الحوار المتمدن - موبايل


معارك بالخريف

ساطع هاشم

2019 / 11 / 5
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


في المساء او في الصباح، هنا في شمال اوربا عندما يأتي الخريف والشتاء لاترى في الشوارع الا الأضوية الكهربائية المضاءة، والشموع تزين شبابيك الشقق والمنازل، وحتى السيارات فان على سائقيها ان يفتحوا اضويتها صباحا ومساء لان ليل الشتاء طويل، ولاتزيد عدد ساعات النهار والضوء الطبيعي عن أربع او خمس ساعات في الأكثر.
وقد عاد الخريف إلينا هذا العام نحن الأجانب، لكنه هذه المرة محملاً بالدم والزمهرير، فأنا مثل بقية المتفرجين من بلاد الشرق اشاهد هنا عبر الأجهزة الإلكترونية المعارك القاسية التي تمزق النفس، بين الجماهير المندفعة الثائرة نحو الحرية والقتلة المتدينين اللصوص، وهما يتقاسمان ضفتي دجلة الخالد.
وبالرغم من ان المسافة بينهما ليست سوى النهر، فالقتلة لا يسمعون لانهم بعيدين عن الناس بعد السماء عن الطارق، والجماهير في هذه الجهة من النهر تلفها احزاناً لا قرار لها وكبرياء وشهامة نادرين لم نألفها منذ زمن طويل، حتى خيل لنا بأنهما قد اندثرا، فتراهم يعرضون صورهم علينا من كل الجهات بفرح وسخاء وكرم ويتواصلون معنا بحب وإلفة ووداعة فقدناها طويلاً، بينما القتلة في الجهة الثانية لا ترى منهم الا اشباح في صور ومقابلات متلفزة في احاديث عدوانية تتأجج فيها الرغبة بالانتقام والقتل ولا يريدون الإذعان للأمر الواقع، حتى لتشعر عندما ترى صورهم وطريقة حديثهم وكأنك تشاهد غابة من الضباع الجائعة وقد ظفرت بغزال بريء استطاع الهرب للتو من مخالبها سالماً.

وإذا تركنا الحديث عن الآلام، وفكرنا بالسعادة التي يحياها الجمهور العريض في هذه الجهة من النهر، حيث يندر ان تجد مثل هذه المشاهد خارج هذه الساحات فما الذي يحدث؟
تذوقٌ واسع لحبات العنب وعسل الحرية، ذاك الذي تتخلله أشعة الشمس في شروقها وغروبها، وفي الحفلات المختلفة التي تموج بالجماعات رافعة أيديها كانهم في حلم جميل، ناسين او متناسين انهم على بعد خطوات من الموت.
طوال حياتي حملت أدواتي بالرسم كسلاح ضد اية صعوبة سأجدها امامي، ورسمت آلاف التعابير بالحبر او الأقلام او الألوان، وذخيرتي منها لا تنضب، وسجلت فيها قصة الامس.
وما شاهدته في رسوم صبية وشباب التحرير في الايام الأخيرة وهي ترسم لوحة الواقع المرئي والملموس على جدران الشوارع والأزقة في قصة اليوم، تقترب من صورة زمني الماضي بهذا الشكل او ذاك، فهذه الوجوه الإنسانية التي نشاهدها على شاشات اجهزتنا بعيونٍ تدمع دون قطرة دمع واحدة، تجمع في الوقت نفسه بين الرغبات والرهبة وربما الخوف من الموت قبل الوصول الى تحقيق غاية الثورة وانتصارها وهي منعكسة بهذه التعابير بالخطوط والألوان التي يرسمونها على الجدران، وكأنهم يحاولون ان يهبون القلوب التي سترى أعمالهم سمات الحب الخالد بالنفس البشرية الذي يكافحون في سبيل الوصول اليه وتذكير الثوار ومعهم الجمهور العريض به بهذا الحب وبكونه الخيط الجامع فيما بينهم وبانه لغر الوجود البشري على هذا الكوكب، وكل تلك الإبداعات المفعمة بالوجدان والحب الإنساني تتم تحت تأثير الغازات السامة ودوي قنابلها المرعب التي يمطرها القتلة عليهم.
وعلى مقربة منهم يرقد جسد الشهيد مسجى ساكناً، وقد اختفى بين طيات الأغطية وسيرفع قريبا ليختفي بظلام أديم الأرض، ومن هناك يعاود الحياة زهرة في بستان او شجرة ثمر، لكنه سيبقى نوراً مشعاً في افئدة هؤلاء الذين كان واحداً منهم قبل قليل، وهنا تكمن المعجزات حيث يعاد الدم القاني الى الحياة ليس كبقايا حطام بل كفكرة خلاقة نرى من خلالها ومع جيل الشبيبة الجدد حقارة المارد القاتل والوحش المخيف، وعدواً نقاومه ليندحر الى الأبد أينما يختبأ في الظلام، وتلك هي رسالة الفن العظيم عبر الأزل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عائلة كاسترو تغيب عن المشهد في كوبا


.. كوبا.. راؤول كاسترو يستعد لإعلان التنحي من رئاسة الحزب الشيو


.. المطابخ الرمضانية .. ملاذ الفقراء




.. راؤول كاسترو يتخلى عن قيادة الحزب الشيوعي في كوبا


.. فيديو اليوم | المطابخ الرمضانية .. ملاذ الفقراء