الحوار المتمدن - موبايل


حارة عظم

حكمت الحاج

2019 / 9 / 19
الادب والفن


في البرزخ ما بين اليقظة والنوم أحس بصوت باب الشقة يُفتح. انها هي طبعا، فليس غيرها من يملك المفاتيح. تَناوَمَ أكثر، طمعا في قبلة الإيقاظ الصباحية. وعندما فتحت عليه باب غرفة النوم هبَّ تيار خفيف من هواء بارد أجفله لكنه لم يمد بدا ليتغطى بالملاءة القطنية، وشعر إنه يشبه قطا قد أفسده الدلال. كانت هي تحاول أن تسير على رؤوس الأصابع، غير أن كعب الحذاء الجديد كان حادا في الإعلان عن نفسه رغم الحيطة المؤنثة. صوت أكياس من النايلون القاسي وطقطقة معدن متين. نعم، أكيد هو كيس التسوق من مونوبري بصوته المخشخش المزعج. ثمة أشياء توضع على الطاولة المستديرة في الغرفة، وعلى طاولة الزينة أمام المرآة الكبيرة أين يقبع اللابتوب الكبير الشاشة، وأين تكون الفوضى العظيمة المصاحبة للشغل اليومي على الحاسوب، ومخلفات الورق المصاحب للعمل، والأقلام الملونة، وفواتير الليلة السابقة، والنقود المتبقية في الجيوب، والنظارات الثلاث، وعلبة النيفيا الزرقاء الصغيرة المستديرة، وعطر الأرماني كود، وبخاخ الربو، ومزيل روائح الآباط، والساعة اليدوية من ماركة ليميت المحتفظ بها منذ أزمان سحيقة دون الرغبة باستبدالها.. على هذه الطاولة التي كان يسميها في بغداد ميز التواليت والتي هنا لا يسمونها كذلك بل ربما هي طاولة الزينة أو شيء من هذا القبيل. على هذه الطاولة، شعر انها قد رمت بشي ناعم الصوت. ما هو يا ترى؟ طفق يفكر. لكنه افتقد رائحة الكرواسانت الساخن المتوقع منها هذا الصباح قبل مغادرتها للعمل. ربما الفطائر قد حضرت فهي تعرف انه يحب منها أن تأتيه بمعجنات الصباح من كوشة عمار في طريقها اليومي من شقتها إلى شقته إلى عيادتها الطبية. طالَ تَـمَاوُتــَـهُ دون أن يحصل على قبلته الصباحية. وبعيون مغمضة، ومن صوت حركات جسدها عرف انها ستغادر الغرفة. صارت الآن بين الكليدور وغرفة النوم، وستقفل عليه بابه بهدوء بينما ستصفق باب الشقة بصوت لا مفر من حدوثه كل مرة. إذن فقد قرر الإعلان عن نفسه. ومن مكمنه قال بصوت يغلبه نعاس الصباح ها حبي جيت؟ قالت بخفوت نعم سألها ماشية للعيادة؟ قالت إيه، بس جيت جبت بعض الأشياء لك، وحقيبتي الصغيرة فيها أمور منحبش تشوفها حنين لأنها ستزورني العشية، وبالمرة خليتلك دفتر الملصقات الأخضر الذي تحبه. بربي اطلع عليه مش تنسى ملاحظاتي كالعادة!
وخرجتْ.
نهض من سريره. وبالكاد كان يميز النهار الطالع بسبب ستائر الغرفة السميكة التي يصر عليها صيفا وشتاءا. لم يبحث عن البانتوف السماوي اللون بل ذهب حافيا نحو طاولة الزينة فهو يعرف رغم ادعائه كل مرة بأنه لا ينتبه لدفتر الملصقات الأخضر الصغير على شكل قلب أين سيجده وفي أية بقعة صغيرة فاضية في خارطة أزمان الفوضى الخلاقة التي لا يعرف حتى هو متى ستنظف الطاولة منها، ومتى سيذهب غبارها المتراكم أدراج العناية من مدبرة المنزل التي لا تتجرأ أبدا أن تقترب من مستطيل الفوضى هذا. أشعل النور وتناول نظارات القراءة إذ يدرك تماما انها تكتب بخط يدوي صغير الحروف دقيقها. أمسك بالدفتر وراح يقرأ كلمات مثل صباح الخير أحبك مساء الخير أحبك توحشتك برشا برشا هيا صحصح وخذ دوش والتحق بي لكن لا تتأخر.. لكنه عدل من وضع النظارات الطبية على أنفه وقرأ مجددا وبشكل صحيح هذه المرة: لا تنسى تجيب معاك معجون طماطم مركز، وزيت متاع قلي، وحارة عظم. باي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسامير جليدية هاربة من الأفلام!


.. «القفاص» يقتحم عالم السينما في فيلم «هوى»


.. انفصال ثنائي -دافت بانك- رواد اللمسة الفرنسية في عالم الموسي




.. المخرجة بتول عرفة تكشف الكواليس الخفية وراء جمعها بين هانى ش


.. أول ظهور للفنانة عبير بيبرس بالحجاب:-مقتلتش حد-