الحوار المتمدن - موبايل


الجزيرة والتحول الديمقراطي العربي

ناجح شاهين

2019 / 11 / 25
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


نتابع إحياء الديمقراطية في بوليفيا على مقاس الاحتياجات الأمريكية بد أن تم إسقاط الدكتاتور المنتخب موراليس والانقضاض على أنصاره وقتلهم في الشوراع بلا رحمة. يتبجح فيصل القاسم بنجاح التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية التي تحولت إلى محميات أمريكية، ويغض الطرف بصفاقة عن جزر الديمقراطيات في أمريكا اللاتينية منذ الانقلاب الوحشي في تشيلي قبل خمسين عاماً ضد حكومة سلفادور أيندي المنتخبة. تم إقصاء ديلما دوسيف عن طريق شراء أعضاء البرلمان. نتابع في تركيا أردوغان المعجب بهتلر، يستعير منه على ما يبدو طرائق الحصول على الحكم المطلق وقمع الإثنيات والاعتداء على الجيران. ومن حقنا أن نتابع أيضاً الديمقراطية تحت الاحتلال في فلسطين والعراق، وديمقراطية قيصر روسيا وملك الأردن، ومصر الإخوان ومصر السيسي وقائمة طويلة لا تنتهي..
أبتسم بإشفاق من اصرار "النظرية" السياسية على تعميم تجربة شكل الحكم المسماة "ديمقراطيةً" في أوروبا الغربية وشمال أمريكا على العالم اجمع.
هناك حيث تمكنت الرأسمالية من تحقيق هيمنة طبقية في مستويات البنية الاجتماعية المختلفة يمكن أن "ينتخب" الناس ما يمثل مصالح الرأسمالية دائماً. لذلك يستقر نظام الحكم الليبرالي الديمقراطي في تلك البلاد، فقط في تلك البلاد. في بلاد أخرى في الجنوب ليس المطلوب تحقيق الديمقراطية ، "التاريخ لا يطلب" هذه المهمة. المطلوب هو تحقيق الاستقلال الفعلي، وفك الارتباط بالاستعمار العالمي، وبناء البلاد انطلاقاً من شروطها وليس من شروط ديمقراطية ولدت في عالم اخر.
لن يستطيع المثقفون الليبراليون جميعاً من المحيط الى الخليج، ومن اليمين الى اليسار الى الوسط أن يأتوا بذرة ديمقراطية الى سوريا، سوريا ليست كندا ولا انجلترا.
سوريا يمكن أن تصبح "الصومال" ويمكن أن تصبح محمية مثل الكويت، ويمكن أن تصبح مثل ايران أو كوبا: قد تخرج من الأزمة محمية "إسلامية" أمريكية إسرائيلية، وقد تتفكك، وقد تستعيد عافيتها بدولة قومية تسعى الى التصنيع والتزريع وبناء العلم والجيش القادر على حماية البلاد.
قد تكون نوايا أنصار الديمقراطية حسنة، لكنهم على أرض الواقع ترس صغير في يد الماكينة الاستعمارية التي تحاول تدمير النسيج المجتمعي العربي بزعم أنهم قادرون على جعل الفيل يطير، بينما هم يقتلونه لا أقل ولا أكثر.
على جماعة أنصار "بيان ديمقراطي عربي" الذي أطلقه "المفكر القومي" عزمي بشارة منذ عقد من الزمن أن يطرحوا بجدية السؤال الذي طرحه بسخافة فيصل القاسم في الاتجاه المعاكس:
لماذا فشل التحول الديمقراطي العربي في سياق الربيع المزعوم؟
الإجابة فيما نتوهم أساسها هو أن الديموقراطية غير ممكنة قبل حسم المسألة القومية. ويرجع ذلك إلى أن الديموقراطية التي تسبق ذلك الحسم إنما تقود الدولة إلى حتفها، عن طريق تفككها إلى وحدات أصغر على أساس وحدات قبلية أو طائفية أو إثنية أو حتى مناطقية.
انتشرت أغنية أيام الانتفاضة الأولى تنتسب بوضوح للجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين، تقول كلماتها:
"ديمقراطي ومش خايف.
وديني على نايف".
غالباً المقصود هنا بكلمة ديمقراطي هو الانتساب إلى الجبهة الديمقراطية، وليس إلى فلسفة الديمقراطية عموماً. لكن على الرغم من ذلك استوقفنا هنا بالفعل أن كلمة الديمقراطية كانت كلمة سحرية طوال الوقت، خصوصاً في دوائر الشيوعية "السوفييتية" ومن لف في مدارها من قبيل "الديمقراطيات" في شرق أوروبا وفي آسيا وغيرهما. لذلك كانت بلغاريا ديمقراطية، وكذا ألمانيا الشرقية، واليمن الديمقراطي...الخ.
لماذا الإصرار على استخدام كلمة ديمقراطية على الرغم من عدم وجود أية ممارسات "ديمقراطية" بالمعنى الليبرالي الشائع لكلمة ديمقراطية؟ الجواب بسرعة هو وجود مركب نقص تجاه الديمقراطيات الليبرالية الرأسمالية، فكان لا بد من مواجهتها بديمقراطية ما، تزعم أنها أعلى قدراً وأرفع منزلة من الديمقراطية الليبرالية. في الوقت الحالي ازداد الوضع سوءاً بفضل انتشار ايديولوجية البنك الدولي التي تنفذها منظمات غير حكومية عملاقة تهيمن على المشهد الكوني وتجعل المتدين والملحد واليساري واليميني يرددون جميعاً في جوقة موحدة أنشودة الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان دون فهم كلمة من محتواها.
وقد مهد لهذه الهيمنة أصلاً أنه لم يكن بالإمكان نقد فكرة الديمقراطية ذاتها في سياق المدرسة السوفييتية المتعثرة في النظرية والممارسة على السواء. من جانبنا نود في هذا السياق أن نوضح لماذا كان التحول الديمقراطي في البلاد العربية مجرد وهم يريد التماهي عبثاً مع نموذج الرأسمالية الصناعية في غرب أوروبا وشمال أمريكي بما يقود إلى طرح المشاكل الخطأ، وبالتالي عدم وجود أية فرصة واقعية لحلها. المشاكل الخاطئة أو الزائفة لا حلول لها مثلما أوضح ماركس منذ زمن بعيد. لذلك بدا أن فيصل القاسم في حلقته الأخيرة عن التحول الديمقراطي كان يهرف بما لا يعرف أكثر من أنه كان يحاول التضليل عن سابق إصرار وترصد. أيديولوجيا الديمقراطية في تقديرنا من أكثر الآيديولوجيات البراقة بفعل الأوهام التي تتلبس الناس عن قيم وممارسات مزعومة لا تمت لها بصلة.
نبدأ بالقول إننا نرى إلى الديموقراطية بوصفها نوعاً من نظام الحكم السياسي الملائم لإدارة الصراع الاجتماعي بفعالية عالية وبتكلفة قليلة في أوقات وأماكن معينة. لكن ذلك لا يتحقق إلا في سياقات تاريخية محددة، وذلك على وجه التعيين عندما يتشكل وضع يصبح فيه الاستغلال الاجتماعي وعدم العدالة الاقتصادية غير مرئيين بالنسبة إلى معظم السكان، مما يمكن الجدال السياسي أن ينحصر في قضايا تافهة لا تؤثر في البنية الأساس للمجتمع. بالطبع هذ الوضع ينطبق على الولايات المتحدة التي يعتقد فيها معظم الناس أن الهائمين في الشوارع ليسوا مشكلة الدولة أو النظام، إنما هم أناس كسالى، أغبياء...الخ في سوريا أو الأردن يكاد المواطن يتهم الدولة بالتسبب في انحباس المطر أو انتشار الآنفلونزا وهو جاهز تماماً للانقضاض عليها وهجرها إلى دولة أخرى إن استطاع. ولعل من المفيد وإن كان مؤلماً أن نقول هنا إن معظم الفلسطينيين جاهزون للانضمام لإسرائيل لو كانت الدولة العبرية مستعدة أن تتقبلهم بأي شكل من الأشكال.
وفي الحد الأدنى، تتطلب الديمقراطية التنافس متعدد الأحزاب (انتخابات نزيهة، وتنافسية، تشمل الجميع، ومنتظمة)، وسيادة القانون (الحريات السياسية والمدنية إضافة إلى قيود دستورية على ممارسة السلطة)". هذا في الواقع هو شكل المؤسسة التي يمكن أن تلائم أمرين في وقت معاً: أن يقوم الناس من جانبهم بالتصويت واختيار ممثليهم "بحرية"، وأن يتمكن هؤلاء المختارين من قبل الناس من تقرير ما يريدون باسم الذين انتخبوهم بغض النظر عما إذا كانت قرارات المختارين تمثل إختيارات/قرارات الناخبين أو لا تمثلها. الناس "اختاروا" توني بلير أو جورج بوش أو ترامب، وهكذا ينتهي دورهم، ويبدأ دور القائد المنتخب وحزبه ونخبته في تنفيذ المشروع الذي يريدون بغض النظر عن مواقف الغالبية. ولذلك تمكن بلير من الذهاب الى احتلال العراق على الرغم من معارضة الغالبية الساحقة للحرب وصولاً إلى حشد الملايين في الشوارع للهتاف ضدها.
إن حجر الزاوية في الديمقراطية الليبرالية الموجودة فعلياً هو تنصيب شخص ما في سدة الحكم يكون قادراً على المحافظة على الحريات الاقتصادية والليبرالية. فإذا لم يكن ذلك ممكناً فلا بد من التضحية بالحريات السياسية من أجل المحافظة على الملكية الخاصة واقتصاد السوق. هذا بالطبع يتناقض مع بعض الأفكار المسيطرة (والرائجة) التي ترى إلى الديمقراطية بوصفها نظاماً مساواتياً من حيث المبدأ. وهناك في الواقع بعض الآراء الساذجة التي ترى أن المساواة والحرية أساسية في انبثاق الديمقراطية.
للأسف ليست الدولة العربية في وضع يسمح لها بالتحول الديمقراطي بغض النظر عن كون الديمقراطية خيراً أو شراً. الدولة العربية ليست دولة الأمة ودولة المواطنين. بل هي تعاني بدئياً من مشكلة في مشروعيتها. فقد تشكلت تلك الدولة بشكل قسري تماماً فرضته الدول المستعمرة. وقد خلق هذا التكوين المصطنع منذ اللحظة الأولى صراعاً بين الهويات تحت-الدولتية (القبائل والطوائف) والهويات فوق-الدولتية (العروبة والإسلام) من ناحية، والدولة المحققة من ناحية أخرى. لكن الديمقراطية غير ممكنة بالطبع قبل حسم المسألة القومية. ويرجع ذلك إلى أن الديمقراطية التي تسبق ذلك الحسم إنما تقود الدولة إلى حتفها، إما عن طريق تفككها إلى وحدات أصغر على أساس وحدات قبلية أو طائفية أو حتى مناطقية، وإما بواسطة اندماجها في وحدة سياسية أكبر.
بالطبع لا يمكن الحديث عن الديمقراطية الليبرالية دون وجود برجوازية صناعة تتمكن من تحقيق هيمنة حقيقية في المستوى الآيديولوجي في نطاق الحيز العام والمجتمع المدني. أين سوريا والعراق ومصر من ذلك ناهيك عن اليمن وليبيا؟
لسنا في مرحلة الديمقراطية أبداً، إننا في مرحلة الاستقلال السياسي والبناء العلمي والتزريع والتصنيع، على الأغلب بعيداً عن الممارسة السياسية المسماة بالديمقراطية.
انطلاقاً من ذلك كله نود أن نؤكد أن طرح قضية الديمقراطية باستلهام النموذج المحلوم في غرب أوروبا وشمال أمريكا واليابان هو طرح زائف يضع العربة أمام الحصان. إذا كان العرب يرون في الديمقراطية الليبرالية، مهما تكن في حقيقتها، حلماً يستحق الكفاح، فإن عليهم أولاً أن يحققوا المواطنة والانتماء القومي الأكيد ثم ينهضوا بالعلم والزراعة والتصنيع التقليدي والهاي تيك ليصبحوا في وضع الدولة الرأسمالية "المتقدمة" وعندها يصبحون "تارخياً" في وضع جاهز للديمقراطية الليبرالية. خلاف ذلك ينبغي عليهم الانشغال باستقلال بلادهم وتحريرها من نير التبعية للاستعمار الذي ينهبهم في زمن ترامب العجيب بطرق تذكر بزمن الجزية أو بلطجية الحارات الذين يأخذون الخاوة من التجار تحت ادعاء حمايتهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تصاعد التوتر مع الغرب على خلفية قضيتي نافالني وأوكرانيا


.. إيران: نفاوض من أجل العالم! وإيران والسعودية..هل من حوار؟ |


.. لحماية صحتك النفسية.. انستغرام يخطط لوقف عداد الإعجابات | #م




.. حادثة قطار طوخ: مطالب بإقالة وزير النقل المصري


.. أسد يقتل صاحبه في السعودية ومطالب بمصادرة الحيوانات المفترسة