الحوار المتمدن - موبايل


بُربارة ومعمودية

دينا سليم حنحن

2019 / 12 / 4
الادب والفن


بربارة ومعمودية


في غزة، احتفلت العائلة بمعمودية الطفل رشدي، وحيد والدية، صادف ذكرى البربارة، سنة 1912.
صنع أهل البيت أنواعا شتى من الأطعمة والحلويات، منها حلوى البربارة، جهزتها (العبدة) من أصول أثيوبية، ولدت في بيت آل سابا وترعرعت بمطرحهم، أثارت العبدة حفيظة نساء البلدة عندما أخفقن في صنع ذات الطبق بذات النكهة والمذاق.
يوم العيد، تسللن إلى المطبخ وسرقن البربارة، وضعنها في أطباقهن وتفاخرن بتفوقهن عليها.
جرت العادة، تبادل المحتفلين حفنات البربارة المكونة من حبوب القمح المسلوق يضاف إلى الطبق الزبيب والسكر والرمان.
عاد واصف الأب من رحلته الطويلة إلى غزة، أوثق الحصان بشجرة التوت في ساحة الدار، دخل البيت فشاهد (العبدة)(1) مشغولة بشحن البابور بالكاز، انهمكت بتحضير المزيد من البربارة، شكت لسيدها حادث السطو وارتيابها مما حصل عندما دخلت المطبخ ووجدت الوعاء فارغا.
تناول الخلطة أهل البيت جميعا، أصيب واصف فجأة بآلام في معدته، قيل، (جنزر) الوعاء وتلوث الطعام بالصدأ، تلوى واصف ألما ورفض استدعاء الطبيب.
آخر ما قاله قبل وفاته:
- طفت المسافات معلّق على ظهر حصاني ولم أصب بأذى، لا أنا ولا حصاني، مضيت عمري على قارعة الطريق بين عدو وحبيب، لا أصدّق مما يحدث لي الآن، أصبحت أوهن من بيت العنكبوت، أنا أحتضر، هل حانت ساعة الموت! لو شافتني عدوتي معلق على اللوح لقالت عنّي طيب وفييّ الروح! المقصود، حتى عدوه الذي تمنى له الموت يوما، لن يصدق أنه يعاني من سكراته الآن!
توفي واصف مباشرة جراء سكتة قلبية عن عمر يناهز الثانية والخمسين، في ذات اليوم الذي تعمّد فيه طفله رشدي، لم يغب عن تفكير العائلة هاجس وفاته بالتسمم المتعمد بسبب المهنة التي امتهنها، جامعا العشور، في حينه، تراكمت الديون على الدولة العثمانية في العهد الحميدي، تضاعفت الضرائب وأنهكت العامة والفقراء.
تحول صوت الفرح إلى أهازيج حزن، طغت على غزة سحابة سوداء، لبس النهار ثوب الفقد، تحولت أهزوجة (طيري وهدي يا وزة عَ بلاد غزة يا وزة، قطف العنب بالسلة مقطوف مقطوف)! إلى تداعيات حزن ورثاء: (طير يا طير، يا إللي في السّما العالي، يا نِجْمة الصبح، يا اللي مقابلة داري، إن كان أبو رشدي غدا من حُكم الباري، يٍسْلَموا أولاده بداله ويْعَمْروا الدار)!
أوقفوا ابن أمس في الطابور، حملته إحداهن ومدت يده الصغيرة للمعزين، صافح الفطيم المعزون.
لقيت العبدة مصرعها بعد ذلك مباشرة، ألقيت من على سطح البيت دون أن يعرف عن هوية الجناة.
...
(1) العبدة: الخادمة، حسب منطق ذلك الزمان. نشطت تجارة العبيد من القرن الأفريقي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: غزل بالهوا الطلق مع حراسة مشددة ????????


.. المتحدة للخدمات الإعلامية توقف التعامل مع المخرج محمد سامي


.. صالات السينما في البحرين تعود للعمل بعد إغلاق دام أكثر من عا




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. Go Live - المنتج والمخرج ايلي معلوف