الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العاملة الصغيرة

يحيى نوح مجذاب

2019 / 8 / 25
الادب والفن


شعرُ سبط يتهادى شلّال زنبق، يضوع بعطر الصّباح النَّدي.
بنطال ضيّق فاحم السواد يغطي عمودي رخام فاجر البياض.
كانت تقفز أمامه كفراشة ملونة بين المياسم والبتلات الناعمة.
صغيرة بحسد كامل روته شلّالات الجبال السامقة، ووجه امتزجت فيه براءة الأطفال، وشيء من مكر الدهاقين. بعض حَبّ الشباب النّاعِم بان بخفوت على صفحتي خدّيها غير أن نصاعة بياضها الباهر ما زال يسطع.
كانت توظِّب قطع الملابس الجديدة وزجاجات العطر ومنحوتات الآبنوس وترصّها في أمكنتها على الرفوف والأصونة الخشبية الصّلدة، وهي تُهَمهِم مع نفسها بنغمات موسيقية هي خليط من مقامات السيكاه والكرد والصَّبا؛
( كَمْ يَرْدِلي سَمْرَة قَتَلتيني ...خافِي مِن ربِّ السَّما وَحْدي لا تخَلَّينِي )
( امان.. امان.. جانم.. امان )
عندما اقترب منها ليسألها عن معروضاتها أجابته بصوت خفيض، ولهجة غريبة مزجت فيها كلمات لأكثر من لغة، وفي ختام كل جملة كانت ترسم ابتسامة عريضة بشفتيها وعينيها معاً وهي تنظر اليه بمقلتين مغرورقتين بدمع لزج شفاف، وأنفاس تتصاعد مع وجيب قلبها الفتي.
تحرّكت كثيراً ونطّت بأقدامِ شبه عارية بين الفازات والأباجورات وبروشات العرائس البيضاء.
قميصها الزّهري الشّفاف ينسدل نحو الأسفل وهو يغطي أعلى بنطالها، وطيّاته الناعمة تتماوج مع انعكاسات زجاج النوافذ الغارقة بالضوء اللامع المُبهر. كانت تختلس النظر إليه بين الفّينة والأخرى وقد غمره الهدوء، وسيّالات متوالية من حلم أخرس يسبر أعماقه وهو يرقب بشغف هذه اللوحة الإنسيّة المصنوعة من عصارة الحياة بقوتها التعبيرية كأنها رُسمت بريشة الرسام الهولندي رامبرانت.
كم تُرعبه وتستهويه هذه النظرة الطويلة العميقة المستكشفة الغاطسة في مجاهيل الجمال ! هذه النكهة من جمالها الآري جبلي في صبغته، وقد لقّحته رياح الصحراء بغرابتها وطلاسمها المبثوثة في عمق الواحات الخضراء.
اقترب منها أكثر وأشار لها بإصبعه نحو ذلك الشيء المرتفع العالي؛ فستان عرس أبيض موشَّى بأحجار كريمة ذات ألوان منسقة متدرجة بطيف الشمس من الأحمر الأرجواني حتى الأزرق الفيروزي. لم يكن في خلده أبداً شراء بدلة عرس في يوم ما، لكنها فكرة شيطانية قدحت في ذهنه وحطّت كالصاعقة لحظة إلهام علوي طاغِ هبط عليه أَسراً عقله بعد أن استوطنت هذه المخلوقة الشهية حنايا قلبه دون استئذان وعشعشت كالقدر.
أحضرت السّلالم المعدنية البيضاء واقتربت من الرفوف المرتفعة.
تسلقت الدرجات بخفة لعينة. كان موج العطر الممزوج برائحة جسدها الساليسية ينساب من ثناياها نحو خيشومه منضاعاً، وقد انزلق إلى عقله الباطن ليطرق أسراره الخفية.
اليوم يودِّع عقده الرابع من سنين خاوية خطفته جسداً وعقلاً في غمرة العمل ونظريات رأس المال التي لم يجني من ورائها شيئاً سوى محافل الايتيكيت التي خطفته من نفسه ليغرق في مجتمع مخملي متصنع لم يحبه قطً حيث كانت كل خطواته وسكناته محسوبة بالقيراط.
عندما أحضرت البدلة وهي تمشي مشية غنج أشاح ببصره نحو الجدار الملون بلوحات الفنانين وأغمض عينيه مستلهماً كل قدراته، وحين اقتربت منه همس لها قائلاً: ضعي الثوب على جسدك، جرّبيه على مقاسك إن كنت لا تمانعين. نظرت إليه باستغراب غير أن شيئاً ما بداخلها كان يدفعها للقبول. مرت الدقائق ثقيلة بطيئة بعد أن دخلت غرفة تغيير الملابس. كان ينظر إلى الباب كلما سمع هسيساً أو وقع أقدام، وفي اللحظة التي أطلت عليه من وراء الستار وهي ترتدي حلة العرس لم يستطع أن يتمالك نفسه وهو الرجل الذي قد فاته القطار وصحى اليوم من غفوته. تقدّم إليها بخطوات ثابتة وسحب جسدها إليه كما لو كان يقودها إلى حلبة الرقص. كانت كفها تنام بتؤدة وسلام في يده. سارا بهدوء نحو الباب الخارجي. لقد كانت مأخوذة بهذا السحر الذي لفها من سمت رأسها حتى أخمص قدميها، مذهولة بالانجذاب نحو هذا المخلوق الذي لا يقل عنها جمالاً. لقد صُعقت ولم تحر جواباً حين طلب يدها هكذا دون مقدمات أو سابق معرفة. قالت له وقد انخطف لونها: هل أنت جاد بما تقول؟ فأنا لم أفكر بالموضوع وما زلت بعد صغيرة. كان قراره مفاجئاً ليس لها فقط بل له أيضاً، لكنه برّر كل شيء ببساطة وواقعية، فالرباط المقدس لا يحتاج إلاّ لرجل وامرأة ومشاعر واحاسيس. استجابت له واستسلمت، ولم يكن بوسعها أن تفعل شيئاً سوى إكمال ما بدأه. كتبت ورقة استقالتها على عجل وسلمتها لمديرها المذهول وودّعت زملاء العمل وأرسلت رسالة قصيرة لأهلها من هاتفها الخلوي ببنوط داكنة كبيرة قائلة لهم:
اهلي الأحبة سأتزوج هذه الليلة فقد بلغت بالأمس التاسعة عشر.
قبلاتي لك أمي الحبيبة..
وسامحني يا أبي لأني لم أستطيع ان أؤجل قَدَري.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. طالبان تعيد السماح بفتح دور السينما لعرض الانتاج المحلي


.. ستايل توك مع شيرين حمدي - شوفوا الستايلست سعيد رمزي غير لوك


.. ستايل توك مع شيرين حمدي - تعالوا نشوف توقعات سعيد رمزي للسجا




.. الأبطال | الرواية الكاملة للتحرر من سجن جلبوع - الحلقة الأول


.. مهرجان الفيلم بطنجة يكرم الراحل نور الدين الصايل أحد رواد ال