الحوار المتمدن - موبايل


ما يجب أن يقال

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2019 / 11 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


يقف العراق اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية حرجة قد تحدد مصيره لسنين طويلة قادمة , إما أن يكون عراقا موحدا مزدهرا ينعم شعبه بالعيش الكريم بأمن وآمان , أو أن يتناثر في مهب الريح تتقاذفه الأطماع الدولية لتجعل منه ساحة مواجهة لتصفية الحسابات فيما بينها , دون إي إكتراث لمصلحة العراق وشعبه الذي سيكون نارها ووقودها لا سامح الله. أن ما يدعونا لقول ذلك ما نراه من تداخل في خنادق المحتجين ودعاة الإصلاح الحقيقين, وخلط متعمد للأوراق بعناوين براقة مختلفة , ظاهرها إنساني وباطنها شيطاني , بهدف بلبلة الفكروتشتيت الجهود وتضيع الهدف , ونشر الفوضى التي يحلو لهم تسميتها بالفوضى الخلاقة, التي تستهدف تدمير العراق أرضا وشعبا , ودفعه لطلب توفير ملاذات آمنة لشعب هائم يطلب الخلاص من محن أوقعوه هم فيها, كما يجري حاليا في سورية الشقيقة, البلد الآمن الذي كان ملاذا آمنا للآخرين , جعلوا من شعبه السوري الأبي بين ليلة وضحاها يستجدي اللجوء في البلدان الأخرى , أو إستقطاع أجزاء من أرضه بدعوى توفير ملاذات آمنة في وطنه تحت حراب الأجنبي.
وينبغي أن لا تنطلي على المحتجين الأبرياء ألاعيب الساسة الشيطانية ومحاولاتهم الخبيثة ركوب موجة التظاهرات ودعواتهم الإصلاحية الزائفة بهدف كسب ودهم , موظفين أموال السحت الحرام التي نهبوها من ثروات العراق , بدعاوى صحوة الضمير والتكفير عن ذنوب الماضي.
كما نود أن نؤكد في هذه المرحلة التاريخية على ضرورة التركيز على أوضاع العراق الداخلية بالدرجة الأساس , وسبل إنقاذ شعبه من أحواله المعيشية المتردية, وإنتشاله من براثن الجوع والفقر والمرض التي فتكت بشعبه جراء سياسات حكومات فاسدة أثرت دون وجه حق على حساب شعبه , والإيتعاد عن كل ما يمكن أن يفرق بين ابناء الشعب الواحد تحت أي غطاء أو أية واجهة مهما كانت , وبخاصة بعد أن لاحت في الأفق بارقة أمل, ألإنتفاضة الشبابية العارمة في الأول من تشرين الأول, والتي لم يشهد لها مثيل في تاريخه منذ تأسيس دولة العراق الحديثة عام 1921 ,إذ أنها المرة الأولى التي يسعى فيها الشعب لتغيير نظام الحكم بإنتفاضة شعبية , وليس عبر أنقلاب عسكري كما جرت العادة سابقا , أو الإستعانة بحراب الأجنبي وقواته المحتلة المسلحة وتنصيب عملاؤها.إنتفاضة شعبية تجلت فيها كل معاني التضحية والبطولة والفداء من أجل إستعادة وطن دمر دولته الغزاة عام 2003 بدعاوى زائفة لا أساس لها من الصحة, ودون أي وازع إخلاقي . نهبوا ثرواته وصادروا حريته وحقوقه, عبر تأسيسهم نظام حكم مقيت يقوم على أساس المحاصصة الطائفية والأثنية ,تحت غطاء مهلهل من الديمقراطية الزائفة, بتشريع دستوريؤسس لقيام مجلس نواب ومجلس وزراء ورئاسة جمهورية على أساس تكريس نظام سياسي طائفي وأثني مقيت , وإجراء إنتخابات دورية بموجب نظام المحاصصة الطائفية والأثنية, الذي أفضى بنهاية المطاف لنهب ثروات البلاد والعباد وتقاسمها بين شلة من السياسيين الفاسدين الذين أثروا على حساب الشعب دون حسيب أو رقيب على مدى ستة عشر عاما . والعجيب أن هؤلاء الساسة ما إنفكوا ينادوا دون حياء , جهارا نهارا وزورا وبهتانا بمحاربتهم الفساد وتبنيهم دعوات الإصلاح , لكننا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا , ذلك أن الفساد يزداد سوءا عاما بعد آخر حسبما تؤكده تقارير مؤشرات الفساد السنوية التي تصدرها منظمة الشفافية الدولية التي تشمل نحو ( 195) دولة في العالم حيث يقبع العراق سنويا في أسفل القائمة بوصفه الدولة الأكثر فسادا في العالم , دون أن يكترث أيا من ساسة العراق لهذه التقارير.
لقد ضاق الناس ذرعا بعد أن طفح الكيل وبلغ السيل الزبى , ولم يبق في قوس الصبر منزع.إنتفض شباب العراق الغر الميامين غضبا مقدسا ضد الفساد والفاسدين والمفسدين , مطالبين عبر مظاهرات سلمية بإجتثاث كل أشكال الفساد بالأفعال لا بالأقوال , وإستعادة المال العام المنهوب منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا , والقصاص العادل من كل من تسبب بهدر ونهب المال العام , والعمل على بناء دولة مدنية حديثة تقوم على أساس المواطنة العراقية الحقة .
وثمة مسألة هامة ينبغي الإهتمام بها , هي الإبتعاد قدر المستطاع عن الخوض بإستعداء دولة ألحقت أضرارا بالعراق دون التطرق إلى دول أخرى أضرت هي الأخرى ربما بصورة أكبر بالعراق , فالموضوعية تقتضي التطرق إليها جميعا , كي لا يفسر ذلك على أنه إنحياز لهذا الطرف أو ذاك , وإلاّ فالسكوت أفضل . فمن هذه الدول يا ترى التي تسببت بدمار العراق ؟.
نشير هنا إلى هذه الدول بإيجاز شديد طبقا لما عشنا وعايشنا من ذاكرة الأحداث , وليس من فبركات وسائل الإعلام ,تفصيلات الأضرار التي لحقت بالعراق من جراء سياساتها وأفعالها :
كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر الدول التي ألحقت أضرارا فادحة بالعراق منذ العام 1991 وحتى يومنا هذا , حيث وعدت بعودته إلى عصر ما قبل الصناعة , والحقيقة أنها أعادته إلى عصر ما قبل الحضارة , دمار شامل للدولة العراقية وتفتيت لنسيج العراق الإجتماعي وإنهيار كامل لمنظومته القيمية والأخلاقية , وتناحر بين ابناء الشعب الواحد من منطلقات أثنية وطائفية مقيتة , وحرمان من كل مقومات الحياة ومعاناة من الفقر والعوز والمرض ونقص الخدمات في كل مكان على مدى نحو ثلاثة عقود من الزمن , وتفشي الفساد ونهب المال العام, وسطوة عصابات الجريمة المنظمة وفقدان الأمن والآمان , وبإختصار شديد تعطل الحياة وتوقف عجلة التنمية والحياة بكل معانيها , وفوق هذا وذاك إزهاق حياة الملايين من العراقيين دون ذنب إقترفوه.
ما كان للولايات المتحدة الأمريكية الإمعان بسياستها العدوانية تجاه العراق لولا الدعم اللامحدود التي تلقته من معظم الدول العربية , وبخاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي التي دعمت ومولت القوات الأمريكية لغزو العراق وإحتلاه عام 2003, وإنطلاقها من قواعدها العسكرية المنتشرة في تلك البلدان . لم تكتف الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها بإسقاط النظام السياسي القائم يومذاك في العراق , بل أنها أمعنت في أعمالها الجرمية بتدمير الدولة العراقية وكل مقومات الحياة العراقية . ولم تكتف الدول الخليجية بدمار العراق , بل راحت تطالب بدعاوى دفع ديون باطلة مستحقة بذمة العراق تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية , بينما يعرف القاصي والداني أنها لم تكن ديونا بذمة العراق , إنما منحا مالية قدمتها هذه الدول دعما لمجهود العراق الحربي في حربه ضد إيران التي كانت هي طرفا أساسيا بتحرض النظام العراقي يومذاك بالتعرض لنظام الحكم الأيراني الذي كان يسعى لتصدير ثورته إلى هذه البلدان.
وبرغم أن دول العالم الأخرى قد أسقطت ديونها المترتبة ضد العراق وهي ديون حقيقية , بطلب من الإدارة الأمريكية فيما يعرف بنادي باريس , بعد غزوها وإحتلالها للعراق حيث كانت تقدر هذه الديون هي الأخرى بعشرات المليارات من الدولارات . وفوق هذا وذاك أجبرت الحكومة العراقية على دفع عشرات المليارات عما لحق بالكويت من أضرار جراء العمليات الحربية التي جرت في أراضيه أثناء إحتلالها من القوات العراقية وبعد تحريرها منها, ولم يعوض العراق عما لحق به من دمار شامل على مدى ثلاثة عقود بدءا بحرب الخليج الأولى عام 1991 ومرورا بالحصار الشامل الظالم وما رافقه من قصف جوي لمنشاءاته الحيوية والإقتصادية بين الحين والآخر , وما أعقبها من غزوه وإحتلاله في حرب ظالمة بدعاوى زائفة لا تستند إلى أية شرعية دولية, وهي النغمة النشاز التي كانوا يتغنوا بها . وفضلا عن ذلك فقد مكنت الكويت من إستقطاع جزءا مهما من الأراضي العراقية التي تضم أبارا نفطية منتجة في حقل الرميلة الجنوبي وضمها إلى الكويت خلافا لأية شرعية دولية , وحرمان العراق من بعض منافذه البحرية في خور عبد الله الملاحي لتجعل من العراق دولة شبه قارية.
وأخيرا إيران التي وجدت في العراق مجالا حيويا واسعا لمد نفوذها في العراق الذي إستغلته أبشع إستغلال , وبخاصة أنها تمتلك أدوات فاعلة تمكنها من تحقيق ذلك , ممثلة بأحزاب سياسية متعاطفة مع توجهات النظام السياسي الإيراني , إن لم يكن معظمها متوافقا مع فلسفة حكم ذلك النظام . عاش معظم قادتها ردحا من الزمن في كنف النظام الإيراني , وشارك البعض منهم في حربه الضروس ضد العراق , وإتخذوا من إيران منطلقا لشن بعض الأعمال المسلحة المحدودة داخل الأراضي العراقية في عقد التسعينيات . كما ساعد الغياب العربي من التواجد في العراق والضجيج الإعلامي الصاخب الذي شنته وسائل الإعلامي العربية من الدول التي إنطلق منها الغزو الأمريكي , ضد الحكومات المتعاقبة التي تشكلت بعد عام 2003, على توسع النظام الإيراني أكثر في العراق , وبخاصة في أعقاب تصعيد الجماعات التكفيرية المدعومة والممولة خليجيا, من أعمالها الإرهابية وعدم إقتصار هذه العمليات على القوات الأمريكية فقط , بل شملت مؤسسات العراق الحيوية والناس العاديين في الأسواق والأماكن العامة , والأسوء من كل ذلك أخذها بعدا طائفيا بإستهداف المواطنين على أساس الهوية الطائفية ومهاجمة مراقدهم وأماكن العبادة الخاصة بهم , الأمر الذي أدى إلى إحتقان طائفي بغيض كاد يهدد بحرب طائفية لا تبقي ولا تذر. أدى كل ذلك إلى توفير بيئة خصبة للتمدد الإيراني في العراق وتغوله على حساب العراق.
ومن هنا تقتضي الحكمة من ذوي البصيرة الثاقبة ,العمل بكل الوسائل على إبعاد العراق من كل التجاذبات والصراعات الإقليمية والدولية من منطلق أن العراق بلد العراقيين بختلف أديانهم وطوائفهم ومعتقداتهم وقومياتهم, وأن يضعوا مصلحة العراق أولا , والسعي لإقامة علاقات العراق مع الدول الأخرى صغيرها وكبيرها وفي مقدمتها دول الجوار ,على أساس تبادل المنافع والمصالح المشتركة, والتعايش السلمي فيما بينها بصرف النظر عن معتقداتها ونظمها السياسية , وعدم تدخل كل طرف بشؤن الطرف الآخر.
وأخير لا اريد أن أندب حضنا العاثر ,حيث كنا بالأمس نعيش في بلادنا أحرارا معززين ننعم بالأمن والآمان , ونفخر بإستقلال بلادنا وخلوها من النفوذ الأجنبي وقواعده العسكرية التي كانت آخرها قاعدتي الشعيبة والحبانية البريطانيتين التي أخلتهما القوات البريطانية بطلب من حكومة ثورة الرابع عشر من تموز التي قادها الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم , وإذا بنا اليوم نرى القوات الأجنبية ومخابراتها تسرح وتمرح على هواها في العراق , قواعد قوات أمريكية منتشرة في أكثر من مكان بموجب إتفاقية أمنية معقودة مع الحكومة العراقية , وقواعد تركية في شمال العراق لا تستطيع الحكومة العراقية إخراجها , وقوات إيرانية يقال أنها جاءت لدعم العراق ضد الجماعات الإرهابية وحماية المراقد الدينية تتدخل في الشؤون الداخلية, فضلا عن قوات دولية تحت يافطة التحالف الدولي الذي ترعاه الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب . كل ذلك يدعو أية حكومة عراقية وطنية مخلصة قادمة قريبا إن شاء الله , للتفكير الجاد وبتروي ودون ضجيج أو صخب إعلامي , بكيفية تخليص العراق من هذا الوجود الأجنبي دون المساس بأمن العراق ووحدة أراضيه وضمان حريته وإستقلاله. ومن الله التوفيق








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لوري واتكينز: إعلان إيران زيادة تخصيب اليورانيوم أمر مقلق لل


.. رئيس الحكومة اللبنانية يدعو الدول العربية لمساعدة لبنان


.. وزير الخارجية المصري يبدأ جولة إفريقية لتوضيح موقف القاهرة م




.. فيتشسلاف ماتوزوف: أعتقد أن الرد الروسي سيكون مناسب على كل دو


.. المعارضة التركية تسأل أردوغان: أين الـ128 مليار دولار المفقو