الحوار المتمدن - موبايل


أصدقاء بدون مكر الأصدقاء

حمزة الذهبي

2019 / 9 / 5
الادب والفن


تتلمذت - ولا زلت أتتلمذ - على يد أساتذة، يُطلق عليهم لصوص النار، أكن نحوهم إعجاب أعتقد أنه لن يخمد، منهم أساتذة صارت أبدانهم منذ زمن تحت التراب فظن البلهاء - وما أكثر البلهاء - أنهم أموات، متناسين أنهم أحياء، أحياء بأرواحهم وأفكارهم، لا بأبدانهم. أحياء بما خطته أيديهم من كلمات ملغزة وحبلى بالدلالات. أحياء بأثرهم الذي لن ينمحي ما دامت هناك كائنات بشرية قارئة على هذه الأرض تتلقف ما يكتبونه. لأن وجود المبدع ـ كما ينسى البلهاء ـ رهين ، على حد تعبير الكاتب الليبي إبراهيم الكوني ، بوجود نصَه لا بوجود شخصه .
تتلمذت على يد أساتذة بدون سطوة الأستاذ وجبروته وعنجهيته ، ليسوا شيوخا يريدون مريدين يقولون سمعا وطاعة مع ما يستتبع ذلك عادة من تبجيل وتعظيم قد يصل حد التقديس إن لم أقل التأليه ، بل يمكن اعتبارهم بالأحرى أصدقاء ، أصدقاء بدون خيانة ألأصدقاء وخذلانهم. " فالخلان – كما يقول أحد الذين تعلمت على أيديهم في وقت من الأوقات - لم يخلقوا إلا ليخونونا ولم يصادقونا إلا ليخذلونا (...) إنهم يتخلون عنا إذا حاق بنا مصاب ، كما يتخلون عنا أيضا ما إن يحققوا ثراء أو مجدا أو سلطانا " . أما هؤلاء الكُتاب الذين لا يبدلون وجوههم كما يبدل الثعبان جلده ، فهم لم يخونوني ، ولم يخذلوني ، ولم يتخلوا عني وإن تخليت عنهم ، لم يطلبوا مني شيئا وأعطوني الكثير خلال هذه السنوات التسع أو العشرة التي انصرمت . أخذوا بيدي وذهبوا بي بعيدا ، في هذا العصر الذي هو غاية في التعقيد ، من ضيق الأفق إلى أفاق واسعة. جلت برفقتهم عوالم لا حدود لها ، وتعلمت منهم ما لا يحصى من الأمور . فقد أخذني على سبيل الذكر لا الحصر : المفكر المغربي ، الغني عن التعريف ، محمد عابد الجابري داخل العقل العربي وأراني كيف تشكل بداية من عصر التدوين إلى الآن وأسباب تعثره وسبل نهوضه . ومن الفيلسوف كانط تعلمت أن أكون شجاعا وجريئا في استعمال عقلي دون الاستعانة بالآخرين ، وتعلمت من الأمريكي تشارلز بوكوفسكي أن أتجنب الجموع ليس لأنهم أغبياء بل لأنهم يدفعون غباءهم عبر حياتنا بشتى الوسائل المتاحة لهم . وفتح الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا عيني على أمر مهم وهو أن المرء يمكن أن يحتوي في داخله على حشد من الأشخاص لكل منهم رؤيته الخاصة للعالم . ومن مظفر النواب اكتشفت كيف يمكن للكلمة أن تقض مضاجع الطغاة. ولقنني إبراهيم الكوني حكمة وهي أن الإنسان يستطيع أن يفلح في أي أمر ، إذا استطاع أن يجعله هم يومه . وحكا لي إدواردو غاليانو عن تاريخ آخر للعالم مسكوت عنه ، محاط بالجدران والأشواك التي تكون مدمية لكل من سولت له نفسه التنقيب أو الكشف عنه . ودعاني سقراط لأن أتفلسف لأن الحياة بدون فلسفة ليست حياة لإنسان .أما كافكا ، هذا الإنسان المعذب ، فقد أوصاني بأن أقرأ فقط الكتب التي تستفزني و تزلزل كياني ـ ثم أضاف أنه إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا فلماذا نقرأ إذن ؟ على الكتاب أن يكون كالفأس التي تُهشم البحر المتجمد فينا .
إنهم كنوز لا تقدر بثمن ، مدين لهم ما دام في العمر بقية . كيف لا أكون مدينا لهم ، وقد علموني أن لا أركن لما يبدو لي للوهلة الأولى بديهي بدون فحص ومساءلة وحفر. وأمدوني بالوسائل التي تمكنني من تحصين نفسي ضد التفاهة والبلاهة التي تكتسحنا في هذا الزمن أكثر من أيما وقت مضى . كيف لا أكون مدينا لهم ، وقد أيقظوني من سباتي ، نفضوا عني الأوهام التي كانت تبدو لي أنها حقائق في وقت من الأوقات ، وبينوا لي ضعفها وتضاربها وتهافتها ، كيف لا أكون مدينا لهم وقد حرروني من السياجات الدوغمائية المغلقة التي قبعت فيها لوقت طويل ، نزعوا عني أغلال ، ومنحوني الطاقة الكافية كي أقف منتصبا وأخرج من كهفي الشبيه إلى حد ما بكهف أفلاطون .
لهذه الأسباب كلها فإني مهما كتبت عنهم ، أي مهما سودت من أوراق بيضاء ، لن أعطيهم حقهم . لذا سأختم قولي هذا بعبارة جميلة ومعبرة إلى أبعد حد إذ أنها تلخص كل شيء ، قالها عاشق الكتب والمكتبات الأرجنتيني ألبرتوا مانغويل : نحن نريد التعبير عن شيء معقد وكبير، وفي النهاية نكتفي بكلمة أحبك.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -تامر حبيب- في ختام -مهرجان الجونة.. وتعليق قوي جداً عن فيلم


.. ماريان خوري عضو لجنة تحكيم في مهرجان الجونة: شاهدنا أفلام جي


.. لقاء مع -عمرو منسي- الشريك المؤسس والمستشار التنفيذي لمهرجان




.. لقاء مع عمر الحمامصي في حفل ختام مهرجان الجونة السينمائي في


.. أول تعليق للنجم #آسر_ياسين عن الأفلام الفائزة بمهرجان الجونة