الحوار المتمدن - موبايل


رحلة صيد

دينا سليم حنحن

2019 / 12 / 8
الادب والفن


رحلـــة صيــــد
من قصص النكبة

حصلت الحكاية قبل سقوط فلسطين وانسحاب الإنجليز منها.
يكسو غابات فلسطين الصنوبر المثمر والسرو، اشتهرت الجبال بكثافة الأشجار والمنحدرات الرائعة التي تخلب الألباب.
قصد رشدي ربوع الوطن هربا من ضوضاء مدينة اللد، أمضى في الغابة وقتا خيرا كما تمضي السّماء إلى مَوكبِ العشاق كل ليلة، قرأ القصائد، وتأمل عظمة الكون.
في استراحة الظهيرة، أغلق الكتاب وأخذ يقارن جمال ما قرأه بين دفتيه وما يحيطه من جمال حقيقي وملموس، هيأ له خيمة صغيرة وضع فيها كل ما يلزم من أدوات القنص.
عشق الصيد كعشقه لروحه، خاوى جنان الأنهر وجنّات الليالي، تغنى بكوخ عتيق ظهر وسط الضّباب، وظلت جميلة على أبد الدهر ملهمة هذا العاشق اللهفان.
ترك خطواته للضياع على قِمَم جبال القدس، كزاهد، أودع حُلُـماً احتضنته نجمة خجلى، عشق المغامرة وما تحمله الطبيعة من أسرار، أسرار لا يعرفها إلا هو، شغف بالفجر وبالصباحات، احتضن الليل بلمسة صمت، عانق همس اليعاسيب ونصت لخرير الينابيع، ساوم ثغاء الماعز واستبدله بنقرات الطير داخل عشه.
اصطاد الصفاء وأحاجي الحفيف وأغلال السحاب، لاحق ظبية شاردة ببندقية مبصرة، صوّب نحو أعناق الطيور، لكنه لم يقنص سوى الشنّار.
ليلا والسماء مقمرة، وجّه عزمه إلى النوم، سمع جلبة وحركة أقدام تقترب منه، البندقية بعيدة ولم يستطع الوصول إليها، أمره أحدهم بأن يرفع ذراعيه مستسلما، طالبه صوت آخر بالمال، وبقي الثالث صامتا، تبعه لصوص من قطّاع الطرق دون أن يلحظ ذلك، أخبرهم بصوته الحازم عدم امتلاكه مالا، يملك بندقية ستخترق صدورهم إن تجرأ أحدهم الإقتراب، نبح الكلب بشراسة، حرره حديثا من مركز الترويض، الكارانتينا(1) الواقع في تل أبيب، أمضى (هوركوليس) الكلب فترة تدريب مكثفة، خرج محقونا بالشراسة المشبعة بالمرونة وحكمة الإقدام، تمرّن وتمرس في كيفية إقصاء المعتدي والقيام بحماية المعتدى عليه، أفشل المهمة، هجم مثل الصاعقة، فر اللصوص قبل أن ينقض عليهم، زجره صاحبه وأمره بالعودة، أتقن (هوركوليس) التقاط الفريسة من جناحها والعودة بها دون أن تتلوث بالتراب.

انتشرت شائعات حول اقتحام بعض الجنود الإنجليز بيوت المدنيين بنيّة البحث عن أسلحة، خشيت جميلة من زغب الحجل المكوّم داخل حاوية الزبالة، فكرت في إجابات مقنعة ترويها إن حصل وسألوها عن الصياد الذي اقتنص الطيور مستفسرين عن البندقية، احتارت وقلقت.
أغمض رشدي عينيه لنسمة عابرة، هبّت دون موعدها فاستسلم لها، كم هي مدهشة هذه النسمة التي دعته يبتسم برهة! لمسته لحظة سعادة، خَطْفة أمل ميسورة، لكن، فجأة، تحولت السعادة إلى غضب عارم، رمت الحنق الصامت داخله فأثارته، تسربت، اخترقت أنفاسه، اقتربت منه وقع أقدام صلدة، اقتربت أكثر، كأنها خبب ثعالب، سقط في مكيدة.
اهتاجت دواخله، صرخ بصوت شحيح، لاك شيئا من الغضب، غمرته أفكارا سوداوية، انحنى أرضا، مسّد التراب، حمل حفنة، وضعها على رأسه وصرخ:
- هذا التراب... هذا هو التراب... هذا الذي...
- ماذا بكَ... ما بهِ هذا التراب؟ سألته جميلة.
- هذا الذي سيواري أحلامنا جميعا.
...
(1) كارانتينا: استخدمتها الألسن، لفظة لاتينية وتعني أربعين، مركز صحي خاص بالحيوانات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاب يقلد الزعيم عادل إمام في مسرحية شاهد ماشفش حاجة


.. بحبك يا أجمل قلب ?? رسائل مؤثرة من الفنانة لبلبة إلى الزعيم


.. الممثل #السوري أيمن زيدان: سأدعم هذا المرشح لرئاسة #سوريا له




.. فضيحة كومبارس في مسرحية الانتخابات: أنا تفاجأت - Follow Up


.. يرسم لوحات فنية بطعم الحلوى!