الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الهروب

جمانة القروي

2019 / 9 / 8
الادب والفن


جلس على فراشه شارداً واجماً كعادته، ثانياً إحدى رجليه، واضعاً عليها يده بشكل مستقيم. تتارجح بين أصابعه سيجارة قلما ينطفئ وهجها،أتكأً بظهره وقفا رأسه على الحائط البارد لتلك القاعة الفسيحة المكتظة بالناس،متعددي الأجناس مختلفي الأمزجة،كان بينهم لكنه ليس معهم. صراخ الأطفال لا ينقطع،ضحكات بعضهم،شجار بعضهم الآخر، ضجيج النرد والكلام بلغات مختلفة،اصوات عالية تشوش عقله تمنعه من التركيز فيصم أذنيه أحياناً كي لايسمعهم، دويهم لايتوقف حتى في الليل. تتناهى اليه اصوات شخيرهم، لم يستطع التأقلم مع ظروف هذه الحياة التي زجّ بها دون ارادة او رغبة منه.
لاينفك طيلة الوقت شارداً يحدث نفسه مسترجعاً سنوات حياته الماضية،يلوح له وجه حبيبته وبريق عينيها فيتوغل في غابتيهما، يحس بدفء جسدها وهي تلف ذراعيها حول رقبته فيمد يديه يداعب شعرها العسلي ويغرز اصابه بين خصلاته،يمرر شفتيه على رقبتها وثغرها،يرسم انحناءتهما بخياله، يشم رائحتها التي تثيره، ثم يريح راسه المتعب على صدرها الناهد،.
حينما يتعب من مطاردة اشباحها التي تأبى فراقه، يحاول التشاغل عنها ملتفتاً للناحية الاخرى،عندذاك تواجهه صورة أمــه بوجهها الحزين وعينيها المملوءتين بالدموع وهي تودّعه عند عتبة باب بيتهم، تقبله وتحضنه بيد وبالثانية تمسك كاسة الماء لتسكبها خلفه عله يعود سالماً، لقد تحولت تلك الصورإلى سياط موجعـــة تلهب قلبه وروحه. استغرق في ذكرياته، تساءل مع نفسه الفائضة بالحزن كيف مرت السنوات عندما أضطر لترك مقاعد الدراسة الجامعية واللجوء إلى الجبال،خوفاً من الموت تحت التعذيب،أوالقتل تحت عجلات سيارات الامن.!
جفل من صراخ امراة على ابنها اليافع، الذي تأخر وهو يجلب لهم ارغفة الخبز،شعر باطرافه مثلجة وعظام ظهره تؤلمه بشدة، فتح اجفانه واغلقها مبحراً مبتعداً عن كل الإحباطات والهموم المحيطة به إلى بارح الايام. لكن سؤالاً مُلحاحاً ظل يتردد في ذاته،كيف انحدرت عشرة أعوام من عمره كماء نهر، جارفةً معها الاحلام والامال، تاركةً وراءها احجار الخيبة والفشل. مضت تلك الاعوام بين القطوع الجبلية والوديان الوعرة، حاملا بندقيته على كتفه، واضعا حياته ودمه على راحة كفـــه، توالى وتقاطع شريط الصور القديمة مع حبيبته واهله واصدقائه ،فكان يغنيه عن الوحدة والوحشة التي يشعر بها ويعينه التفكيربوالدته على التعقل والتروي.
معظم الوقت كان ينصت الى صوت الماضي، يجوب شوارع ومقاهي المدينة،أروقة جامعته،حديقة دارهم، قاعة المحاضرات،المكتبة التي التقى حبيبته لاول مرة فيها، وثبت امامه أشد ذكرياته أيلاماً، حين اضطرالى القفز من سياج كليته والهروب من أيدي رجال الامن. أطلق زفرة المٍ وقنوطٍ!
بضع شهورأدبرت وهو ما برح بين جمهرة من الناس هجروا ديارهم وقراهم، مشى معهم مسافات طويلة تحت حرارة شمس صيف لايرحم ولايام عديدة هربا من الموت،الذي طال المئات منهم. نام في العراء ودخل مع الاخرين إلى معسكر نائي وبعيد على تخوم الحدود بعد أن اخفى سلاحه. بأستمرار سأل نفسه:"لماذا أنا هنا؟و إلى متى؟ من المستحيل العيش دون هدف او أمل".
أخذ محراث القلق يحرث في روحه ويحثه على الرحيل، فيترك أحياناً زاويته للسير بين قاعات يحيطها سد منيع من الأسلاك الشائكة، يحرسه جنود غلاظ القلوب يراقبون من أبراجهم العالية الناس داخل المعسكر، مستعدون لإطلاق النار على من يحاول مخالفة قوانينهم دون أن يرف لهم جفن.
استعد الصيف للرحيل بنهاراته الحارة ولياليه المقمرة،التي شرعت الغيوم الخريفية المتناثرة في السماء حجب نورها ،منذرة بهطول الامطار.
زحف البرد الجبلي رويداً رويداً،غمامة من اليأس والكآبة والوحشة اجتاحت روحه " لا يمكنني الاستسلام! كيف أترك نفسي تعبث بها الأقدار! قريبا ستهطل الثلوج،فيصبح من المتعذرعليَ ترك هذا المكان،إلا بحلول الصـــيف مرة أخرى. يجب أن افعل شيئاً ما،أي شيء!"حدث نفسه .
فجأة وكبرق لمعت في ذهنه الفكرة واتخذ القرار! الهروب، ليس سواه من بديل. سيطر عليه هذا الهاجس واستعد لتنفيذه وإلتأهب له،لقد ساهمت سلوكياته الصارمة في اعطائه هالة من الغموض حول ما يعد ويخطط له.
قادته الصدفة للتعرف بأحد الفلاحين،ممن كانوا يترددون على المعسكر باستمرار،تشبث بأمل كسب ود الفلاح حتى يعاونه لاحقاً فيما ينوي القيام به .
شيئاً فشيئاً تحول الود بينهما إلى صداقة تسودها الثقة، تواطئا مع بعض في إتيان ما يحتاجه بكتمان تام وبعيداً عن أعين الحراس والرقباء."حقا ما تزال الدنيا فيها قلوب لم يشبها الحقد والضغينة،الان فقط أشعر بالاطمئنان". حدث نفسه محاولاً تهدئة دقات قلبه الصاخبة المرعوبة مما يفكر.
مع مرور الايام الطويلة بلغ التعب والاجهاد النفسي مداه واصبح ترقب اللحظة شغله الشاغل،طفق عقله يغلي بالافكار وصدره يمور بعواطف متلاطمة. نية الهروب ليست بالشيء الهين، فمجرد ورودها في باله، جعلت أوصاله ترتعش ودقات قلبه تقرع كما طبول قبائل بدائية.
رغم كل الصعاب والعقبات،إلا ان ما عزم عليه لم يبارح عقله، باتت فكرة الهروب لا تفارقه فسخر ذكائه من أجل تحقيق ما نوى عليه، قضى معظم وقته في التخطيط له.
كل يوم يتعمق القلق داخله من المستقبل، فيزداد قناعة بأنه لا سبيل إلى الحرية والخلاص إلا بالهروب من بين تلك الأسوار.
رغم ذلك كان في بعض الاحيان يتردد في تنفيذ ما صمم عليه، حينذاك تطل عليه عيون حبيبته ببريقها الأخاذ ونظرتها التي ما زالت تسلب لبّه،يحس كما لو أن يدها تشد على كتفه وهي تقول:"لا تفزع ولا تخاف ولا تتراجع، لست حبيبي إذا خانتك شجاعتك"!
دأب في البحث عن الطريق الأسلم والأسرع للهروب،تكتم على قراره وحبسه في ثنايا روحه خوفا من الوشاية.
في تلك اللحظات التي تشبه الموت بل هي موت بطئ، حينما تنشر الظلمة الدامسة اشرعتها، لم يغمض له جفن أو يهدأ له بال، كان يسير بين ممرات الثكنات والقاعات،يراقب بعيون الذئب المتربص بالطريدة جنود الحراسة.
تمضي الايام مشحونة بالترقب والانتظار، لكنه خلالها حفظ عن ظهر قلب مواعيد تغييرالحراس وأماكنهم، فألمّ بكل صغيرة وكبيرة عن حركتهم، دار مرات عديدة حول السياج المحيط بالمعسكر والمكبل بالكهربائية العالية، التي تقتل من يلمسه من كل الأماكن،إلا ثلاثة امتار! البوابة الرئيسية المُراقبة من البرج وجنديين يتناوبان السير أمامها بأنتظام. "لا مفرَّ! المنفذ الوحيد البوابة ومنها سيكون الطريق إما إلى الحياة أو الموت".
الانتظار اللانهائي هده، ظلّ مرتاب يتأرجح بين أن يسمع صوت العقل وينتظر،أو صوت جنون الرغبة في الخلاص.
توالت عليه الأيام ثقيلةً تلاشى فيها الأمل،رزح تحت الضغط النفسي والعصبي،زهد في كل شيء،هانت ورخصت حياته عليه. إزدات كهوف الكأبة عمقاً في روحه، ألم به القلق وأحاسيس متباينة ومتناقضة انتابته، لكن هطول الامطار أينعت البهجة في روحه. ليالي حالكة العتمة،رياح باردة وقوية جعلت الكل ينزوي،بالنسبة له كانت بارقة الامل وطوق النجاة."ربما هذا هو الوقت الذي لا يحتمل التاجيل! إذاً فقد أزِفت اللحظة، الان وإلا لن استطيع ذلك مطلقاً"اسر لنفسه! كان يؤمن دائما بأن الفرصة السانحة للسعادة تأتي للإنسان مرة واحدة في الحياة، إما أن يستغلها أو تضيع منه إلى الأبد.
حث الخطى كما لو انه يطير فلم يعد قادر على البقاء في تلك الدائرة المغلقة .
في سكون ودهمة الليل،اتجه نحو البوابة الرئيسية، في مكان غير بعيد عنها كمن،يراقب حركة الحراس الذين كانوا يقبعون في برج المراقبة خوفا من المطر والبرد، يتحلقون حول موقد النار المتأججة التي كانت تضيئ وجوههم. تأكد من خلو البوابة منهم،زحف بكل تروٍ وهدوء،على الرغم من ان اسنانه كانت تصطك وهو يرتجف من رأسه لاخمص قدمه،إلا انه واصل وحينما أصبح متاخم لهدفــه،أنبلجت فجأة ظلمة المكان بالأنوار الكاشفة،غمرته حزمة الضوء في مخبئه،جمد الدم في عروقه، حبس أنفاسه،كتم صرخة كادت تخرج من أعماقه، حاول بلع ريقــه، فأحس بجفاف في فمـــه ومرارة غريبـــــة، لكن سرعان ما عاد الظلام يجتاح المكان، تنفس الصعداء ثم أخذ نفسا عميقا، حاول بشتى الطرق إسكات دوي دقات قلبه الذي كاد يخرج من بين ضلوعه. راودته فكرة العودة إلى فراشه الدافئ ولينتظر كما ينتظرالجميع مصيرهم"لا..لا تتردد يا حبيبي (فاز باللذات من كان جسوراً)"! لم يعد أمامك إلا بضع خطوات وتصبح حراً طليقاً"، حثه صوت حبيبته القادم من غور روحه، شد من عزيمته،أمســك بحقيبة اغراضه بيد، لتكون بمنأى عن البلل وزحف بيد واحدة و بسرعة وخفة كما القط، بلا أدنى تردد مخترقا أسلاك البوابة،ملأت انفه رائحة الرطوبة،شعر بالغثيان، لم يبالِ، تناهى إلى سمعه بقايا أحاديث الحراس، توغل في عمق الظلام الحالك نحو المجهول، بغتة دوى صوت انفلاق قنبلة قربية،نهشه القلق،ادرك ان شيئاً ما قد حدث،سلسلة من اطلاق نار كثيفة اربكته وقبل ان يلتقط انفاسه كان ازيز الرصاص المتتالي يخترق اذنيه، سمع ضجيج وصيحات وصرخات الناس، لم يتراجع ومكث يزحف ويزحف دون توقف، إداروجهه الى الخلف، رأى بقايا نيران مشتعلة هناك واشباح تتراكض مسرعة في كل الاتجاهات، باغته صوت رشقات رصاص غزيرة أستولى الهلع عليه للحظة بدت أبدية ،إلا انه تعجل في دبيبه على ركبتيه ويديه !









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فلاشلايت... ما الفرق بين المسرح والسينما والستاند أب؟


.. -بيروت اند بيوند- : مشروع تجاوز حدود لبنان في دعم الموسيقى ا




.. صباح العربية | الفنان السعودي سعود أحمد يكشف سر حبه للراحل ط


.. فيلم تسجيلي عن مجمع هاير مصر للصناعات الإلكترونية




.. جبهة الخلاص الوطني تصف الانتخابات الرئاسية بالمسرحية في تونس