الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سُلطة -الدولة اليهوديّة- على العرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948

تامر عطارية

2019 / 8 / 20
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


سُلطة "الدولة اليهوديّة" على العرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948


"حيثما وُجدت السلطةُ وُجدت المقاومةُ."
- ميشال فوكو


يُبررُ الاستعمارُ الاسرائيليُّ سلطتَهُ على العربيّ الفلسطينيّ في الأراضي المحتلة عام 1948، بذكاءٍ ودهاءٍ، عبرَ أداتِهِ الناعمةِ – البرلمانِ الإسرائيليّ(الكنيست). إذ فيه تتمُ صياغةُ التبريرِ، عند ايقاعِ هذا الأخيرِ في فخ لُعبة المواطنةِ والمشاركةِ السياسيّةِ، أي في التمثيلِ البرلمانيّ. نتيجةً لذلك، يَغدو الفلسطينيُّ شريكًا لمستعمرِهِ في بلورةِ العقدِ الاجتماعيّ الذي يجعلُ كلَيهُما مُوافقينَ على مبادئِ الحياةِ التشاركيّةِ، وتسليمِ الحاكمِ السلطةَ السياسيّةَ، بِتخويلِه أنْ يَكُون الوحشَ المُحتَكرَ للقوةِ الشرعيّةِ. تُعْكَسُ هذه الموافقةُ عبرَ تَجلي ضُرورياتِ البقاءِ وضرورياتِ الحياةِ اليوميّةِ.


وفقًا لجون لوك، إن هذه الموافقةَ هي موافقةٌ ضمنيّةٌ وكافيةٌ كي تكونَ مُبررًا للسلطةِ السياسيّةِ.

يعتقدُ لوك أنّ الانسانَ يميلُ بطبيعتِهِ للعيشِ مع أخيه الانسانِ في حياةٍ تعاونيّةٍ في وئامٍ وانسجامٍ. ولكن وبخلافٍ للطبيعةِ، أحيانًا ما تحدثُ بَينهُما بَعضُ الانتهاكاتِ التي تَتْركهُما يَعيشانِ قي خصامٍ وتنافرٍ. لذلك تكونُ للدولةِ وظيفةُ مُراقبةِ تَطبيقِ القوانين وتَنفيذِ العقوباتِ عند لُزومِ الأمرِ، لكي تُضْمَنُ حقوقُ الانسانِ الطبيعيّةِ. إذا ضَمنت الدولةُ هذه الحقوق بكفاءةٍ ونجاعةٍ فالإنسانُ عندها سَيختارُ طواعيةً البقاءَ فيها. بمعنى أخر، يجادلُ لوك بأن ما دام الانسانُ لم يهاجر لدولةٍ أخرى، اذًا فهو بذلك يعبرُ ضمنيًا عن موافقتِهِ على قوانين دولتِهِ، واعترافِهِ بسلطتِها عليه. وبمفهومٍ أخر، ما دامَ الانسانُ صامتًا على ما يحدثُ حولَه من احداثٍ, فيُفهمُ من ذلك أنه راضٍ بحالِه، لأنه لو كانَ غيرَ ذلك فلكانَ عبّرَ عن استيائِهِ ومُعارضتِهِ.


كيف تتجلى الموافقةُ الضمنيّةُ عند هؤلاء الفلسطينيين؟

في مساء يوم 14 من أيار عام 1948, أُعْلنَ انتهاءُ الانتدابِ البريطانيّ على فلسطين، وإقامةُ الدولةِ اليهوديةِ فيها. بعد هذا اليوم نُفِذَتْ عمليةُ تطهيرٍ عرقيّ من قبل ضحايا عمليةِ تطهيرٍ عرقيّ سابقةٍ، وبدأ مشروعٌ استعماريٌّ يحرمُ شعبًا من حقِه في تقريرِ مصيرِهِ. بعد هذا اليوم بدأ الفلسطينيونُ رحلةَ اللجوءِ إلى خارجِ حدودِ فلسطين التاريخيّةِ. لكن ثمة جزءٌ يقاربُ عدَدَهُ حينها 150,000 فلسطينيّ، ممن تمكنوا من البقاءِ في قراهِم ومدنِهم بعدَ السيطرةِ الإسرائيليّةِ. قرَرَ هؤلاء البقاءَ والتشبثَ بالأرضِ، فعاشوا تحت حُكمٍ عسكريٍ تَرَكَ أثرَهُ المفزعَ على الجيلِ الأولِ منهم.

بالنسبة لهؤلاء إن شرطَ وُجودِهم وأسلوبَ مُقاومتِهم هو بقاؤُهم على أرضهِم التي ليس لهُم سواها. فهل يمكن اعتبارُ ذلك موافقةً ضمنيّةً؟ بالنسبةِ لهم إن العيشَ في دولةٍ بوليسيّةٍ يمنَعُهُم من حقِهم في التعبيرِ عن رأيِهم، أو عن استيائِهم ومعارضتِهم. وبالتالي إن بقوا صامتينَ سيُفهمُ من هذا أنهم راضينَ بحالهِم. فهل يمكنُ اعتبارُ ذلك أيضًا موافقةً ضمنيةً؟


*لا تستغرب أيُها القارئ بعد قراءتِك الأسطر أعلاه في حالِ توصلك لهذه المفارقة: نظريًا يحتمي الفلسطيني، الذي يعيشُ في الأراضي المحتلة عام 1948، من الإسرائيليّ المستعمرِ بواسطةِ ذاتِ الإسرائيليّ المستعمرِ!


أما بحسب ثوماس هوبز، فإن مصدرَ السلطةِ السياسيّةِ هو الموافقةُ الاداتيّةُ.

يعتقدُ هوبز أن الانسانَ، في حالةِ الطبيعةِ، ذئبٌ لأخيه الانسانِ، حيثُ تكونُ حياتُه فيها حياةَ عزلةٍ وفقرٍ ورداءةٍ ووحشيةٍ، وتكونُ حياةً قصيرةً. لذلك فإنَ في الخروجِ من هذه الحالةِ لمصلحةٌ لكلِ انسانٍ عاقلٍ. وهذا يتمُ بواسطةِ الدولةِ، صاحبةِ السلطانِ، التي تفرضُ النظامَ على جموع الناس. سيوافقُ أفرادُ هذه الجموعِ العقلانيينَ على هذا من منطلقِ أنه يتماشى مع منفعتِهم ويحققُ لهم مصالحَهم، أي انهم سيوافقون على استخدامِ أدواتِ هذا النظامِ. ولكن، يُسألُ السؤالُ: هل، بما أنهم وافقوا على استخدامِ أدواتِ النظامِ، هم بالضرورةِ موافقون على النظامِ؟


كيف تتجلى الموافقةُ الأداتيّةُ عند هؤلاء الفلسطينيين؟

في يومنا هذا صارَ عدَدُ الفلسطينيينَ، الذين يحملونَ بطاقاتِ الهويّةِ الإسرائيليّةِ، حوالي 1.9 مليونًا. لقد تضاعَفَ عدَدُهُم بالرغمِ من انهم ما زالوا يعيشونَ على نفس مساحاتِ الأرضِ السابقةِ، في الجليلِ والمثلثِ والنقبِ والمناطق الساحليّةِ. لقد تعلموا اللغةَ العبريةَ أيضًا. ما هي الاحتياجاتِ الأساسيّةُ للناسِ الذين يعيشونَ في القرنِ الواحدِ والعشرين؟ علاجٌ وتعليمٌ؟

نعم قد يمرضُ أحدُهم، فيجدُ نفسَه نزيلًا، على سبيل المثال، في "مستشفى روتشيلد" في حيفا (روتشيلد: متبرعُ سخيٌ سابقٌ للحركة الصهيونية وداعمٌ في تأسيسِ دولتِها). أو قد تَغدو فتاةٌ شابةٌ طالبةً جامعيّةً، فتجدُ نفسَها تدرسُ، على سبيل المثال، في "الجامعة العبريّة" في القدسِ (الجامعة التي عُرِضَت فكرةُ انشائِها في المؤتمرِ الصهيونيّ الأولِ عام 1897).

ان هذه العلاقةَ الاداتيّةَ هي ضروريةٌ للحياةِ اليوميّةِ وللبقاءِ على قيد الحياةِ. فهل يمكنُ اذًا اعتبارُ هذه العلاقة موافقةً؟ هل يمكن اعتبارُ استخدامِ أدواتِ النظامِ موافقةً على النظامِ ذاتِه؟

أو لربما كفى حديثًا عن تبريرِ السلطةِ؟ لأن سؤالَ التبريرِ هذا يفترضُ بالضرورةِ نظامًا ديمقراطيًا.


انتهى النصُ.

لكن حبرَ قلمي لم ينته، انما ذهبتُ كي أطلع على أفكارِ ما بعد الحداثةِ، كي أفهمَ ثنائيةَ القوة والسلطة لدى فوكو, وأفهمَ أكثر قولَه بأنّ تلك الأخيرة تُمارسُ ولا تُمتلكُ، أو أتمعن مفهومَ الهيمنةِ الثقافيّةِ لدى غرامشي الذي يقولُ: "إن الجماعةَ التي تُمْسِك بزمامِ السلطةِ في المجتمع تُصرُّ دومًا على أن المناقشةَ الفكريّةَ يجبُ أنْ تتمَّ من خلالِ اللغةِ التي تستخدمُها (هذه الجماعة) أو التي تَفهمُها وتُقدِّم طريقتها للنظرِ إلى العالمِ وتأويلِه والهيمنةِ عليه."








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جيل الشباب في ألمانيا -محبط وينزلق سياسيا نحو اليمين-| الأخب


.. الجيش الإسرائيلي يدعو سكان رفح إلى إخلائها وسط تهديد بهجوم ب




.. هل يمكن نشرُ قوات عربية أو دولية في الضفة الغربية وقطاع غزة


.. -ماكرون السبب-.. روسيا تعلق على التدريبات النووية قرب أوكران




.. خلافات الصين وأوروبا.. ابتسامات ماكرون و جين بينغ لن تحجبها