الحوار المتمدن - موبايل


بعيدا عن الطائفية والعنصرية ... قريبا من الوطن

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2019 / 12 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


لا شك أن الإنتفاضة التشرينية التي إندلعت في الأول من تشرين الأول هذا العام , كانت بدوافع وطنية مخلصة لإنقاذ العراق من ثالوث الفساد والفقر والتبعية , بعد أن ضاق الشعب ذرعا بوعود حكامه الفاسدين والمفسدين, التي لم يجنوا منها شيئا سوى المزيد من الخراب والفساد , والبطالة وتفشي الجهل وتردي الخدمات ونهب المال العام . ناهيك عن إنعدام الأمن والآمان والإستقرار , حيث لم يعد هناك بدا من الثورة والإنتفاضة الشعبية العارمة بوجه هؤلاء الحكام الفاسدين السادرين بغيهم. ولأن الشباب هم أكثر الفئات حيوية ونشاطا وعنفوانا وتطلعا إلى مستقبل وضاء, لعراق يؤمن لهم ولشعبهم حياة حرة وعيش كريم, وبخاصة الفئات المتعلمة من خريجي المعاهد والكليات والجامعات العاطلين عن عمل , الذين كانوا هم دوما شرارة الإنتفاضات في العراق, وهكذا هو ديدن الشباب في كل زمان ومكان , لذا فأنه ليس غريبا أن يكون الشباب في طليعة المتظاهرين ومحرك الإنتفاضة الأساس ووقودها.
وها هي الإنتفاضة التشرينية قد دخلت شهرها الثالث ولم تحقق بعد مطالبها الأساسية بتحقيق تغيير جذري ببنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الأثنية والطائفية , وأن كانت قد حققت حتى الآن بعض المكاسب التي لا يستهان بها , أبرزها محاولة مجلس النواب تشريع قانون الإنتخابات النيابية الذي ما زال يواجه معارضة شديدة من قبل أعضاء مجلس النواب الكرد بمختلف توجهاتهم وإنتماءاتهم الحزبية , حيث أنهم يصرون على رفض نظام الإنتخابات على أساس الدوائر الإنتخابية المتعددة والترشح الفردي, الذي في حقيقة الأمر يعني قانونا إنتخابيا منصفا وأكثر عدلا وتمثيلا لمختلف فئات الشعب, وتصر الأحزاب الكردية على بقاء أو إجراء تعديلات طفيفة على قانون الإنتخابات الحالي القائم على أساس القوائم الحزبية التي تتنافس في دائرة إنتخابية واحدة لعموم العراق ,وذلك لضمان هيمنة وسيطرة هذه الأحزاب التي لم يجني منها العراق سوى الخراب والفساد , ودون إي إكتراث لمطالب المنتضفين . ولا عجب بذلك فقد ساندت هذه الأحزاب علانية بقاء الحكومة العراقية المستقيلة وعدم تأييد المطالبة بتغيرها , كونها الحكومة التي حققت لها مكاسب جمة على حساب الشعب العراقي دون مقابل.وبرغم الجدل العقيم القائم الدائر حاليا في أروقة مجلس النواب, ومحاولة بعض الكتل السياسية الإلتفاف على مطالب المتظاهرين بتشريع قانون إنتخابي أكثر عدلا وإنصافا لتمثيل الشعب, وإفراغه من محتواه الديمقراطي , فإننا على ثقة من أن الأيام القادمة ستشهد في جميع الأحوال تشريع قانون إنتخابات أفضل كثيرا من سابقه, ومجلس مفوضية مستقلة للإنتخابات بعيدة عن نظام المحاصصة الطائفية والأثنية .
كما أنها المرة الأولى التي تضطر فيها حكومة عراقية على الإستقالة منذ عام 1958 وحتى يومنا هذا ,نتيجة الضغط الشعبي الذي مارسه المتظاهرون عبر مظاهراتهم السلمية , وهذا إنجاز آخر لا يستهان به كونه يمثل خطوة أولى لتمهيد طريق تشكيل حكومة وطنية أكثر مصداقية وتعبيرا عن نبض الشارع العراقي, والعمل على تحقيق مطالب الشعب الإصلاحية ومحاربة الفساد والمفسدين , وإسترداد أموال العراق المنهوبة, وبسط الأمن والأمان في عموم ربوع العراق, وتأمين حياة كريمة لجميع العراقيين . ولا يبدو أن قادة الكتل السياسية المتصدرة للمشهد السياسي الحالي قد إستوعبت ما يجري في الشارع العراقي من حراك شعبي ثوري , يهدف لإجراء تغييرات حقيقية في بنية النظام السياسي القائم حاليا , ولا يهدف إستبدال شخوص سياسية بأخرى في إطار اللعبة السياسية القائمة على أساس المحاصصة الطائفية والأثنية التي ما زالت تدور في فلكها تلك الكتل . لذا فإن ما يتداوله أعضاء مجلس النواب من أسماء محتملة لرئاسة الوزراء لا يدل على وجود أية نية حقيقية لدى قادة الكتل السياسية بمغادرة نظام المحاصصة إطلاقا , ولا نعتقد أن هذه الترشيحات ستلبي مطالب المتظاهرين بحدها الأدنى . ناهيك عن أن هذه الأسماء لا تملك الحنكة السياسية التي تمكنها من إدارة الأزمة الخانقة التي يمر بها العراق منذ أكثر من ستة عشر عاما.
أن ما يحتاجه العراق حاليا رجال دولة ذوي مقدرة وخبرة سياسية ومراس ومكانة إجتماعية مرموقة, رجال شجعان لا تأخذهم في الحق لومة لائم , قادرين على ضبط أمن العراق وإستقراره , ومحاربة الفساد والمفسدين وبخاصة حيتان الفساد وعصابات الجريمة المنظمة والمليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية , وليس طلاب مناصب لا هم لهم سوى الإثراء على حساب المال العام . يتوهم من يعتقد أن تكليف من يوصفون بالأكاديميين أو التكنوقراط بقيادة العراق بوضعه السياسي المعقد, يمكن أن ينقذه من وضعه المأساوي الحالي. أن جلّ ما يمكن أن يقدمه التكنوقراط الإنخراط في حكومة وطنية يقودها رجل دولة, يمكنهم من توظيف قدراتهم لرسم خططها وتنفيذ برامجها . كما يتوهم أكثر من يعتقد أن إنقلابا عسكريا بترتيب أمريكي وبدعم خارجي ربما يكون حلا لأزمات العراق التي يبدو أنها باتت مستعصية في نظر البعض.
ولكي لا تذهب الدماء التي سفكت هدرا في سوح التظاهرات , فأنه ينبغي أخذ أعلى درجات الحيطة والحذر من المحاولات المشبوهة التي تجري في السر والعلن من قبل أحزاب ودول أقليمية ودولية للإجهاز على الإنتفاضة وسرقة مكتسباتها وتوجيهها الوجهة التي تخدم مطامعها ومصالحها الضيقة, حيث تتناقل الأنباء وبعض وسائل الإعلام , جولات مكوكية لبعض قادة الأحزاب والكتل السياسية المشاركة في السلطة لبعض دول المنطقة لتلقي الدعم والإسناد لها وبما يؤمن مصالحها وعدم فقدانها لمراكز نفوذها . وفي المقابل تقوم بعض الأحزاب والحركات السياسية المعارضة للنظام السياسي الحالي في العراق ,بعقد التجمعات والمؤتمرات السياسية في بعض دول المنطقة والعالم وبدعم مباشر من حكومات تلك البلدان , بهدف ركب موجة التظاهرات العارمة في العراق والعمل بكل الوسائل لتوجيهها بما يخدم أهدافها وتوجهاتها . والغريب أن بعض هذه التحركات تعقد في الولايات المتحدة الأمريكية وتحضى برعاية الإدارة الأمريكية ودعمها , وكأنها تستهين بذاكرة العراقيين وما حل بالعراق من نكبات ودمار وفقر وجوع وقتل وتشريد جراء سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدى عقود , متجاهلة أنها المسؤول الأول عن تدمير العراق , وأنها هي من أوصلت حكامه الحاليين إلى سدة الحكم عبر نظام المحاصصة الطائفية والأثنية , وجعلت منه ساحة للإرهاب الدولي وتصفيات حساباتها مع دول المنطقة . والأغرب من كل ذلك أن بعض المشاركين في التجمعات كانت وجوه بارزة في النظام السابق الذي أطاحت به الولايات المتحدة الأمريكية نفسها, وألأدهى أنهم يقدمون أنفسهم الآن بديلا مناسبا للنظام السياسي الحالي في العراق ويتطلعون إلى دعم الولايات المتحدة الأمريكية وإسنادها دون حياء.
وعلى صعيد الداخل تحاول بعض الكتل والأحزاب السياسية خلط الأوراق , وتشويه سمعة المتظاهرين وحرفهم عن منهج التظاهر السلمي , بجرهم إلى التصادم مع القوات الأمنية , أو الإعتداء على بعض الممتلكات العامة والخاصة ومنها مباني ممثليات دول أجنبية معتمدة في العراق , أو رفع شعارات وصور لرموز دينية بهدف إثارة البلبلة والفوضى بين صفوف المتظاهرين , أو إقتحام مراقد قبور لشخصيات لها من يؤيدها بهدف جرها إلى معارك جانبية لا علاقة لها بأي إصلاح . والأخطر من كل ذلك إقتحام مجاميع مسلحة مختلفة لساحات التظاهر وتصادمها مع المتظاهرين من جهة وإرتكابها فضاعات لا يقبلها عقل , وتصفية الحسابات فيما بينها من جهة أخرى لفرض هيمنتها وسيطرتها في غياب أي دور للجهات الحكومية العسكرية والأمنية بصنوفها المختلفة التي يفترض قيامها ببسط الأمن والإستقرار في كل مكان,ومحاسبة كل الخارجين عن القانون , فالعراق يعيش اليوم فوضى لا مثيل لها.
وفي ضوء ما تقدم وبنظرة سياسية واقعية , لا نرى في المنظور القريب أن هناك إمكانية لهدم النظام السياسي القائم حاليا في العراق بطريقة البلدوزر أي إقتلاعه من جذوره مرة واحدة , وذلك لتعقيدات الوضع السياسي الداخلي الذي ما زالت الطائفية السياسية تلعب دورا هاما فيه , فضلا عن مداخلات الدول الإقليمية والدولية وبخاصة إيران والولايات المتحدة الأمريكية اللذان لكل منهما حضور فاعل ومؤثر في العراق , ولا يتوقع من كل منهما أن يقف مكتوف الأيدي أزاء أي تغيير لا يروق لهما ووربما يجرذلك البلاد نحو المجهول أو حرب أهلية لا سامح الله, ناهيك عن موقف سلطة إقليم كردستان وأحزابها السياسية التي لم تعلن صراحة تأييدها للإنتفاضة , ربما الصحيح هو العكس حيث تجد سلطة الإقليم أنها فرصة مناسبة لإعلان كيانها المستقل أو في الأقل توسيع هيمنتها على محافظة كركوك وما يعرف بالمناطق المتنازع عليها . يمكن حصر الأهداف الحالية بتفتيت النظام تدريجيا بالتخلص من كبار رجال السلطة الفاسدين الحاليين والسابقين ومحاسبتهم وفضحهم وتجريدهم من قواعدهم التي تعكزوا عليها سنين طويلة. ولعل أولى مراحل تفتيت النظام الحالي يمكن أن تبدأ بإستصدار قانون إنتخابي عادل على أساس الدوائر المتعددة والترشح الفردي ,الذي يمكن أن يمهد لإنتخابات نيابية مبكرة , وإنبثاق مجلس نيابي أكثر تمثيلا للقوى الوطنية الساعية لبناء عراق ديمقراطي جديد أكثر عدلا وإنصافا لشرائح المجتمع العراقي , وحكومة وطنية عراقية شاملة جامعة لجميع العراقيين.
وأزاء كل هذه التحديات وتداعياتها , وبعيدا عن كل أشكال الطائفية والعنصرية التي ما زال يروج لها البعض في السر والعلن عبر وسائل التواصل الإجتماعي بعبارات منمقة وبأشكال مختلفة مفبركة, وبدون وازع أخلاقي, وإنطلاقا من ضمير الإنتماء الوطني الصادق المفعم بحب العراق وشعبه الذي عانى الأمرين على مدى عقود , فأنه يحدونا الأمل أن تعلن تنسيقيات الإنتفاضة الشعبية الآتي :
1. قيادة واضحة قادرة على إدارة دفة الصراع الوطني مع خصومها المتمثلين حاليا بالأحزاب والكتل السياسية من مختلف التوجهات والطوائف والأثنيات المتصدرة للسلطة.
2. إعلان واضح وصريح لأهداف الإنتفاضة المرحلية والمستقبلية, حيث ما زالت مطالب المتظاهرين غير موحدة ومتباينة.
3. إعلان برنامج عملي لكيفية ترجمة الأهداف إلى أفعال ضمن سقوف زمنية محددة.
4. تحديد النظام السياسي المنشود , فهناك من ينادي بالنظام الرئاسي , وهناك من ينادي بإلغاء الأحزاب ... الخ.
5. تحديد شكل الدولة العراقية بين المركزية واللامركزية والفيدرالية والكونفدرالية.
وبذلك يمكن قطع الطريق على كل المتصيدين في الماء العكر , والساعين لركب الموجة والإنتهازين ذوي المصالح الخاصة . ولا يمكن قبول تبرير عدم إعلان قادة الإنتفاضة , بالخوف على سلامتهم في ضوء التصفيات الجسدية الجارية حاليا بحق بعض النشطاء المدنيين , فالقيادة التي لا تقدر جماهيرها على حمايتها, لا نعتقد أن بإمكانها تحقيق النصرالمؤزر على خصومها المدججين بالسلاح والمعبأين بكل أشكال الحقد والكراهية ضد كل من يحاول نزع السلطة منهم , فالثورات الإصلاحية الناجحة , إنما نجحت وقادتها في مقدمة صفوف جماهيرها, وحتى ولو أن هؤلاء القادة لم يعلنوا عن شخوصهم , فأنهم أعلنوا عن هوياتهم السياسية ومعتقداتهم وتنظيماتهم, وهو ما لم نعرفه حتى الآن عن هويات قادة الإنتفاضة والجهات الساندة لها








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس حكومة الهند: ملتزمون بالتوجه للطاقة النظيفة


.. رئيس حكومة بريطانيا: نرحب بعودة واشنطن لمسار مكافحة التغير ا


.. عراقي يقود حملة لتحويل ظلام ليل الموصل إلى نور




.. إسرائيل.. انفجارات في مصنع وسقوط صاروخ.. رواية إسرائيلية وأخ


.. الأمن الروسي يحتجز مواطنا تجسس لصالح أوكرانيا في سيفاستوبول