الحوار المتمدن - موبايل


الإنتفاضة التشرينية ... قراءة موضوعية

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2019 / 11 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


يقصد بالإنتفاضات الشعبية :الحركات الشعبيَّة التي تتميّز بالقوّة والعنف والهيجان تمرّدًا على احتلال ظالم أو حاكم مستبد، أودفاعًا عن الوطن, أو المطالبة بالحكم الرشيد والعدالة الإجتماعية ومحاربة الفساد والمفسدين , والسعي لتحقيق العيش الكريم بأمن وأمان للشعب وضمان حرية الرأي والمعتقد دون إكراه .
ويقصد بالثورة : التغيير الكامل لجميع المؤسسات والسلطات الحكومية في النظام السابق لتحقيق طموحات التغيير لنظام سياسي نزيه وعادل , يوفر الحقوق الكاملة والحرية للمجتمع للتحكم بشؤونه ومقدراته وتسخير طاقاته لمصلحته عبر خطط تنموية شاملة ومستدامة.
فهل يا ترى أن ما يجري حاليا من حراك شعبي في العراق ثورة أم إنتفاضة ؟.
أن ما يجري في العراق حاليا لا يرقى لمستوى الثورة وذلك لعدم توفر الشروط الموضوعية والذاتية في الوقت الحاضر لقيام الثورة من جهة , ولعدم توافر مستلزماتها المادية والمعنوية الضامنة لنجاحها من جهة أخرى .ونقصد بمستلزمات الثورة وشروطها الموضوعية هنا :
1. تحقق الإجماع الشعبي, وهو غير متحقق حاليا حيث ما زالت الإنتفاضة مقتصرة على سكان محافظات وسط وجنوب العراق فقط , على الرغم من مرور أكثر من ستة أسابيع على إندلاعها , ما زالت محافظات كردستان ومحافظة كركوك وكأنها غير معنية بهذا الحراك , ومحافظات غرب وشمال العراق تراقب الحراك وكأنها تنتظر ما سيتمخض عنه من نتائج.
2. عدم وجود قيادة واضحة ومعلنة للحراك الشعبي ليتم التعرف على شخوصهم والتأكد من قدرتهم على إدارة التغيير المطلوب لضمان وصول البلاد إلى بر الأمان , وبناء النظام الجديد الذي سيخرج العراق من محنه ويجنبه المزيد من الصراعات وسفك الدماء , ذلك أن صعوبة هدم أي نظام أقل بكثير من صعوبة بناء نظام جديد على أنقاضه وديمومته.
3. عدم إعلان برنامج يحدد هوية الإنتفاضة وأهدافها وبرامجها وشكل وطبيعة النظام السياسي المراد تحقيقه , وتحديد علاقات العراق بمحيطه العربي والإقليمي والدولي , ومدى إلتزامه بالمعاهدات والإتفاقيات المعقودة مع الدول الأخرى وسواها , وكيفية التعامل مع الأرث الثقيل الذي تركته الحكومات السابقة , فشعارات المتظاهرين مختلفة في عمقها ومضامينها , تحركها مشاعر الغضب أكثر من الرؤية الثاقبة والتشخيص الدقيق لطبيعة ما يواجهه العراق حاليا من مشكلات عويصة, ومداخلات دولية وإقليمية جعلت منه ساحة مواجهات لما بات يعرف بالحروب بالنيابة , أي حروب يكون العراق ساحتها وشعبه وقودها ولا مصلحة له فيها على الإطلاق . نقول هنا أن تجيش المشاعر الوطنية أمر مطلوب وضروري لأي تغيير , ولكن هذا وحده لا يكفي ما لم يصاحبه قدر من التخطيط والبرمجة الدقيقة لمسارات الثورة أثناء تنفيذها وبعد نجاحها . والمرونة والمناورة وضبط النفس أثناء قيامها.
4. تشخيص نقاط قوة الخصم ونقاط ضعفه وعدم الإستهانة بقدراته .
5. تغليب التناقضات الأساسية بين الثوار وخصومهم على التناقضات الثانوية بين فصائل الثائرين, أي تجنب إثارة الإختلافات الفكرية والمعتقدات الدينية والإثنية والإنتماءات العرقية فيما بينهم.
6. تحديد شكل الدولة العراقية بصورة لا لبس فيها بين أنظمة الحكم المركزية واللامركزية, أو نظام الحكم الفدرالي القائم على تقسيم العراق إلى أقاليم على أسس أثنية أو طائفية أو إدارية , أو نظام الحكم المركزي القائم على الهوية الوطنية والتداول السلمي للسلطة ,وضمان الحقوق والحريات وتكافؤ الفرص على أساس المساواة في إطار عراق واحد موحد .
7. تحديد دور الأديان في الدولة والمجتمع .
8. لا يوجد ما يشير لدعم القوات المسلحة العراقية للإنتفاضة التشرينية , وهو الدعم اللازم لنجاح هكذا إنتفاضات في الدول النامية ومنها العراق , فبدون دعم هذه القوات يصعب تصور نجاح أي ثورة.
9. طمأنة دول العالم المختلفة بعامة ودول جوار العراق بخاصة , بأن مصالحها المشروعة في العراق مضمونة بحسب القوانين المعمول بها دوليا , بشرط عدم المساس بمصالح العراق الوطنية.
10. ما زال هناك خلط غير قليل في الأوراق السياسية , وتخندق بعض الأطراف وراء المتاريس.
وهناك الكثير من الأمور التي لا يتسع المجال الخوض بتفصيلاتها والتي تتطلب إجماع وطني, أو لنقل غالبية وطنية للتوافق عليها عبر حوارات , ينبغي أن تسبق الشروع بأية ثورة محتملة تجنبا للصراعات التي عادة ما تندلع بعد إستلامها للسلطة قدر المستطاع. وفي إعتقادنا المتواضع أن الظروف التي مر بها العراق ,وما عانه الشعب من مصائب وويلات, وما نجم عنها من بيئة سياسية وإجتماعية معقدة نوعا ما, قد تجعل الخوض في هكذا قضايا شائكة أمرا بعيد المنال في الأمد القليل.
لذا فإن الأصح الإكتفاء بتسمية الحراك الشعبي الحالي , بالإنتفاضة الشعبية التي يمكن أن تقوض بعض مرتكزات النظام السياسي القائم ,وتزيد من عزلته شعبيا تمهيدا للإنقضاض عليه لاحقا بعد أن يعتريه المزيد من الضعف والوهن إن لم يتدارك أخطائه ويصحح مسيرته بالعودة إلى أحضان الشعب والتصالح معه والتكفير عن جرائم الماضي, وربما تنضج ظروف أفضل للثورة. وهذا لا يعني عدم إمكانية تحقيق الإنتفاضة بعض الإصلاحات, والتي يمكن أن يكون بعضها إصلاحات جوهرية يمكن أن تسهم بتغيير بنية النظام السياسي والإطاحة ببعض رموز الفساد من جهة,وتلبية بعض مطالب المنتفضين بتحسين حياة الناس من خلال توفير فرص العمل اللائق لهم , وتحسين مستوى التعليم والصحة والخدمات المختلفة وما إلى ذلك. ندرج في أدناه بعضا من هذه الإصلاحات الهامة التي يمكن تحقيقها على وجه السرعة :
1. تشريع قانون إنتخابي لعضوية مجلس النواب على أساس الترشح الفردي ضمن دوائر إنتخابية متعددة , على أن يكون مسقط رأس المرشح في الدائرة المرشح عنها أو من سكنتها بصورة متواصلة لمدة لا تقل عن خمس سنوات.
2. لا يسمح بالترشح لعضوية مجلس النواب بدورته الأولى ,لمن كان نائبا في ألجمعية الوطنية أو في أي من مجالس النواب اللاحقة التي تشكلت منذ العام 2003, لضمان نقاء المجلس من أدران المجالس السابقة التي إتصفت بالفساد ونهب المال العام .
3. تعديل الدستور بما يضمن وحدة العراق أرضا وسماءا وماءا , والتأكيد على هويته الوطنية وسموها فوق أية هوية .
4. تحريم تشكيل الأحزاب وأية تشكيلات سياسية على أسس عنصرية أو دينية أو طائفية .
5. تحريم تشكيل كانتونات أثنية أو دينية أو طائفية تحت أي مسمى أو مسوغ إطلاقا, بدعاوى توفير الملاذات الآمنة وضمان الحقوق والحريات.
6. توحيد القوات المسلحة العراقية بصنوفها المختلفة لتشكل جيشا عراقيا مهنيا واحدا بعقيدة عراقية تحت أمرة رئيس الجمهورية القائد العام لهذه القوات , وإلغاء كافة التشكيلات الأخرى المسلحة التي ربما إقتضت ظروف معينة إستحداثها ,بعد ضمان حقوق منتسبيها.
7. تكليف فريق خبراء دولي بإشراف منظمة الأمم المتحدة ,لتدقيق الحسابات الختامية منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا , لجميع مؤسسات الدولة وهيئاتها, ومنحها كافة الصلاحيات وعدم السماح بالتدخل بشؤونها من قبل كائن من يكون , وعلى أن يتم نشر نتائج التدقيق بجميع وسائل الإعلام المتاحة لضمان شفافية التدقيق., ومحاسبة كل من تسبب بهدر المال بقصد أو بدونه, ومحاسبة الفاسدين والمفسدين ومطالبتهم بإستعادة الأموال المنهوبة صفقة واحدة.
8. إخلاء دور وممتلكات وعقارات الدولة من جميع شاغليها خلافا لقانون تأجير وبيع وشراء عقارات الدولة النافذ قبل العام 2003.
9. حرمان كل من تسبب بهدر دماء العراقيين أو أثرى بدون حق مشروع على حساب المال العام ,من أية حقوق سياسية لمدة لا تقل عن خمس سنوات , بعد محاسبته قانونا.
وبذلك يمكن أن نضمن فتح آفاق مستقبلية واعدة لشعب العراق بحياة حرة كريمة ,والعيش بأمن وأمان في وطن حر بقيادة وطنية منبثقة حقا من آلام وأوجاع العراقيين الذين عاشوا عقودا لم يذقوا فيها طعم الراحة. والله المستعان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - المقالة برنامج وطني تقدمي علمي بعيد المدى ويتضمن
الدكتور صادق الكحلاوي ( 2019 / 11 / 14 - 22:12 )
الاصلاحات الضرورية المباشره الان وهو افضل ماكتب عن الازمة الحاليه التي يعيشها وطننا وشعبنا الان واكثر شمولا وعمقا وتطبيقه -خصوصا بصوره مخططة -يؤدي الى بناء دوله عراقيه حديثه-شكرا دكتور داخل على فهمك الواعي وانحيازك الصارم الى العراق والحقيقه دون مجاملات وكل ما يتضمنه هذا البرنامج قابل للتطبيق وهو بعيد عن تلوثات الايدولوجيا الثلاثيه القومية والاسلامية والطبقية-تحياتي من زميل من جامعة البصره من اواسط الستينات من القرن العشرين

اخر الافلام

.. ليبيا..إخراج المرتزقة شرط ضروري لتوحيد المؤسسة العسكرية


.. توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا أبرز التحديات | #غرفة_الأخبا


.. بايدن: رفع طهران التخصيب إلى 60% لا يسهم بإنهاء الأزمة




.. الصين: تايوان وشينغيانغ من الشؤون الداخلية ولا ينبغي التدخل


.. سوريا..ترقب لردود الفعل الحكومية والمعارضة بشأن وثيقة الدستو