الحوار المتمدن - موبايل


تشريح الركود القادم

علي عامر

2019 / 10 / 6
العولمة وتطورات العالم المعاصر


تشريح الركود القادم

تنبع أهميّة تعريب هذا المقال، من أهميّة كاتبه السيّد نورييل روبيني، الذي اشتهر بتنبؤه الدقيق بالأزمة الماليّة العالميّة-2008، حيث نجح إلى حد كبير في التنبؤ بالقطاعات التي ستندلع منها، وتسلسل أحداثها، ونتائجها على صعيد السوق والاقتصاد العالميين. فرغم الاختلاف مع منهجه نرى ضرورة تعريف الباحث والاقتصادي العربي بكتاباته.
تعرّض روبيني لموجة عالية من الهجوم والانتقاد إثر نشر تنبؤاته بالأزمة، شنّتها دوائر رأسماليّة كبرى، وصفته بداعية الهلاك والدمار، ولكن بعد أن ظهر صواب توقعاته، اختلفت النظرة له.
في هذا المقال يحاول روبيني، تشريح الركود القادم، إذ يتنبأ بركود عالمي خطير في عام 2020، عارضاً لأسبابه المحتملة والسيناريوهات المختلفة، كما يقدّم بعض التوجيهات والارشادات لصنّاع سياسات الاقتصاد الكلّي للتخفيف من آثاره.

تعريب: علي عامر
رابط المقال الأصلي
https://www.project-syndicate.org/commentary/global-recession-us-china-trade-war-by-nouriel-roubini-2019-08

تاريخ النشر الأصلي: ،٢٢آب، 2019
الكاتب: نورييل روبيني

خلافاً للأزمة الماليّة العالميّة- 2008، والتي كانت في معظمها صدمة طلب كلّي سالب كبير، فإنّ الركود القادم على الأرجح سيكون بسبب صدمات عرض كلّي سالب ودائم، نابعة من التجارة الأمريكيّة الصينيّة وحرب التكنولوجيا. أمّا محاولة التراجع عن الأضرار من خلال تحفيز مالي ونقدي مفتوح وبدون نهايةف لن تكون خياراً.
نيويورك_ هناك ثلاثة صدمات عرض كلّي سالب من الممكن أن تستدعي ركوداً عالميّاً في 2020. جميعهنّ تعكسن عوامل سياسيّة تؤثّر على العلاقات الدوليّة، اثنتين منهما تقع العلاقة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكيّة في مركزهما. أضف إلى ذلك، أنّ أيّاً منهنّ تصلح معها الأدوات التقليديّة لسياسات الاقتصاد الكلّي لمواجهة للتقلّبات.
تنبع الصدمة المحتملة الأولى من الحرب بين الصين والولايات المتحدة على التجارة والعملات، التي تفاقمت في الشهر الحالي، إذ هددت إدارة الرئيس الأمريكي ترمب بإضافة تعاريف جديدة على الصادرات الصينيّة، ووصمت الصين بشكل رسمي على أنّها متلاعبة عملات. أمّا الصدمة الثانية فتنبع من الحرب الباردة على التكنولوجيا التي تختمر ببطء بين الصين والولايات المتحدة. في تنافس يحمل جميع ملامح "مصيدة ثوسيديس،" حيث تتنافس الصين والولايات المتحدّة للهيمنة على الصناعات المستقبليّة: الذكاء الصناعي والروبوتات وتكنولوجيا الجيل الخامس وغيرها. كما أدرجت الولايات المتحدة عملاق تكنولوجيا الاتصالات الصيني (هواوي) في "لائحة الشركات،" وهي لائحة تضم الشركات الأجنبيّة التي تمثّل تهديداً قوميّاً على الولايات المتحدة. وعلى الرغم من حصول هواوي على بعض الإعفاءات المؤقتة التي تخوّلها الاستمرار باستخدام المكوّنات الأمريكيّة، إلّا أنّ إدارة ترمب أعنلت الشروع في إدراج 46 من الشركات التابعة لهواوي في اللائحة.
أمّا الخطر الرئيسي الثالث فيتعلّق بموارد النفط. رغم أنّ أسعار النفط انخفضت خلال الأسابيع المنصرمة، ورغم أثر الركود الذي تحفّزه التجارة وحرب العملات والتكنولوجيا على تثبيط الطلب على الطاقة وبالتالي تخفيض أسعارها، إلّا أنّ مواجهة الولايات المتحدة لإيران ممكن أن تأتي بثمار معاكسة. ففي حال تصاعد هذا الصراع إلى العسكرة، من المرجّح ارتفاع أسعار النفط العالميّة وصولاً إلى الركود العالمي، كما حصل جراء المواجهات الي اندلعت في الشرق الأوسط عام 1973 و1979 و1990.
كل واحدة من هذه الصدمات المحتملة الثلاث، ستقود إلى ركود تضخميّ، يرفع أسعار السلع الاستهلاكيّة المستوردة، والمدخلات الوسيطة (مدخلات العمليّات الإنتاجيّة من المواد غير الخام: من المترجم)، والمكوّنات التكنولوجيّة والطاقة، وفي نفس الوقت يخفّض الإنتاج من خلال زعزعة شبكات التوريد العالميّة. أسوأ من ذلك،ف الصراع الأمريكي الصيني بدأ فعلاً بتأجيج وتوسعة عمليّات تقويض العولمة، لأنّ الدول والشركات لا تستطيع الاعتماد أكثر على الاستقرار طويل المدى لسلاسل القيمة المتكاملة هذه. مع البلقنة المتزايدة التي تطول السلع والخدمات ورأس المال والعمالة والمعلومات والبيانات والتكنولوجيا، فإنّ كلفة الإنتاج العالمي من شأنها الارتفاع في مختلف الصناعات.
بالإضافة لكل ذلك، كلّ من الحرب على التجارة والعملات من جهة والمنافسة على التكنولوجيا من جهة ثانية ستضخم وتحفّز إحداها الأخرى. أخذاً بعين الاعتبار قضيّة هواوي، الرائد العالمي في معدّات الجيل الخامس، ستكون هذه التكنولوجيا نمط الاتصال المعياري في معظم البنى التحتيّة المدنيّة والعسكريّة، ناهيك عن السلع الاستهلاكيّة المرتبطة بعنكبتة الأشياء (ربطها بالشبكة العنكبوتيّة: من المرتجم). توفّر رقاقة الجيل الخامس، سيعني أنّ كل شيء من المحمصة إلى آلة صنع القهوة المنزليّة سيمسي جهازاً متنصّتاً. وعليه فإنّ اتساع التعاطي مع هواوي على أنّها خطر قوميّ، سيطال آلاف البضائع الاستهلاكيّة الصينيّة المصدرّة.
من السهل تصوّر كيف سيؤدي الوضع اليوم إلى انفجار على نطاق واسع في نظام التجارة العالمي المفتوح. السؤال إذن، حول استعداد صنّاع السياسات الماليّة والنقديّة لصدمة عرض سالب مستدامة وربما دائمة.
إثر صدمات الركود التضخمي في سبعينات القرن الماضي، استجاب صنّاع السياسات النقديّة بتشديد هذه السياسات بالذات. اليوم، تسعى بنوك مركزيّة عظمى مثل الاحتياطي الفدرالي الأمريكي خلف تسهيل السياسات النقديّة، لأنّ التضخم وتوقعّات التضخم ما يزالا منخفضين. ستتعاطى البنوك المركزيّة مع أي صدمة نفط على أنّها مجرّد تأثّر في مستوى السعر، بدلاً من التعاطي معها على أنّها ارتفاع مستمر في التضخم.
بمرور الوقت، تميل صدمات العرض السالب نحو التحوّل إلى صدمات طلب سالب مؤقت، التي تخفّض التضخم والنمو، من خلال تثبيط الاستهلاك والانفاق الرأسمالي. في الحقيقة، وتحت الظروف الحاليّة، الانفاق الرأسمالي الأمريكي والعالمي مثبّط على نحو خطير، نظراً للايقين حول طبيعة وشدّة وديمومة الصدمات الثلاث المحتملات.
في الحقيقة، في نفس الوقت الذي تطلق فيه شركات في الولايات المتحدة وأوروبا والصين وأجزاء أخرى من آسيا العنان للإنفاق الرأسمالي، يعاني القطاع الصناع والتكنولوجيا من كساد حقيقي. حفاظ الاستهلاك الخاص على قوّته هو السبب وراء عدم الانحدار إلى كساد عالمي. في حال تعرّض سعر السلع المستوردة لمزيد من الارتفاع كنتيجة لأيّ من صدمات العرض السالب الثلاث، فإنّ ضربة ستصيب كلّ من التضخم الحقيقي ونمو الدخل المتاح للأسرة وثقة المستهلك، ما سيساهم دفع الاقتصاد العالمي نحو الركود.
إذا ما سلّمنا باحتمال صدمة الطلب الكلي السالب على المدى القصير، فإنّ البنوك المركزيّة محقّة بتسهيل أسعار الفائدة. إلّا أنّ صنّاع السياسة الماليّة ينبغي عليهم اعداد استجابات قصيرة المدى أيضاً. انخفاض حاد في النموّ والطلب الكلي سيستدعي تسهيل مالي في مواجهة التقلّبات لمنع الركود من الانحدار إلى مستويات أكثر حديّة.
على المدى المتوسّط، لن يكون احتواء صدمات العرض السالب استجابةً مثلى، بل ستكون الاستجابة الأفضل بالتكيّف معها دون المزيد من التسهيلات. فبالنهاية، ستكون صدمات العرض السالب النابعة من حرب التجارة والتكنولوجيا أقل أو أكثر ديمومة، وكذلك سيكون انخفاض النمو المحتمل. ينطبق هذا على انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: سيحفّز الخروج من الاتحاد الأوروبي صدمة عرض سالب دائمة في المملكة المتحدة، وهذا سيخفّض النمو المحتمل بشكل دائم.
لا يمكن عكس مثل هذه الصدمات بالسياسات الماليّة والنقديّة. من الممكن إدارتها على المدى القصير، ولكن محاولات الاحتواء الدائم لها ستقود في النهاية إلى ارتفاع التضخم وتوقعات التضخم إلى مستويات أعلى من أهداف البنوك المركزيّة. في سبعينات القرن الماضي، احتوت البنوك المركزيّة صدمتي نفط كبيرتين. أدّى ذلك إلى ارتفاع مستمر في التضخم وتوقعات التضخم، وعجوز ماليّة غير مستدامة، وتراكم في الدين العام.
في النهاية، هناك فرق مهم بين الأزمة المالية العالمية-٢٠٠٨ وصدمات العرض السالب التي من الممكن أن تضرب الاقتصاد العالمي اليوم. فالأولى كانت في معظمها صدمة طلب كلي ضخمة، ثبطت النمو والتضخم، وجوبهت بتحفيز مالي ونقدي سليم. ولكن الآن، سيواجه العالم صدمات عرض سالب مستدامة، تتطلّب أنماطاً مختلفةً من الاستجابات السياساتيّة على المدى المتوسّط. فمحاولة العودة عن الأضرار من خلال تحفيز مالي ونقدي دائم، ليست خياراً منطقيّاً.
نورييل روديني، بروفيسور في جامعة نيويورك-كليّة ستيرن للأعمال، ومدير تنفيذي لشركات روبيني ماكر، كان كبيراً للاقتصاديين للشؤون الدولية في مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، خلال ولاية كلينتون. عمل لصالح صندوق النقد الدولي، والاحتياطي الفدرالي الأمريكين والبنك الدولي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما هو السؤال المحرج الذي أجاب عليه حسام زكي؟ | #مع_جيزال


.. موجز الأخبار - الحادية عشر صباحا 19/4/2021


.. هل من الممكن التوصل إلى اتفاق حول النووي الإيراني؟




.. سدّ النهضة.. الملء الثاني والخيارات المتبقية | #غرفة_الأخبار


.. كيف يعيش مسلمو ألاسكا أجواء شهر رمضان؟