الحوار المتمدن - موبايل


-وطن قومي يهودي- ... في بلاد الرافدين

خالد الحروب

2019 / 10 / 6
مواضيع وابحاث سياسية




ارسلت الجمعية اليهودية الاستعمارية Jewish Colonization Association بعثة دراسة ميدانية إلى العراق سنة 1909 لجمع المعلومات والتعرف على البيئة المحلية ورفع تقريرها للجمعية لمواصلة نقاش فكرة اقامة وطن قومي لليهود في بلاد الرافدين. وصلت البعثة إلى العراق ومكثت فيه اكثر من نصف سنة ما بين نوفمبر 1909 ويونيو 1910، وخلال هذه الاشهر الطويلة درست كل ما له علاقة بالعراق من ناحية المصادر الطبيعية والمناخ والزراعة والمياه وخصوبة التربة والسكان وإمكانيات استقبال مئات المهاجرين اليهود من روسيا تحديدا في ذلك الوقت، ثم من سائر البلدان الاوروبية والعالم. المخطط الاولي كان يتضمن ترحيل مائة الف يهودي من اوكرانيا إلى العراق، يمثلون بداية لمشروع استيطاني كبير يوفر كياناً ليهود اوروبا.
كانت بلاد الرافدين قد اصبحت من وقت مبكر على رأس المناطق والبلدان التي رشحتها الصهيونية بإعتبارها جغرافية مفتوحة وتحتوي على عوامل مشجعة لإقامة وطن قومي لليهود. إلى جانب العراق اختبرت الصهيونية عبر بعثات ميدانية او مفاوضات مع الدول الكبرى والاستعمارية عدة احتمالات اهمها: منطقة العريش في سيناء، الجزء الشرقي من ليبيا، جزء من شرق افريقيا (عُرف بإسم "مقترح اوغندا")، اجزاء من كندا، اجزاء من استراليا، قبرص، اجزاء من الارجنتين، اجزاء من انغولا، وطبعا فلسطين. لكن فلسطين لم تكن الخيار الاول في التفكير الصهيوني المبكر الذي طرحه ليون بنسكر المؤسس الحقيقي للفكرة الصهيونية، قبل ثيودور هرتسل، في كتابه "الانعتاق الذاتي" سنة 1882. بنسكر ركز على ان "عبقرية" الشعب اليهودي اهم من الجغرافية التي من الممكن ان يقيم عليها دولته، ولهذا يمكن ان تبقى فلسطين القبلة الروحية لليهود لكن لا تصلح لان تكون وطنا لهم لأنها تحت سيطرة قوى اخرى. حتى هرتسل نفسه في كتابه "الدولة اليهودية" كان مترددا بين فلسطين والارجنتين كإحتمالين لإقامة الوطن القومي لليهود فيهما. وقد استمر التشتت والشد والجذب داخل الحركة الصهيونية بين مقترح فلسطين والمقترحات الاخرى لأزيد من عقدين، ولم يُحسم بشكل شبه نهائي إلا مع صدور التصريح الشهير والمشؤوم لوزير الخارجية البريطاني آثر بلفور عام 1917، والذي حدد موقفا بريطانيا رسميا مؤيدا لفكرة هجرة اليهود الى فلسطين ولاحقا الاستيلاء عليها.
فكرة إقامة وطن قومي لليهود في بلاد الرافدين، او في Aram Naharaim وهو التعبير التوراتي الذي درج استخدامه آنذاك في المراسلات الصهونية والنقاشات، برزت لأول مرة في اواخر سنة 1899 خلال لقاء بين السفير الامريكي في استانبول (اوسكار شتراوس، يهودي الديانة) وثيودور هرتسل. وبقيت تلك الفكرة على الاجندة الصهيونية وتقدمت على كثير من المقترحات الاخرى بسبب القرب الجغرافي للعراق مع فلسطين، ونظرا للبعد الديني ايضا بكون العراق اصل الديانة الابراهيمية والمكان الذي انطق منه ابراهيم إلى فلسطين. وكان احد اهم المتحمسين لفكرة استعمار بلاد ما بين النهرين من قبل يهود العالم الصهيوني الشهير يسرائيل زانغويل مؤسس وزعيم ما كان يعرف بالمنظمة اليهودية الاقليمية (او التوطينية) Jewish Territorial Organization. وكان زانغويل ومنظمته على خلاف مع تيار المنظمة الصهيونية الذي ركز كل جهوده على فلسطين، واعتبر زانغويل ان الضرورة العملية وانقاذ يهود اوروبا وروسيا من الاضطهاد يجب ان يدفع الحركة الصهيونية للبحث عن بديل لفلسطين حتى لو كان مؤقتا، وليس افضل ولا اقرب من العراق. بل إن زانغويل اعتبر ان تعبير "بلاد الرافدين" يشمل جغرافية المنطقة الواقعة بين فلسطين ونهر دجلة، وبالتالي فإن إقامة وطن لليهود في طرف من تلك المنطقة سوف يتيح التطور والتوسع تدريجياً بإتجاه فلسطين. لكن حتى داخل "المنظمة الصهيونية نفسها والتي اختلف معه زانغويل كانت هناك قناعة كبيرة بفكرة استيطان العراق من قبل اليهود، وكان الرجل الثالث في المنظمة، وهو اوتو واربيرغ احد اهم القيادات التي روجت واشتغلت على هذه الفكرة. وتفاوض مع مهندسين زارعيين ومساحين لدراسة الارض ميدانياً.
امتلك زانغويل تأثيرا كبيرا سواء داخل الحركة الصهيونية او خارجها، كما تمتع بشبكة علاقات دولية قوية حتى داخل الدولة العثمانية. وجاء من خلفية يهودية ارثوذكسية لأب روسي وام بولندية هاجرا إلى بريطانيا. وفي لندن بزغ اسمه ككاتب كوميدي ناجح وفرض نفسه في دوائر الثقافة والاعلام والسياسة. وقد تبنى نظرة استعمارية واستعلائية تجاه الشعوب الاخرى ولم يكن يتردد في استخدام اوصاف عنصرية إزاء السكان المحليين الذي يتواجدون في البلدان والمناطق التي كانت منظمته تدرسها كجهات محتملة لإقامة الدولة اليهودية عليها. وبالنسبة له فإن الحل الحاسم لأي سكان اصليين قد يعيقون مشروع هجرة اليهود ودولتهم هو الترحيل القسري وبالقوة. ولم يكن يؤمن بالإبقاء حتى على اية اقلية من السكان الاصليين ضمن المجموعة السكانية الاكبر التي يجب ان تكون يهودية صرفة.
وحول سكان العراق ومآلاتهم والنظرة إليهم في حال أقيمت الدولة اليهودية هناك كانت افكار زانغويل تعج بالعنصرية والاحتقار وعدم اللامبالاة. وفي صيف 1909 وقف خطيبا في مدينة ليدز البريطانية وسط انصاره ليقول: "...انتم تعلمون ان المنظمة اليهودية الاقليمية قد اختارت بلاد الرافدين كي ينظر فيها الشعب اليهودي كخيار اول. ما هي بلاد الرافدين هذه؟ انها جزء مهمل من الامبرطورية التركية ليس فيه الا عدد قليل من المدن والسكان، بعضهم استوطن سلميا لكن الغالبية بدو متنقلين متوحشين ويخضعون للسيطرة التركية اسمياً فقط ... انها ارض غير مأهولة ... لا تسوى شيئا في السوق! ومن الذي سيحرث ارض بلاد الرافدين (ميزوبوتاميا)؟ من الذي سيبني سكك القطارات، والاهم من الذي سيركبها؟ هل سيركبها الاكراد والبدو؟ هل سيقوم هؤلاء ببيع خيولهم العربية ويستقرون في المزارع؟". عبر زانغويل عن النظرة الاحتقارية الاستشراقية والكولونيالية التي استبطنتها الصهيونية بشقيها حين تحدثت عن الشعوب والجماعات خارج سياق "الاسياد الاوروبين" المتسيدين. وقد اعتبر الزعماء الصهاينة انفسهم وحركتهم جزءا من الحضارة الاوروبية التي لها الحق ان تستعمر حيث شاءت على وجه الارض من دون اي اعتبار لشعوب البلدان التي تُستغل وتُستعمر. ويذكر هنا ان هرتسل نفسه كان التمثيل الاهم لهذا الاستبطان الكولونيالي في التفكير الصهيوني، وكان قد سجل بوضوح في كتابه "الدولة اليهودية" (1896) بأن بناء دولة يهودية في فلسطين سوف يمثل "جزءاً من الجدار الحامي لاوروبا في آسيا، وقاعدة امامية للحضارة في وجه البربرية"!
الامر المهم ايراده هنا هو ان يهود العراق وبغداد رفضوا بشده المقترحات الصهيونية بجلب يهود اوروبا إلى العراق. وقد عبر عن هذا الرفض حاهام يحزكيل احد قادة ووجهاء يهود بغداد وعضو الوفد البرلماني التركي الذي توجه الى انكلترا وفرنسا في تلك السنوات. وفي هذه الزيارة صرح يحزكيل بوضوح ان الحكومة التركية ويهود العراق لا يقبلون الفكرة الصهيونية بجلب يهود اوروبا الى بلدهم. وان هذا الرفض ينسجم مع هويته وهويتهم، فهو يرى نفسه يهودي الديانة، عربي الثقافة، عراقي القومية، وبالتالي فإن اليهودية من هذا المنظور لا تتعارض مع العروبة.

بعد صدور وعد بلفور حُسم النقاش داخل الحركة الصهيونية بشقيها، المتوجه نحو فلسطين حصريا، والمتوجه نحو مناطق اخرى عموما. وفي إثر ذلك اغلقت ملفات المقترحات المتعددة لبناء كيان يهودي عليها، بما في ذلك مُقترح العراق. لكن العراق ظل دائما (وحتى الآن) في دائرة الهدف الصهيونية، حيث اعيد فتح ملف العراق من قبل الصهيونية الاقليمية (التوطينية) بعد ان وحدت جهودها من الشق الثاني من الصهيونية وتحول تركيزها الكلي نحو فلسطين. وإعادة فتح الملف هذه المرة كانت بهدف معالجة احدى المعضلات الاساسية التي تواجه الصهيونية في فلسطين، وهي وجود شعب متجذر فيها ولا يمكن تجاوزه. فكان الحل الذي عرضه زانغويل هو ترحيل الفلسطينيين إلى بلاد الرافدين وبالتالي افراغ الارض وتجهيزها لتستقبل غالبية يهودية من اوروبا. وجادل زانغويل بأن هذا الترحيل هو افضل بكثير من العيش في احتكاك وصراع متبادل مدى الحياة، وهو بمثابة إحداث ألم كبير مرة واحدة بدلا من الالام متواصلة، تماما مثل "خلع الضرس المؤلم"، الذي يزيل الألم مرة واحدة.


-








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا بعد إطلاق صواريخ من لبنان على إسرائيل وهل نحن مقبلون عل


.. تحليل لتداعيات التوغل الإسرائيلي في غزة والمواقف الدولية


.. إسرائيل - غزة: ترحيب أمريكي بمساعي مصر وتونس والجهود الدولية




.. ما هي استراتيجية إسرائيل العسكرية في غزة؟


.. رغم المواجهات.. عروسان فلسطينيان يحتفلان بزفافهما بالقدس