الحوار المتمدن - موبايل


-وطن قومي يهودي- ... في (سورية) وقبرص

خالد الحروب

2019 / 11 / 1
القضية الفلسطينية


اكتوبر 2019

ضمن بحثها المحموم عن اراض تستعمرها وترحل إليها يهود اوروبا، وضعت المنظمات اليهودية الاوروبية وعلى رأسها البريطانية جزيرة قبرص كأحد الجهات المغرية والمحتملة. بدأت تلك المحاولات مباشرة بعد معاهدة برلين بين القوى الاوروبية والسلطنة العثمانية سنة 1878 في اعقاب نهاية الحرب العثمانية الروسية، والتي كان من ضمنها انتقال قبرص إلى السيطرة البريطانية. المثير في فكرة الاستيطان اليهودي في قبرص ان بعضها انطلق من فلسطين وتحديداً من خلال نشاط ارملة القنصل البريطاني في القدس جيمس فن، (اليزابث ـ آن فن)، في اواسط القرن التاسع عشر، والذي كان ذاته من غلاة المسيحية الصهيونية ومؤيدي جلب اليهود إلى فلسطين في اواسط القرن التاسع عشر (اي قبل تبلور المشروع الصهيوني بشكله السياسي والايديولوجي على نحو نصف قرن تقريبا). وقد تواصل الوجود اليهودي الاستيطاني في قبرص من أنويته الاولى وظل في مد وجزر إلى سنة 1939، وإن كان قد ضعف تدريجياً ومعه فقدت فكرة الاستيطان في الجزيرة بريقها والمتحمسين لها بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى وسقوط فلسطين في ايدي بريطانيا وفتح ابواب "ارض الميعاد" ليهود العالم.

قام مشروع تهجير اليهود إلى فلسطين على ثلاث روافع اساسية خلال نصف القرن الحاسم الذي توزع على الربع الاخير من القرن التاسع عشر والربع الاول من القرن العشرين. اولها، اندفاعة المسيحية الصهيونية (ومنظمات الالفيات) التي آمنت بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين كشرط لظهور المسيح، واهمها كانت بريطانية مثل
Millenarian British Association
ومرة اخرى سبقت هذه المنظمات كل التفكير الصهيوني السياسي إزاء فكرة توطين اليهود في فلسطين. والرافعة الثانية كانت انتشار السامية في اوروبا والرغبة المعلنة او الدفينة لدى الدول الغربية للتخلص من "المسألة اليهودية" وايجاد حل لها خارج الفضاء الاوروبي، بمسوغات ودعاوى مساعدة اليهود. حكومات ونخب روسيا والمانيا وكثير من الدول الاوروبية الشرقية كانت تستقبل اي فكرة حول تهجير اليهود إلى خارج القارة بحماس معلن او خفي، لأن ذلك يخلصها من اليهود ومن اللاسامية التي تعصف وتُتهم به. بالتوازي مع ذلك، كانت بلدان اوروبا الغربية مثل بريطانيا وفرنسا (مُضافا إليها الولايات المتحدة) حيث كمنت مشاعر العداء للسامية تحت سطح الدعاوى الليبرالية والحداثة ولم تكن ظاهرة ومباشرة، تخشى من هجرات اليهود المتتالية القادمة من روسيا واوروبا الشرقية ولاحقاً المانيا. وهكذا تلاقت رغبات الدول الاوروبية (شرقها وغربها) إزاء فكرة "التخلص" من يهود القارة بشكل او بآخر، والتسابق في تأييد المقترحات التي تبرز هنا وهناك، وتقديم المساعدة لها واخراجها على شكل تعاطف مع اليهود. الرافعة الثالثة هي النظرة الكولونيالية والامبريالية لأي استيطان او كيان يهودي في البلدان والمناطق المُستعمرة على انه اداة في يد الدولة الاستعمارية المعنية المُسيطرة (وهي النظرة التي تبنتها واستبطنتها الصهيونية وقبلها معظم المشروعات الاستيطانية اليهودية ذاتها). فإن نشأ مثلاً كيان يهودي في شرق افريقيا، او في العراق، او في سيناء، او في فلسطين، يتعرف ذلك الكيان تلقائياً، ذاتيا ومن الآخرين، بكونه امتداداً كولونياليا لبريطانيا وخادماً لها بشكل مباشر وحريصا على تنفيذ مصالحها. تفيدنا النظرة الإجمالية هذه في موضعة الصهيونية ومشروعاتها في السياقات الاوسع، وتُحرر الفهم من فكرة "عبقرية الصهيونية" وقادتها و"دقة تنظيمهم وتخطيطهم". ذلك انه من دون الدور المركزي والتأسيسي لتلك السياقات الدولية والامبريالية التي وفرت وفي لحظة تاريخية فاصلة دعماً مذهلاً ومتوافقا عليه من قبل الدول الكبرى، لما امكن رؤية اي نجاح للصهيونية مهما بلغت قوتها الذاتية وتخطيطها. وفي ضوء فهم ما سبق يمكن قراءة المشروعات الاستيطانية اليهودية في العالم من زوايا اكثر شمولية، ومنها ما تناقشه هذه المقالة.

في سنة 1882 تأسس "صندوق استعمار سورية" في بريطانيا وكانت اليزابث ـ آن فن احد اهم الفاعلين فيه. ورغم ان هدف الصندوق كان تشجيع ودعم الهجرة إلى فلسطين تحديداً لكنه نشط ايضا في استقدام يهودي اوروبيين إلى سورية ثم قبرص. وفي العام الذي تلا التأسيس تمكن الصندوق وعبر دعم حثيث من نائب القنصل البريطاني في اللاذقية من شراء مساحات مُقدرة في المنطقة (التي كانت ما تزال خاضعة للحكم العثماني آنذاك)، وتم جلب اربعين عائلة يهودية إليها لزراعتها واستعمارها. لكن المشروع اليهودي في اللاذقية فشل لاسباب عديدة، وتم نقل هذه العائلات الى قبرص حيث تم جمعها مع عشرات من العائلات الاخرى التي قدمت من اوروبا، في مساحة من الارض تجاوزت 25 هكتاراً من الاراضي الزارعية الخصبة التي اشتراها الصندوق قريبا من مدينة بافوس الشاطئية في الجزيرة. وعلى وجه التحديد اقيمت في مستوطنة يهودية في منطقة المنطقة كوكليا استقبلت يهودا من روسيا ورومانيا.

بالتوازي مع ذلك الاستيطان "القبرصي" وفي نفس الفترة الزمنية وعلى إثر الصعوبات التي واجهتها المنظمات اليهودية في تملك اراض في فلسطين، توجه بعض اليهود نحو شرق الاردن وسهل حوران التي يمتد عبر جنوب البادية السورية وشمال البادية الاردنية. وقد طرحت تلك المنطقة كإحتمال ثان تتوجه اليه بعض العائلات التي فشلت في التأقلم في الساحل السوري. وفي سنة 1892 تأسست منظمة يهودية جديدة، في شيكاغو هذه المرة، اسمها شايفي صهيون هدفها الاستيطان في سورية وشرق الاردن وفي سهل حوران تحديدا. وفي وقت لاحق تواصل الاهتمام الصهيوني في سورية وتركز على الاراضي التي اشتراها اللورد البريطاني ادمون روتشيلد في سهل حوران ايضا في عشرينيات القرن العشرين بهدف توطين يهود من بريطانيا فيها. كانت سورية عمليا تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية، وقد رفض الفرنسيون فكرة جلب يهود بريطانيين الى المنطقة، مما اضطر روتشيلد للتواصل مع يهود دمشق العرب لإقناعهم بالاستيطان في حوران، كمرحلة اولى نحو فلسطين. لم يلق ذلك المُقترح آذانا صاغية لدى يهود دمشق وانتهى عملياً إلى الفشل. لكنه عاد وبرز ثانية في ثلاثينيات القرن العشرين على خلفية استقواء المنظمات الصهيونية في فلسطين وتمأسسها. وقد عمل بعض تلك المنظمات، البالماخ تحديدا، على اختراق يهود سورية وخاصة الجيل الشاب وتنظيم البعض لإعادة تنشيط فكرة الاستيطان في حوران وتحضيرها هذه المرة لاستقبال يهود روس كمحطة اولية لنقلهم إلى فلسطين. ويذكر ان قيادات اليهود السوريين وقفت بقوة ضد النشاط السري لهذه المنظمات في الاوساط الدمشقية وابلغت السلطات عن ذلك واعتقل بعض الجواسيس من تلك المنظمات. ومن المهم الإشارة هنا إلى ان اليهود الغربيين (الاشكناز البيض) لم يهتموا باليهود العرب اساساً، واعتبروها عربا ومتخلفين، ولم يتم اي تواصل جدي معهم إلى في اواخر عشرينيات القرن الماضي. وكان الاهتمام الاولي بهم وظائفيا وامنيا وبهدف تجنيدهم جواسيس في الاوساط العربية سواء في بلادنهم الاصلية او في فلسطين نظرا لإتقانهم العربية وبسبب ملامحهم الحنطية التي تساعدهم على الاندماج في اي اوساط عربية، وقد بدأ هذا الجهد التجنيدي والتخريبي مع يهود سورية ثم يهود العراق لاحقاً.

بالعودة إلى قبرص، استهوت فكرة الاستيطان في الجزيرة الجمعيات اليهودية التي ارادت تفادي فكرة استهداف فلسطين لما كان يترتب على هذه الاخيرة من اكلاف وعقبات وصدام متوقع سواء مع الحكم العثماني او العرب. وكانت قد تبلورت قناعة مبكرة عند الكثيرين منهم بأن فلسطين مأهولة بالسكان وغير صالح لهجرة اليهود اليها (كما اشارت مقالة شهيرة لأحد اهم قادة الصهيونية (الثقافية) "آحاد حاآم" الاوكراني بعد ان زار فلسطين سنة 1891. ويُذكر ان هذه التوجهات نحو مناطق غير فلسطين ظلت قوية وفاعلة في قلب التجمعات اليهودية ولاحقا في قلب الفكرة الصهيونية ذاتها، وتبلورت على شكل فاعل سياسي بعد المؤتمر الصهيوني الثالث سنة 1899، تحت اسم "المنظمة اليهودية التوطينية"
Jewish Territorial Organization
والتي اسسها وقادها اسرائيل زانغويل. لكن في نفس الوقت وإلى جانب هؤلاء، فإن التيار الرئيس الثاني داخل التجمعات اليهودية ثم في قلب الصهيونية السياسية لاحقاً تمركزت جهوده حول تهجير اليهود إلى "ارض اسرائيل"، لإعتبارات عديدة اهمها جاذبية الإسم والجغرافية والبعد الديني وما يوفره ذلك من إمكانيات الحشد والتعبئة وسهولة التهجير. وهكذا قويت فكرة الاستيطان في قبرص عند التيارين، كونها قريبة من "ارض اسرائيل" وتمثل محطة للإنتقال الى فلسطين عند تيار المتحمسين لها، وكونها ايضا ليست "ارض الميعاد" عند التيار الآخر الذي لم يتحمس لفكرة فلسطين وفضل دوما الابتعاد عنها كخيار.

استمرت المستوطنة "القبرصية الاولى" عدة سنوات بعد تأسيسها عام 1882 لكن ما لبث مشروعها ان فشل بسبب عدم حماس اليهود للهجرة اليها، وفشل مستوطنيها في تحويل الارض "إلى جنة زراعية" مغرية للآخرين. كان معظم اليهود الاوروبيين راغبين في الهجرة إما الى اوروبا الغربية او الولايات المتحدة، ومعظمهم من خلفيات مدينية لم ترق لهم فكرة التحول إلى فلاحين والإشتغال بالزارعة على الرغم من كل الدعم المادي والتدريب الزراعي. في تلك السنوات، اي عقد ثمانينات القرن التاسع عشر كاد نفس الفشل يضرب بعض تجمعات اليشوف اليهودية في الجليل، مثل زخرون ياكوف وروش بيناح، بسبب عزوف اليهود عن الزراعة وشكواهم من وعورة الارض وعدم ملائمتها للحرث والزارعة. لكن الوجود المديني في فلسطين وقرب تلك التجمعات من مدن (فلسطينية) قائمة كان احد الاسباب التي اقنعت يهودها على البقاء (وهذا لا ينقض وحسب الدعاية الصهيونية بأن فلسطين كان ارضا بلا شعب، بل ويشير إلى ان الطبيعية المدينية وليس الصحراوية الخالية من الحياة هي التي جذبت اليهود).
ظلت قبرص عنواناً للشد والجذب والتوسع والإنكماش لجهة استقطاب يهود جدد اليها، وشهد المشروع ذروة نجاحه عندما تسلمت جمعية الاستعمار اليهودي Jewish Colonization Association الاراضي التي اشترتها المنظمات اليهودية في سنوات سابقة. وعملت الجمعية على توسعة الوجود الاستيطاني إلى مساحات اخرى بين مدينتي لارنكا وليماسول، في منطقة مارغو. ومن المهم الاشارة هنا الى ان هذه الجمعية التي مثلت الذراع الاستيطاني الاهم في مشروعات الهجرات اليهودية واقامة المستعمرات كان جل اهتمامها متركزا على مناطق غير فلسطين حتى سنة 1896. بعد ذلك التاريخ والذي لحقه قيام المؤتمر الصهيوني الاول في بازل سنة 1897 وبعده المنظمة الصهيونية العالمية، انقلب ميزان الاهتمام وتصدرت فلسطين اجندة معظم المنظمات اليهودية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرئيس العراقي برهم صالح: بغداد استضافت أكثر من جولة محادثات


.. فلسطين: وزير الخارجية يستعرض تطورات القضية مع المسؤولين الرو


.. الولايات المتحدة: المبعوث الأميركي يبدأ جولة لمنطقة القرن ال




.. ما الذي أضافه النجم محمد ممدوح بطل -لعبة نيوتن- لشخصية حازم


.. حياة ذكية - جهاز -إيفا بيور- لتنقية وتعقيم الجو