الحوار المتمدن - موبايل


انتظروا إنهم سيتوحدون لقتل كل إمكانية لولادة ديسمبر جديد ولو عبر فزاعة جنينه المشوه مشروع قيس سعيد للحكم المحلي

بشير الحامدي

2019 / 9 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


في الوقت الذي كان فيه النشاط الجماهيري المستقل في أوجه عقب ترحيل الديكتاتور في 14 جانفي 2011 وفي الوقت الذي كان فيه ممكنا توجيه هذا النشاط الذي بلغ أوجه في اعتصامي القصبة 1 و2 ودفع الجماهير إلى العودة للجهات والمحليات وتأسيس هيئات للقرار ديمقراطية ومستقلة وتفكيك مؤسسات النظام ومباشرة عملية إدارة وتسيير ودفاع ذاتية شاملة لكل مناحي الحياة كانت ضرورية للبدء في تنفيذ مهمة التغيير الجذري للنظام التي عبّر عنها شعار المسار الثوري تعبيرا فصيحا بشعار الشعب يريد إسقاط النظام والمرور من مهمة يريد إلى مهمة مباشرة البناء الجديد غاب كل ذلك لتعوضه مهمة المجلس التأسيسي التي كانت صيغة كتبية متخلفة لبرالية ليسار تربّى على الترسّب في الماضي وعلى نقل التجارب التي وقعت في بقاع أخرى و أزمنة أخرى وثورات أخرى صيغة نجحت الثورة المضادة في استثمارها ومثلت لها طوق النجاة من موجة تجذر كانت ستطيح بها و بإمكانية ترميم النظام التي كانت تعمل على تفعيلها كبديل عبر حكومتي الغنوشي الأولى والثانية وعبر الهيئات الانقلابية التي أسستها وعلى رأسها هيئة بن عاشور.
ما دفعنا للعودة لهذا الفترة من التاريخ والتذكير بها هو المآلات التي انتهى إليه الصراع ضد قوى الثورة المضادة وانحصار مشروع التغيير الجذري وتلاشيه وعجز الأغلبية المعنية به عن استئنافه أو حتى فرض استقلاليتها التنظيمية والسياسية عن قوى الثورة المضادة وعن سياساتها إلى حدّ الآن.
والآن وبعد ثماني سنوات ها هي نفس القوى ترتب لطور جديد من استمرار الانقلاب ولكن في وضع يختلف كثيرا عن أوضاع 2011.
لقد تمكنت هذه القوى وعلى امتداد سنوات الانقلاب المنقضية من تفتيت مسار 17 ديسمبر وتذرير قواه وقد نحجت في ذلك أيما نجاح فلقد تمكنت من تحويل الصراع من صراع ضد النظام إلى صراع داخل النظام أي من صراع طرفاه الأغلبية التي أسقطت بن علي والأقلية الممثلة لنظامه إلى صراع داخل الأقلية التي باشرت منذ هيئة بن عاشور ترميم هذا النظام أي إلى صراع داخل منظومة الحكم المنقلبة على مسار 17 ديسمبر وتحديدا بين جناحيها الأقوى النهضة من جهة والتيار اللبرالي الحداثي من جهة أخرى.
الأقلية هذه لم تعد هي ذاتها الأقلية التي عرفناها سنتي 2011 و 2014 لقد ظهرت أقلية مشتتة متنازعة متصارعة وكما ينطبق هذا الأمر على جناحيها الأقوى النهضة والشق اللبرالي الحداثي ينطبق أيضا على معارضيهما يسارا ويمينا وهوما يؤكد فشل السياسات التي وقع ترتيبها منذ هيئة بن عاشور ويعكس كذلك الأزمة المستمر لعملية ترميم النظام ولما سمي بمسار الانتقال الديمقراطي وسياساته التي أصبحت الأغلبية تقول عنها أن سياسات بن علي أرحم منها.
لقد تجلى فشل هذه الأقلية وحسم الغالبية العظمى من الشعب في سياساتها وفي رموزها في فوز قيس سعيد بانتخابات الدور الأول من الانتخابات الرئاسية وبفوزه شبه المؤكد بالدور الثاني.
الحسم في رموز هذه الأقلية الذي يعني أولا و أخيرا الحسم في مسار الانقلاب وفي سياساته ولم تصنعه دوائر أجنبية ولم تصنعه مجموعات مرتبطة بهذه الدوائر ولم يأت من الفضاء السيبيري وتآمر المتحكمين فيه كما يدعي رافع الطبيب بل جاء من أغلبية في الداخل مشكلة في جزء كبير منها من الذين قاطعوا الانتخابات لأسباب سياسية ومن الذين لم يذهبوا إليها أصلا لأسباب متعددة ومن جزء آخر من الجماهير شكلت وعيه إخفاقات سياسات الانتقال الديمقراطي وأوضاعه التي في الحضيض جراء هذه السياسات والذي رأى في الانتخابات الرئاسية إمكانية لتغيير هذه الأوضاع جمهور انخرط في اللعبة الانتخابية لا من موقع الأيديولوجيا ولا من موقع الحزب ولا من موقع الطبقة ولم يكن اختياره مبنيا لا على فهم ووعي بمشروع بديل ولا على وعي حسم في النظام الذي ينتج البؤس والجوع والإقصاء بل على وعي حدوده رفض رموز المنظومة وبحث عن تغيير كيفما كان أي بذلك المنطق الذي نعرفه جميعا والمترسب في وعيينا الجمعي والذي كثيرا ما ننساق إليه عندما تنسدّ الآفاق ويصير الحاضر أشبه بالكارثة والذي يعبر عنه المثل الدارج " تبديل السروج فيه راحة"
كذلك فاختيار قيس سعيد من قبل أغلبية المصوتين في الدور الأول للانتخابات الرئاسية لا يعكس لا من قريب ولا من بعيد أن هذه الكتلة الجماهيرية هي كتلة Antisystème فالمشروع الذي صوتت له هو مشروع في أصله مشروع ضبابي ومشروع محكوم بتناقضاته الخاصة حيث يطرح تغيير منظومة الحكم ولو في جانبها التشريعي باعتماد آليات المنظومة نفسها وقوانينها نفسها وعبر مؤسسة محكومة بعجزها الموضوعي عن قيادة وتنفيذ أي تغيير بحكم صلاحياتها المحدودة بالدستور الذي يرى صاحب المشروع فسه أن لا إمكانية للتغيير من خارجه.
لا يعكس مشروع قيس سعيد ولا كذلك وعي من صوتوا له إمكانية حقيقية للتغيير فأقصى ما يمكن أن يحدثه هو أنه سيعمق التناقض بين مؤسستي الحكم المؤسسة التشريعية والحكومة من جهة ومؤسسة الرئاسة من جهة أخرى ومثل هذا التناقض ليس بجديد عن منظومة حكم الانقلاب فقد وقفنا على مظهر منه أثناء تولي منصف المرزوقي كرسي الرئاسة كما لمسناه وبأقل حدة في العام الأخير من حكم الباجي قايد السبسي وهو مظهر سيستمر باستمرار هذه المنظومة ولا أعتقد أنه سيكون مؤثرا كثيرا على استمراريتها باعتبار أن الحكم والسياسات التي سيقع تنفيذها قراراها بيد المؤسسة التشريعية والحكومة فالحكم في البرلمان كما يردد راشد الغنوشي دائما والبرلمان لن يكون لا بيد قيس سعيد ولا بيد بعض المجموعات وتحديدا المجموعات السلفية التي تدعمه من منطق سواء الدفع لتعفين الأوضاع أو لمجرد الاستحواذ على نسبة من الأصوات التي انتخبته في الدور الأول فالانتخابات التشريعية التي لا حضور لقيس سعيد فيها عبر الكتلة التي انتخبته ستنتج وهذا في مطلق الأحوال ولا مجال لحصول مفاجاءات فيها كما كان في الدور الأول للرئاسية كتلا برلمانية أغلبية لحزب النهضة ولحزب نبيل القروي ولشتات أحزاب الشق اللبرالي الحداثي ولعيش تونسي ولأقليات مثل حزب عبير موسى وحزب محمد عبو وحركة الشعب ومجموعات سيف مخلوف وهي في النهاية كتل ستعكس التشتت والصراع الذي دخلت به هذه القوى هذه الانتخابات ولكن ذلك لن يمنع حصول وفاق بين هذه الكتل التي ستحصل على أكبر تمثيلية وفاق سيكون مفروضا عليها لأنه ليس بمقدور أي كتلة منها الحكم بمفردها.
ستسعى حركة النهضة لقيادة هذا الوفاق ولكن ذلك لن يكون كما شأن وفاق 2014 مع السبسي بل مع ورثاء عديدون له ولكن هذه المرة وفاق سيقصى مؤسسة الرئاسة وسيكون هدفه تحجيمها وتحجيم أدوارها واسقاط كل مبادراتها أي وفاق ستمليه عليهم حاجتهم جميعا لتقاسم النفوذ والاستمرار في سياسة الانتقال الديمقراطي وقتل كل إمكانية لولادة ديسمبر جديد ولو عبر فزاعة جنينه المشوه مشروع قيس سعيد للحكم المحلي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليبيا..إخراج المرتزقة شرط ضروري لتوحيد المؤسسة العسكرية


.. توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا أبرز التحديات | #غرفة_الأخبا


.. بايدن: رفع طهران التخصيب إلى 60% لا يسهم بإنهاء الأزمة




.. الصين: تايوان وشينغيانغ من الشؤون الداخلية ولا ينبغي التدخل


.. سوريا..ترقب لردود الفعل الحكومية والمعارضة بشأن وثيقة الدستو