الحوار المتمدن - موبايل


في التحليل البنيوي للأدب

حكمت الحاج

2019 / 10 / 3
الادب والفن


بقلم: أمبرتو إيكو
ترجمها عن الإنكليزية: حكمت الحاج
-------------------
سأحدّد هنا ما أنا مدين به للنقد الأنكلوأمريكي، لكن قبل ذلك هنالك نقطتان ينبغي عليّ توضيحهما بعجالة:
النقطة الأولى هي إنّني لست ناقدا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، فأنا أكاديمي فيلسوف وعالم جمال. أمّا مجال اهتمامي الشخصي فهو تاريخ الشعر. وإنّي لا أشعر حقا أنّ علم الجمال اليوم ينبغي عليه أن يبدأ بدراسة المفاهيم الفنية الشائعة والحركات الفنية في أصقاع مختلفة، ولفترات مختلفة.
غالبا ما يستطيع المعنيون بـ (علم الشعر) أو [الشعرية] الإشارة إلى أية مستندات واضحة، وعليهم أن يقوموا بإرساء الظواهر الشعرية المنبثة في أعمال كاتب مبدع ما، وذلك عن طريق دراسة بنية العمل والتعرّف على مقاصد النشاط جميعها. وبهذه الطريقة يصبح البحث في علم الشعر يساوي التحليل المختبري للأعمال. وليس المهم هنا التفرقة بين ما هو جميل وما هو قبيح في تلك الأعمال من أجل تعزيز ما هو مشروع منها، بل المهم هو وصف النماذج البنيوية للعمل، وبهذا المعنى يمكن أن نعدّ دراسة العناصر المتّصلة بفن الشعر نوعا من النشاط النقدي، كما يمكن استخدام نتائجها على أنّها إسهام في الفهم النقدي لعمل ما، أو لكاتب ما.
تحتل العناصر الشعرية هذه الأيام مكانا فائق الأهمية في العمل الفني. وإذا ما ابتدأنا بمقولة (الشعر للشعر) وهي من التقاليد الرومنطيقية المعطلة، فإنّنا سنتقدّم إلى أعمال معقدة يبدو أنّها فعلا تتّحد بالنظرية التي تنتجها (رواية يقظة فينيغان لجيمس جويس مثلا) لذا فإنّ سؤالا مثل هذا سيفرض علينا مهما كان متناقضا أو شديد الافتراضية ما يلي: هل نحن حقا نسرع نحو النقطة التي يصبح فيها البحث في علم الشعر هو الأسلوب الوحيد الممكن للنقد الأدبي؟
النقطة الثانية: هي إنّني قد قمت بدراسة مطولة في منجز (جيمس جويس) الأدبي فخصصت له نصف كتابي -Opera Aperta- "العمل المفتوح"، وأستطيع أن أقرن بسهولة واقعة صلتي بالنقد الأنكلوأمريكي باهتماماتي الشخصية، وذلك لأنّه كان من الطبيعي في حالة مثل حالتي أن أشير إلى مؤلفين من شاكلة: ليفين، ولسون، غلبرت، باوند، إليوت، لكني عندما أنظر ورائي إلى سنوات تكويني الأولى، أبدأ في التساؤل عما إذا كان جيمس جويس هو الذي قادني إلى هؤلاء النقاد، أو أنّ قراءتي لهم وللنقد الأنكلوأمريكي بشكل عام هي التي قادتني إلى جويس؟
إنّني أتحدّث بطبيعة الحال عن تكويني الشخصي الخاص، ولست أنوي تقديم نفسي كأنموذج، بيد أنّي أظنّ أنّه باستطاعتي القول أنّ اهتماما مشابها بالنقد الأنكلوأمريكي منتشر بين كثير من أبناء جيلي. لقد ترعرع ذوقي في أعوام ما بعد الحرب في فترة كان فيها كثير من المثقفين الإيطاليين يقاومون وبقوة ضد فعل الديكتاتورية الثقافية الحقيقية لـ (بنديته كروتشه) ولا أقصد بهذا بالطبع الإشارة إلى الدور الذي لعبته فلسفة (كروتشه) في نشر أفكار الحرية تحت حكم الفاشية، وإنّما أقصد أنّه كانت هناك محاولات في مجال (الفلسفة النقدية) توفّر وتطوّر بذرات معينة من المعارضة للمثالية التي روجتها مجموعات منعزلة على مدى الخمس عشرة سنة السابقة على ذلك، من الوجودية إلى الشخصانية المسيحية، ومن المادية إلى الوضعية الجديدة والماركسية..
كان ذلك ما اضطررنا إلى أن نعقد الصلة بالمدارس والاتجاهات الفكرية التي كانت تعارض المثالية وتخالفها. وقد حصل ذلك عبر معارك حية غالبا ما يتم الولوغ فيها ولكنها بالرغم من ذلك كانت مفهومة. وقد وجد الكثير من أبناء جيلي أنّ مجال الثقافة الإنكلوأمريكية يوفر أرضا خصبة لكي ترتادها تماما مثلما وجدت الأجيال التي سبقتنا الشيء نفسه في الثقافة الألمانية. ويحضرني الآن بشكل خاص الفيلسوف (جون ديوي) في جانب الاتجاهات الوضعية الجديدة، ومدارس الدراسات اللغوية من جانب آخر. وكان يوجد في الوقت نفسه التقدير الجديد للمناهج الاجتماعية التي غالبا ما كانت تطبق في تفسير الظواهر الفنية (ولا مديح هنا لتأثيرات الماركسية لأنّ ذلك هو الذي شجع الصلات الوثقى ما بين الظواهر الثقافية ومثيلاتها الاجتماعية والاقتصادية)..
لقد كان ذلك حتما، نهجا لتطبيق اختبارات عملية أكثر تحديدا، ومصطلحات أكثر دقة، على وجهات نظر ثقافية وعلى تقاليد فكرية مستمدّة من الفلسفة المثالية وفعاليتها. وإذا كان كثير منا قد شعر بأنّ المسألة قد حسمت فإنّ هذا لم يكن يعني أن هيمنة (كروتشه) قد تم التصدي لها كلية، وإنّي لا أظنّ أنّه في منهج تفكيرنا في الأمور تبقى مجموعة نظم معينة تميز أبحاثنا بوصفها عناصر دائمية حتى وإن تمّ ذلك في رعاية الإيديولوجيا الجديدة.
لقد بقي شيء يعود إلى (كروتشه) في مجال رؤيتي الخاصة. فمن وجهة نظري مثلا أنّه حتى عندما يكون موضوع المحادثة شكلا فنيا كالرواية، تبقى المقاصد النهائية لعلم الجمال (الأستاطيقيا) في وضع يسمح لها بتبيان أنظمة قادرة على تفسير ظاهرة (الفن) كظاهرة لذاتها. وهنا استدرك قائلا أنّني أرى إلى هذا بصفته المرحلة الأخيرة التي أضع قبلها مادة الدرس المحددة على أساس بعض الحقائق التي وصفها (كروتشه) بأنّها أقل أهمية.
والآن، أين نشعر بأنّ (كروتشه) قد أخفق؟
إنّنا نشعر بذلك فيما يلي:
1) تجاهل الفروقات التاريخية والعلمية بين الأجناس الأدبية المختلفة والأنواع البلاغية الخاصة بها وموضوعاتها الاجتماعية.
2) إخفاقه في الاهتمام بمشاكل التقنية الفنية (وهذا عائد إلى أنّ البناء المحسوس للعمل الفني عنده عديم الصلة بالاكتفاء الذاتي بالأصل الشعري المتّصل به)
3) زيادة التأكيد على الوظيفة التي تقوم بها العاطفة والخيال والحط من شأن العوامل المتصلة بالذكاء والمعلومات الحسابية والمعلومات الفنية التي هي جزء من طرائقية الفنان في العمل وينبغي أيضا أن تكون جزءا من تربية الناقد.
4) حصر المنهج النقدي في الفصل بين ما هو شعري وما هو غير شعري، وتعريف كل شيء عدا ذلك بأنّه بنيان لا ضرورة له وعدّه (مهملا).
إنّ ما هو مهم في (الكوميديا الإلهية) على العكس من ذلك هو بالضبط هذه الأشياء (المهملة) بالتحديد -لأنّ البناء الديني والتقاليدي الذي يحدّد أهمية أية (أسطورة) فنية من هذا النوع ومستوى شخوصها ومفاهيمها في العصر الوسيط- يقف دالة على تقاليد تاريخية كاملة وعلى ثقافة كاملة. وقد سار أتباع (كروتشه) على خطاه فنزلوا بـ (دانتي) إلى مجرد لمحات شعرية مضيئة ولحظات غنائية محض، وكان فعلنا المضاد هو أن نقصر أنفسنا على تاريخ "الشعرية" والبحث عن المفهومات المنوعة للفن التي تكون الحاجة الماسة إليها لإدراك مجمل القيم الإبداعية للعمل، ولو أنّه سيحكم عليها بالضرورة على أساس روح عصرنا نحن.
لقد كانت هذه كلها عوامل جعلتني أنجذب إلى مناخات كثيرة في النقد الأنكلوأمريكي فقد أخذت فيما يتصل بقضية التقنية كثيرا من الأفكار من هؤلاء الكتاب الذين ساعدوني على تحليل اللغة الشعرية بوصفها وسيلة اتصال، وأعني بذلك المدارس المتنوعة في علم المعاني، وبخاصة أ.أ. ريتشاردز وفي تحليل نماذج التوصيل وتأثيرها من كتاب (تقرير مضاد) لـ (كينيث بيرك) وفي التقصي عن الأسباب عند (تشارلز موريس).
والآن، حينما أعيد النظر في (الأجناس الأدبية) وأشكالها الفنية وتطوراتها التاريخية أقول إنّني قد تعلمت كثيرا من التصور الأنكلوأمريكي للحبكة في الرواية والمسرحية (وترد في الذهن هنا أسماء مثل فرانسيس فيركون، وارن بيتي، مارك سكورير، جوزف فرانك، كما ترد بالطبع أسماء كل هؤلاء الذين بحثوا في البناء القصصي عند جويس) وأستطيع أن ألاحظ لدى كل هؤلاء حسا يميل إلى وجهة نظر أرسطية، وإلى نوع من التحليل البنياني البلاغي الذي عثرت على مثال مبكر له في كتاب (فلسفة في النظم) لـ (إدغار ألان– بو) ويبدو لي أن الأستاذ الأول في التحليل البنياني للحبكة الفنية هو (أرسطو)، فقد ميز بشكل بارع تماما نوعا من جنس أدبي خاص قادر على توصيل العاطفة الخاصة، ذلكم هو (الكاثارسيس) أو (التطهير المأساوي)، ومع ذلك فهو لم يقم بأية محاولة لتبيان الأسباب العميقة لهذه العاطفة وتلك الأسباب التي فقدت في مكان ما، بين فولكلور حوض البحر الأبيض المتوسط وشعائر ديونيزوس والطب اليوناني.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسامير جليدية هاربة من الأفلام!


.. «القفاص» يقتحم عالم السينما في فيلم «هوى»


.. انفصال ثنائي -دافت بانك- رواد اللمسة الفرنسية في عالم الموسي




.. المخرجة بتول عرفة تكشف الكواليس الخفية وراء جمعها بين هانى ش


.. أول ظهور للفنانة عبير بيبرس بالحجاب:-مقتلتش حد-