الحوار المتمدن - موبايل


قراءة في قصيدة..عاشق السافرة للشاعرة التونسية هادية آمنة

محمد المحسن

2019 / 9 / 23
الادب والفن




تصدير: ليس الشعر أن تقول كل شيء،بل أن تحلم النفس بكل شيء -سانت بوف-

القصيدة تطرح أسئلتها،وتنفتح عند تفاصيل الدهشة حيث النص يخترق الذاكرة،ويلملم الحلم والغياب في مشهد يتشكل كلوحة يتوغل فيها السحر والمعنى والاحتفال..هذه القصيدة (عاشق السافرة) تفتح نوافذ الشاعرة الشابة (هادية آمنة) على مساحات سرية تقفل رؤيا الشاعرة على قراءة الرمز والحلم بين تراكيب لغوية مكثفة يتشيأ فيها (النص) أحيانا كوحدات قلقة..يفتض عوالمه المشبعة بالحلم والاتساع..أو بين (تهويمات) غنائية، تسعى فيها الشاعرة إلى استبطان الداخل اللغوي المشبع بسرد انتقائي،تحاول أن تتنفذ منه الى حيز آخر،يحيل فيه النص الى علاقة وصفية / رؤيوية..تمزج بين اتساع الحلم ومحدودية اللغة.
في قصيدتها (عاشق السافرة) تتمثل إلى هذه المحاولة القلقة القائمة على مساحة من التأمل والانفعال باللغة والمعنى..واغواءات الحلم،حيث تحتال بالانفعال في تتبع لغة تخرج من ثقوب ذاكرة غائمة متعبة،أثقلتها الخيبات والمواجع،كي تكتب فاتحة الرؤيا للحلم الذي يملك سر الكلمة والبراءة..
إن مسعى الشاعرة إلى اقتفاء تضاريس النص،هو محاولة إيقاف حركة زمنها الشعري عبر محاولة استقراء حلمها،في رؤيا تستبطن كشوفاتها،وتشكل تواصلا مضادا إزاء زمنها المجهض المغمور بالغرابة والتماس المعنى الشمولي عبر وعي اشكالي يمكنها ان تكشف جوهر هذا الزمن بكل ما يحمله من اضطراب وغياب... وموت... انه زمن خام... قلق... غير مبرر احيانا تتوخى فيه الشاعرة فكرة الجوهري / الشعري المشرع على احتمالات التأويل والمبني على (الهمس والتلمس والحس) وهذا الزمن الذي تحاول قراءته الشاعر يحيل حتما الى محاولة كشف استبطانات اللغة التي تعتبر الشعر ضرورة كما يقول جان كوكتو في استحضار الحلم والرؤيا والاحتفال...
تقول الشاعرة التونسية هادية آمنة:النّهر مُشربٌ بحُمرة الغروب
تُحلّقُ على صفحاته غربان الخطوب/تَغتسِلُ فيه من آسنات الذنوب/ينفلتُ عاريّا من الأعماق/غائصةٌ قدماه في يمّ الأشواق/يلُفُّ جسده بتُراب الأرض/متمتما" داومتُ على/أداء الفرض "/داخلا في شرنقة من طين ./آملا لناره النزقة أن تستكين/ساهما مُحدّقا في شُعاع الشمس/محرّما على ذاته أبجديّة اللّمس/واقفا هو مكتوم الأنفاس/يقتُل العدم في لجّة الإحساس.المسافة بعيدة والزّمن شحيح/تنفلتُ إمرأة تُعانق الرّيح/كساؤها شعور وعطرها نور/تتقافزُ ..تتعابثُ وداعةً/تلهجُ بِوقعها المُنغّم التسبيح روحه المرتدة من بصره/يعتصرُ العمر من أجلها فحيحا يتلوه فحيح/تخطو بمَلكة الأنثى على أرضه الرّخوة/وقد أفنت رائحة الذكورة فيه زبدا لبحرٍ تعلوه رغوة/الجحيم لا يطفئه حجاب ولا عريّ/ما ذنبها ولا عما ذنبها خلق بديع جاءت إلى الدنياء سافرة/دقّت جِيادُ العرب حربا عليها..عاصفة عاتيّة .بقيودهم هي كافرة/مُروّعة هي شاهقة النّفور خَلقً مُنعتق من ثورة الشكّ تثور/لاسعة نظرتها كسيخ الحديد يُديم البصر ثمّ يُشيح/تتمرّغ عيونه على صدرها النافر الجسور/يتلمّظ عطشا إليها..مُستعصيّة هي كسرّ دفين تتساند الرغبة فيه براكين..
من جبل الجليد الكامن فيه اللعين
دككتِ حيطاني ذاتي المتداعيّة "لا أحبّك..لا أحبّك يا إمرأة فأنت ضلعي بل أشتهيك شهوة راغيّة"/لا تتعجّبي من طمعي الأزلي للنساء/أقوال السّلف تقوى والحوريات هل كنّ استثناء؟؟/تهادت إليه لحنا قدسيّا ألجم عواء الريح القريب البعيد/سافرة نطقت الحرف تسابيح فباركها ربّ القصيد/حفنة من ماء من كفّها عليه تنثر تنقلُ النّهر طقوسا إليهأسطورة النشء تسأل/سافرة هي على المذبح تُنحر..
.. انه عشق بل قل شوق أنثوي تقيم الدهشة والغرابة طقوسه التي تحيل اللغة احتفالا له طابع هلامي يتوغل احيانا عبر الذاكرة المفزوعة بالخراب والفوضى وتمرّد الأنثى على الطقوس القبلية البالية..
إن قصيدة«عاشق السافرة» لا تذهب بعيدا عن محاولة إعارة النص بعض التفاصيل التي تشبع الرغبة الأنثوية بسرد انتقائي.. تلتمس تفاصيله الشاعرة عبر شبكة من العلاقات اللغوية / الصورية التي تستبطن (معنى) قائما سلفا،حيث تلج المرأة تضاعيف المسكوت عنه..
وتمور نواميس الشبق في وجدان أنثى أرهقته الرغبة العاصفة..لتستمرئ الشاعرة لحظتئذ وقع -تمرده-على زمن ملغوم بالدهشة والغرابةوالتابوهات..انه زمن (الخارج) الذي تهزم فيه..وتحاول عبر -عشقها السافر- إيغال الرؤيا في تفاصيل تجعل النص الشعري احتفالا ما، يبهج الشاعرة أو يؤلمها عند تخوم العطب...
ولصياغة فضائها الشعربي إزاء هذا التمرّد والعصيان تبدأ الشاعرة بالكشف عن تراكيب تندغم فيها الصور سريعة مقطوعة، بمساحات صورية أخرى..بطيئة تحتال باللغة وتتورط معها في استطرادات تثقل النص احيانا بالتجريد والتعمية المقصودة..وهذه التراكيب الصورية التي تشكل فضاء النص تبرر الى حد ما وعي الشاعرة إزاء تركيبة النص الحداثي..فالنص المفتوح على الاحتمال والمعنى تكشف فيه الرؤيا عن عوالم متراكبة مأخوذة بالاستطراد كإشكال لغوي وبالتوالد كإشكال بنيوي...انها تأخذ في قصيدة (عاشق السافرة) مثلا إيقاعا شكليا متفاوتا يمزج بين (نثرية) المعنى والخطوط الحلم التي لا تفتأ أن تكون إيقاعا آخرا يتلجلج بشعريته وسط متون متفاوتة في شدها واتساعها، بحيث لا تخشى الشاعرة إزاءها فراغات النص...وبياضه..انها تقترح فضاءا مفتوحا ومبررا حيث تستحيل فيه اللغة الى حلم او خطاب يستبطن العشق في تجلياته العجائبية...
إن المناخ الشعري الذي تبرعمت في ظلاله أشعار هادية آمنة يتسم في مجمله بالتفاعل الخلاق مع الجانب الحداثوي وهذا ما أعطى قصائدها تحديثا شديد الألفة،من خلال لغتها التخييلية المشكلة تشكيلا عضويا ساعد على خلق معادل فني تلعب الذات دورا بارزا في أساسيات نموه وبالتالي تحوله الى وحدة تكوينية تجمع بين تشكيلاتها المتناهية الدقة كل ما هو متنافر ومتضاد حيث تؤدي هذه الأضداد وظيفتها في إنجاز الهيكلية الهندسية للصورة الشعرية المتوافقة مع إيقاع حركة الواقع والمتعارضة معه.عندما يحاول ذلك الواقع أن يفرض منطقا عقلانيا يتعارض والفضاء التخييلي للغة الشعر.إن هذا البناء اللغوي، سوى في خاماته الأولية او المنتقاة لا ينسحب على القصيدة الحديثة فحسب،بل يتعداه الى التجارب التي اتخذت من قصيدة النثر وعاء تصب فيه ما يترشح من عملية التغطية التي تتعرض لها ذات الشاعر/الشاعرة..ومن هناك فإن شعرية قصائد الشاعرة التونسية هادية آمنة التي انبجست من ضلوع مدينة قفصة ،تمثل خطوة أخرى باتجاه قراءة النص الآخر الذي بدأ يشكل خطواته في مسار القصيدة العربية وهي تتململ اليوم بكل اختزاناتها وسحرها وقلقها للخروج الى برية الاتساع حيث الشكل يمسك لذة الحلم،وحيث الحلم يفور في مسارب المعنى..والشاعرة-هادية- تقيم طقوسها على تفاصيل الاشياء...حالمة او كاشفة او قائمة وسط حرائقها وحرائق الآخرين، تفتّش عن أشياء اخرى بلون الجمر او لون النساء او لون الحرية..وهذه القصائد-التي قاربت معظمها-لا تخرج عن محاولات الشاعرة هادية آمنة في التماس بنية نصها الحداثي المجبول على كشوفات الرؤيا الايقاع في تركيبة تزاوج بين شكل (تقطيع) وسردية حلمية تتكرر دائما كما وجدنا ذلك في قصيدتها (راقصة القمر) التي سبق وان عرضنا لها..ان قصيدة -العشق- تظل عصية... والشاعرة تظل قاسية مأخوذة ومقموعة بالنص تلم جسدها واحزانها وتسافر غاوية وسط ايقاعات يتداعى فيها كل شيء... تخرج من ذاكرة تكتب النص كتاريخ... انها ذاكرة الآخر الذي مازال يقيم وسط الأشياء حادا وطاغيا... يكتب للآتين في موكب الآتي الجليل... ولعل هذه جدوى أخرى تضاف لقصائد هادية آمنة التي تلتمس بصدق وجدية الخروج الى الجمال والحلم والاتساع والحرية..
على سبيل الخاتمة
إن الشاعرة هادية آمنة. وهي تسابق الزمن في ركض محموم خلف الكلمة الشعرية المشبعة بالسحر والجلال، انما نراها تحاول من خلال تشكيل شعري يصل في كثير من تكويناته الى درجة من الشفافية والعفوية، أن تحقق القدرة على التوفيق بين أداته «اللغة داخل الشعر» وبين ترويض تلك الأصوات الضاجة في داخله الذي تمارس استمرارية طقس الاحتراق. ومن هنا فهي تتموقع بين نزاعين يتطاحن فيهما الوعي واللاوعي، اليقظة والغياب،واختيارات لا حد لها،لعل من أشقها ان تختار المواصلة او النكوص،إلا ان «الدهشة الشعرية» تتغلب في الأخير على حوار المنطق العقلاني لتمسك بدفة القارب الشعري في محاولة للعبور نحو الضفاف المبتغاة..وهذا ما سيمهد السبيل الى أرض «معطاء» تليق ببذار القصيد القادم...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنان بلجيكي يستبدل الكمامة بصندوق نباتات زجاجي


.. ما الفيلم الذي ستطل من خلاله الفنانة يسرا في عيد الفطر المبا


.. كيف كان شعور الفنانية المصرية يسرا وهي تواكب المومياوات المل




.. ما هو تقييم المخرج اللبناني إيلي خليفة لمهرجان مالمو للسينما


.. عودة شريهان إلى الساحة الفنية في رمضان 2021.. الفنانة يسرا ت