياق أنّه كان المقدّم في هذه البليّة، وغيره التالي كما تقول المناطقة، وأنّ الديدان التي كان يقاسي منها هي التي عجّلتْ له بهذا الداء، فعجل هوبها، فجعل، أي الفارياق، يركب حماره ويطوف في الأسواق، وكأنّه آمن من المقدور. (حاشية لم يكن هذا الحمار ذلك الذي استحقّ الرثاء والتأبين، بل كان ممّن يحقّ له التقريظ.
فسار إلى قرية في الريف ومعه خادمه وخادمته، فعلم به بعض ولاة البلاد، فاستدعى به وبالخادم وبالخادمة. وقال له لبيب هل هذا وقت الموت أم وقت الإيلاد حتى جئتَ بهذه الجارية هنا؟ قال أنا مدّاح السريّ، وقد أتيتُ لأسرّح ناظري في نظرة الريف، فأجيد مدحه بعد موت من يموت. فقد ضقتُ بالمدينة ذرعا، وخشيتُ على قريحتي العقم. قال ما هذه وأشار إلى الخادمة. قال هي أخت هذا يعني الخادم. قال وما هذا. قال خوليّ هذا يعني الحمار. فالتفتَ الأمير إلى الخادم، فرأى عليه طلاوة. فقال له من حيث أنّك شاعر السريّ أو شعروره فلا تثريب عليك، وإنما ينبغي أن تترك الخادم هنا، فإنّه يصلح لخدمتي. قال لك على الإمرة فخذه. فاستبدّ به الأمير تلك الليلة، وسأله عن الفارياق ملحّا. فقال له الخادم والله يا سيّدي إنّه رجل طيّب غير أني أظنّ أنه أعجميّ، فإني لا أكاد أفهمه حين يتكلّم بلغتنا. فلما أصبح الصباح تأهّب الفاريق للرجوع فلم يجد الحمار، فظنّ أنه لحق بالأوّل. فجعل يبحث عنه فوجده قد خرج مع حمار آخر من حمر الأمير إلى سهل، وهو تحته يزقع وينخر. فلما أن رآه على حالة المفعوليّة غلبه الضحك فقال قد ورد في الحديث أنّ الناس على دين ملوكهم، إلا أنه لم يقلْ أحد قطّ إنّ الحمير على مذهب أصحابها. ولكن بالعير ولا بالمعِير.
ثمّ رجع إلى الدار، فوجد خادمه وخادمته ينتظرانه، وقال له الخادم قد سرّحني الأمير، فإنّه لم يرَني أهلا لخدمته إلا ليلة واحدة، وها أنا الآن حرّ. ثمّ إنّ الفارياق بعد أن هنّأ الأمير ومرّأه رجع إلى مصر، وكان البلاء قد خفّ. فسأل عن شيخه المنطقيّ فقيل له إنّه حيّ لم يقضِ من القضايا. فرجع إليه، وأتمّ معه ما كان ابتدأ به. فلما بلغ آخر درجة من السلّم عاودته ضريبة الرمد فلزم بيته. فلما أفاق رأى أن يتعلّم شيئا من الفقه وعلم الكلام. فبدأ بالكنز وبالرسالة السنوسيّة فمرض- فرآه بعض معارفه من الفرنساويّة فسأله عن سبب ضعفه فأخبره الخبر. فقال له أنا أشفيك منه بإذن الله ولكن على شرط أن تعلّم ابني العربيّة. فقال حبّا وكرامة. فشرع مذ ذلك الوقت في تعليمه وفي تعاطي الدواء من عند أبيه. ولكنْ لا بدّ لتفصيل ذلك من فصل
على حدته.
[ أحمد فارس الشدياق: الساق على الساق في ما هو الفارياق،
بيروت 1966، ص. 359 - 361]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جولة في بيت العود العربي بمدينة أبوظبي مع الفنان نصير شمة |


.. لقاء خاص مع الفنانة الفلسطينية روان عليان وحديث شيق عن جديد


.. عزاء شقيق المخرج خالد يوسف بمسقط را?سه بتصفا في كفر شكر




.. وصول المخرج خالد يوسف إلى بيت العائلة واستعدادات لتشييع جثما


.. إلى جانب معسكرات الإعتقال.. الصين تنتهج أسلوباً جديداً لتدمي