الحوار المتمدن - موبايل


الكُتاب هم أناس مثلنا من لحم ودم وليسوا آلهة

حمزة الذهبي

2019 / 9 / 7
الادب والفن


تُعجبني قراءة الرسائل التي يكتبها مُؤلفي الكتب إلى عائلاتهم و أصدقائهم وعشيقاتهم ومعارفهم وما إلى ذلك، والتي يتم جمعها بين دفتي كتاب غالبا بعد وفاة كاتبها ، إن الرسائل جنس أدبي ، إبداعي ، متفرد ، له حلاوته الخاصة التي تميزه عن باقي الأجناس الإبداعية الأخرى أجد متعة ولذة في اطلاع عليه ، زد على ذلك أن له منفعة وفائدة التي تتجلى في السماح للقارئ – الفضولي مثلي أنا - بالتعرف على الكاتب أكثر وفهم حياته وما يدور في خلده في حدود ما أراد الإفصاح عنه للآخر المرسل إليه .
لذا أجدني من وقت لآخر أبحث وأنقب في المكتبات المحلية أو عند بائعي الكتب المستعملة الذين يفترشون كتبهم على رصيف شارع ابن الهيثم أو على الأرض في سوق الخردوات المتواجد في مدينة سلا ، وحينما أعثر على كتاب من هذه الكتب ـ كأنني عثرت على كنز ثمين ـ أتلقفه من الرف أو من على الأرض بسرعة خوفا من أن تمتد إليه يد أحد أولئك المهوسين مثلي وتحرمني من متعته ومنفعته. وبعد ذلك أقصد غرفتي ـ ملاذي الآمن بعيدا عن عنف المدينة وشغبها وصخبها وضجيجها الذي لا يهدأ ـ وأبدأ في فك محتواه . فأكتشف ، والحق يقال ، أشياء جديدة على عكس ما كنت أتوقعه في أغلب الأحيان عن حياة هؤلاء العظام ، أهل الأدب و الفكر ، محترفي الكلمة المكتوبة ، أحفاد بروميثيوس ، سارقو النار ، الذين أناروا سماء الأدب والفكر بأعمالهم الخالدة .. خذ على ذلك أيها القارئ الكريم نموذجين كان وقع محتوى رسائلهما علي مفاجئا إن صح القول .
أول هذه النماذج هو الكاتب الروسي دوستويفسكي الذي بلغت شهرته الأفاق ، فرسائله الصادرة عن دار السؤال ترجمة خير الضامن التي تحتوي على أكثر من 250 رسالة تتناول معظم مراحل حياة الكاتب، كانت مباغتة ، إذ كسرت ما كنت أتوقعه وكشفت لي بما لا يدعو مجالا للشك أن حياته هي عكس ما يمكن أن يظنه قارئ أعماله الأدبية ، فهو لم يعش في بحبوحة وراحة البال، بل حياته كانت حياة شاقة وبائسة، مليئة بالشكوى والألم والمعاناة والمرض والفقر والعوز ، دائم الهروب من الآخرين الذين استدان منهم دون أن يقدر على إعادة المال لأصحابه. لذا نجده غالبا ما يطرح سؤال ماذا علىً أن أفعل ؟ وهو يرى المصائب تنهال على رأسه وتثقل كاهله ، الأمر الذي جعلني أردد ما قاله أندريه جيد في دراسته حول دوستويفسكي " نتوقع العثور على إله ، فإذا نحن أمام إنسان بائس ، تعب ، مريض ".
ثاني هذه النماذج هو الروائي الفلسطيني غسان الكنفاني ، فرسائله إلى غادة السمان التي قرأتها قبل ثلاثة أسابيع أو أربعة من كتابة هذه الأسطر التي تتطلعون عليها الآن ، مكنتني من أن أقف عند صدق العبارة التي خطها في يوم من الأيام الكاتب الليبي ، إبراهيم الكوني الذي لا يحتاج إلى ورقة تعريف ، في كتابه ثوب لم يدنس بسم الخياط وهي أن : " العظماء ، في رسائل عشقهم ، ليسوا عظماء !. "
فالمناضل العظيم غسان كنفاني ، صاحب إحدى أهم روائع الأدب في القرن العشرين وأقصد بذلك تحفته رجال في الشمس ، نكتشف من خلال رسائله إلى غادة السمان أنه كان عاشق خائب ، يائس ، مهزوز و ضعيف ، خاضع لسلطتها ويدور في فلكها كما تدور الأرض حول الشمس. وأكاد أقول أن كاتبها لم يكن يظن أن رسائله التي وضع فيها أسراره سيطلع عليها الآلاف من القراء في يوم من الأيام. وأرى أن الكاتبة غادة السمان خيرا فعلت بنشرها هذه الرسائل المفعمة بالرغبة والحب إذ جعلتنا نتعرف على غسان الإنسان ببؤسه وضعفه ويأسه بعد أن تعرفنا في أعماله الأدبية الإبداعية على غسان الفنان بعمقه وتفرده وغناه.
في النهاية هذين فقط نموذجين من نماذج كثيرة لكتاب وفنانين ومبدعين كسرت رسائلهم ذلك الإطار أو الصندوق الذي حشرناهم فيه . وأيقظتنا في الآن نفسه من أوهامنا عن طريق مباغتتنا، إذا لا يوقظنا إلا من يباغتنا ، وجعلتنا نتذكر ما كنا قد تناسيناه ، أو جعلتنا نرى ما تعامينا على رؤيته وهو أن هؤلاء الكُتاب ، الفنانين ، المبدعين ، هم أناس مثلنا من لحم ودم ـ ليسوا آلهة ولن يكونوا كذلك .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أنقرة تعلن فتح تحقيق يستهدف مسؤولي صحيفة -شارلي إيبدو- بعد ن


.. الفنانة التونسية -سارة الحناشي- تختبر لهجتها المصرية وتغني ف


.. صباح الخير يا مصر - د. أسامة الشبكة دور وحدة رصد اللغة الفار




.. د. أسامة الشبكة: وحدة رصد اللغة الفارسية من أوائل وحدات التي


.. د. أسامة الشبكة: إحنا بنرد على جميع القضايا المثارة باللغة ا