الحوار المتمدن - موبايل


بين خيبر الناصرية وخيابر البصرة

سيد رياض آل بحر

2019 / 8 / 25
السياحة والرحلات


من الشمال الغربي لمدينة أور وإلى الجانب الشرقي من مملكة لارسا ، عروسُ الصحراءِ (خيبر) غَابَ تأريخها ولكن لم يَغِبْ جمالها ، بيوتات متناثرة من الطين السومري على بقعة صغيرة من الأرض عَلّها فَرّت من بطش جيوش عيلام البربرية التي فتكت بأور أو نَجَت بنفسها من جحافل بابل الثائرة على مُنَافِسَتُها لارسا .

المسرح الأول للحرف والإنسانية منذ آلاف السنين لم تحفل بزهو العمارة وأجواء المدن فلديها مايكفي من الطين السومري تعطلت فيها الذاكرة وتوقف عندها التأريخ إلى قرنين من الزمن حيثُ عُمر البيوتات التي تقطنها الآن ولاشواهدَ أخرى سوى بقايا ألَيّشِن المحيطة بها من كل جانب وأطلالٌ لخرائبَ غادرها من كانوا يكتوون بهجيرها وخشونة العيش فيها .
لايوجدُ لخيبرَ إمتدادُ مسافات حتى تُقاس ولكنها تُقاسُ بالحواضر التي تُطَوّقُ جِيْدَها من الشرق كأور وأريدو وتل العبيد وإيشان (المفشوگ) أيْ (المشطورِ إلى نصفين) الذي شطرته قوات الإحتلال الإنجليزي لِمَدّ السكة الحديدية إبان إحتلالهم للعراق ، وأمَا قُبالتها جنوباً وعلى بُعدِ أمتار منها تَلّها البابلي الذي أُكتِشَفَ حديثاً كأكبرِ بنايةٍ إدارية بقيت مُستخدمة حتى بعد إنحلال دولة حمورابي بعد جيل من الزمان ، لِيَحمَلَ أسمها (تل خيبر) وليسَ ببعيدٍ منه بقايا من تأريخ مجهول لم تَطَلهُ يَدُ التنقيب إيشان (الگوره) الذي أستخدمه البدو الرُّحَلِ كمدفنٍ وجاورته بعض البيوتات لفترة وأرتحلت عنه ولعلّ لفظة (كَوره) بالكاف المعقودة أو العجمية كما يُصطلح عليها ، هي لفظة بابلية من (كورة) أي القرية .
مسافة الأربعة كيلو متر إلى الجنوب الغربي تكونُ مرغماً على الإنحناء والتأمل حينما تقف أمام إيشان (الرخامة) العظيم الذي يُخرجُ خيراته وثرواته كلما أغدقت عليه السماء بغيثها ، ليكون عرضة للسراق والناهبين ، ومظنةُ التعليل لهذا الأسم "الرخامة" هو لوجود مادة الرخام على سطح (الإيشان) ، وقبل أن تُلَوّحَ مودّعاً سَيَتحتّمُ عليك المرورُ بـ إيشان (أبو أخْمَيَّس) الذي يبعد عن إيشان الرخامة (300) متر ، والذي كان عريناً للسباع في زمنٍ ليس ببعيد ، فغادرته السباع ليكون مدفناً آمناً للأطفال حديثي الولادة إلى وقتنا الحاضر و"أخْمَيِّس" لفظة عامية من كنى الأسد تجد فيها علاقة إشتقاقية بينها وبين كلمة (خمس) الدالة على العدد وعن مخالب الأسد الخمسة عند المواجهة أو الأفتراس ..
وهذا ماكان يدفعُ النّاس قديماً منذ قرن ونيف إلى وضع نبات "الصريم" الشائك على جدران البيوت الطينية لحماية أغنامهم ومواشيهم من هجمات السباع والذئاب وأيضاً نصب الكمائن أو كما تسمى (النوشه) لقطعان الغزلان التي تفتكُ بمحاصيلهم الزراعية .
خيبر إدارياً تتبع إلى ناحية البطحاء (لارسا قديماً) من الشمال زهاء 10 كم ، يتم تصنيفها إدارياً كقرية وعدد سكانها الذي لايكاد يتجاوز الـ150 نسمة هم خليط من عدة عشائر في الأصل وينضوون تحت قبيلة آل غزي ويتفرقون في سكناهم على خَطٍّ مُتَوازٍ واحد من سكة القطار القديمة (الريل) حيث تبدأ من عشيرة (آل زبن) ولم يتبقى من هذا التجمع سوى خمس بيوتات وخرائب مهجورة وعلى مسافة 3 كم (اليماعه) التي أُبدلت جيمها بـياء كلغة بني تميم وهو العدد الأكبر حيث يضم قرابة الخمسين بيتاً مروراً بـ(الوسيطه) أي المنطقة المتوسطة التي لم يتبقى منها سوى بيتان وتنتهي بأهل (العريه) العرجة والتي لم يتبقى منها سوى أطلال .
خيبر المُحاطة بكل هذا الإرث التاريخي والحضاري الضخم هل سينتهي عندها الفضول وحب المعرفة إلى هذا الحد إذا عرفنا بأن اللغة العبرية تركت لها بصمة في هوية هذه المنطقة النائية وأن أسم خيبر هو عبري ويعني (الحصن أو السور).؟
وأين سيصل بنا بقية الخيط البحثي لمعرفة تأريخ المنطقة وجذور تسميتها ، هل ستكون من بداية السبي البابلي ؟
أو لكون المنطقة ذاتها مفتوحة على مصراعيها بأتجاه الحدود السعودية وتواردَ الأسمُ من خيبرها المنيعة بأسوارها التي لم تُغني عنها هجمات ملك العراق البابلي (نابونيد) لِيَضُمّها إلى مُلكهِ .
وفي صحراء التيه والتفكر تجدُ نفسكَ واقفاً تَلُفّكَ الحيرة ذاتها والإنبهار ذاته الذي لَفّ "تراجان" إمبراطور الرومان وهو يتأمل عَظَمة (خيابرَ) أو "كراكس سباسينو" بحسب التسمية اليونانية ، المدينة المفقودة التي بناها الأسكندر المقدوني كمعسكراً لجنده قبل أن تندثر آثارها ومعالمها ، وخيابر هي جمعٌ لكلمة (خيبر) بقيت تصارعُ الأزمنة والدهور لتحتفظ ببعضِ جدرانها على بُعدِ 70 كم شمال شرقي محافظة البصرة في ناحية النشوة ، لتجاورَ مينائها الأقدم والأكبر للعراق القديم في موقع (المقلوبة) في منطقة الزريجي .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل أعلنت حماس الحرب على إسرائيل؟ أسامة حمدان يجيب


.. مظاهرات ومواجهات بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية في عدد


.. المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية يتهم المواطنين العرب بإحداث




.. حريق يلتهم كنيسة تاريخية في فيلاديلفيا


.. جبال تشينلينغ -وريد التنين-