الحوار المتمدن - موبايل


وداعا أيها القطار..

عبدالإلاه خالي
(Abdelilah Khali)

2019 / 12 / 15
الادب والفن


قصة قصيرة تطورت بفعل الزمان فصارت قصتين، الأولى بعنوان: "قطار يسير" والثانية بعنوان: "وداعا أيها القطار..".

لا يدري كيف وجد جبريل نفسه داخل هذا القطار.. لم يع إلا وهو مندس بين آلاف الركاب.. لا بل قل ملايين.. بعض الركاب يجلس على المقاعد والعدد الأكبر في الممر.. لا تكاد تعرف البشر من الأمتعة.. الأمهات يتكومن على أطفالهن، فالمكان المخصص للأم لا يتسع لها ولابنها.. صداع حاد استوطن رأس جبريل منذ أن وعى وجوده من بين الركاب.. القطار قديم، عجلاته صدئة، هيكله مهترئ، مقاعده قضمتها الأرضة، عرباته أضحت بلا نوافذ وبلا أبواب.. الركاب رؤوسهم مومياوية، أصواتهم هرمة، لا يبصرون أبعد من طرف أنوفهم.. القطار يسير.. يطوي الأميال تلو الأميال.. لكنه غير منضبط في سيره.. عشوائي في توقفاته.. أحيانا يتوقف في محطات غير معلومة المكان.. وأحيانا يتوقف في الخلاء.. وأينما توقف يصخب المكان.. أناس ينزلون وآخرون يركبون.. لا أحد يرى ولا أحد ينتبه.
بين الركاب ثلاثة أشخاص كل واحد منهم يضع على رأسه قبعة.. كل قبعة بلون.. أحمر وأبيض وأصفر.. وكلما وصل القطار إلى إحدى المحطات هرع الأشخاص الثلاثة إلى أبواب العربات.. فيقف ذو القبعة البيضاء بالعربة الملاصقة للقاطرة.. وينتصب صاحب القبعة الحمراء بآخِرِ عربة في القطار.. فيما يقف الذي يرتدي قبعة صفراء في منتصف القطار.. ثم يأخذون في الهتاف والمناداة على الناس.. يحترفون الصراخ المؤقت.. يقال أنهم يساعدون المسافرين على الصعود..!
لاحظ جبريل أمرا بدأ يتكرر مشهده في المحطات الأخيرة.. كلما دخل القطار محطة وقف رجل كهل، ذو قامة مديدة نحيفة ولحية بيضاء كثة.. يتطلع في غمرة الضجيج والصراخ بعينين ثاقبتين إلى مقدمة القطار.. الناس يهرولون مثنى وثلاث ورباع، جيئة ورواحا، نزولا وصعودا، والرجل ثابت لا يتحرك.. يمتلأ القطار وينطلق ماخرا عباب المجهول، بينما يبقى هو في مكانه بالمحطة مُركِّزا نظره على القاطرة..
من يكون هذا الكهل القائم؟
أحقيقة هو أم مجرد شبح انبعث في ذهن جبريل بفعل الصداع الكامن في رأسه؟
الزمن يمتد والقطار ما يزال يسير مخترقا الهواء.. اقترب من محطة.. فشقّ صفيرُهُ الصمتَ المُطْبَقَ بداخله.. رفع الرجال الثلاثة أياديهم إخبارا منهم بخطاباتٍ سيُلقُونها.. دخل القطار إلى المحطة فتعالى الصراخ واخترقت الضوضاء القطار من جميع الجهات.. ضجيج قتالي.. صخب هستيري.. خطر لجبريل خاطر بالالتحام مع هذا الضجيج، فلربما وجد فيه مُسكِّنا للصداع الذي يفتك برأسه.. لكن سرعان ما تخلى عن الفكرة إذ رأى فيها هبوطا إلى القاع.. ذوو القبعات يرغون ويزبدون.. يغرون الركاب بكلام معسول منمق.. كان الناس يمتطون العربات غير عابئين بهم.. أقلع القطار تاركا وراءه ذلك الرجل.. سَمْتٌ مهيب وَوَجْهٌ يتهلل إشراقا يرقب القاطرة في صمت.
الصداع يحطم رأس جبريل.. مطارق تضرب جدران جمجمته.. نهض يتمشى.. ينتقل من عربة إلى عربة.. لعل الحركة ورؤية الناس تنسيه آلام الصداع.. كان يرتدي جلبابا ليس له لون محدد..
وقف بباب إحدى العربات.. الرؤوس متثاقلة.. متساقطة فوق الصدور والأكتاف بفعل سلطان النوم الذي يسري في العربة.. بعض الركاب ينام فوق الأمتعة المصفوفة على الرف.. الدخان يتصاعد من كل الأفواه والأنوف.. الشخير يتعالى في العربة.. جثث مخدرة بالنوم والاستسلام.. النوم عندهم أثمن من الحياة ذاتها.. لا أحد يسمع، لا أحد يتكلم.. الصداع يزداد عنفا وطَرقاته تكاد تفقد جبريل صوابه.. التهَمَ من الحبوب ما يكفي لتخدير عشرة جمال لكن لا فائدة. تسلل إلى العربة الموالية ببطء متملصا من الجثث التي التصقت به.. أصابته دهشة.. ما هذا؟! الكل منشغل بالطعام، هذا يقشر بيضا، وذاك يمصمص عظم دجاجة، وثالث يلتهم حبات من البطاطس المصلوقة.. للحظة خيل لجبريل أنه بمخزن أغذية.
حمل صداع رأسه وبين الأجساد المحتشدة شق طريقه إلى العربة الموالية.. وجد الكلام يملأها، كلاما لَوْ وُزِّعَ لملأ قارة بأكملها.. كل يتكلم مع جاره.. الجاران يتكلمان أحيانا ولا أحد منهما يستمع للآخر.. بدأ صدر جبريل يضيق.. إنه هبوط حتمي.. الصداع يفتت عظام جمجمته.. وكلما امتد الزمن تمدد الصداع ليشمل كل جزء من جسده..
انسل من بين الأجساد.. ووقف بباب العربة الموالية.. صعق..! أفي يقظة هو أم في حلم؟! إنهم يضحكون.. يغنون ويرقصون.. الضحك يرج العربة.. يضحكون بفجور نسائي. أخرجت فتاة منديلا وشدته على خصرها ثم أخذت تهز جذعها.. تطاولت رؤوس الركاب وتطلعت.. عيونهم تخترق ثيابها وأنوفهم تنغرز تحت ملابسها الداخلية.. أسنانهم تصطك وأوصالهم ترتجف.. تنطلق منهم صيحات كحشرجة ذبيح وخُوار كخوار الثيران.. مصمص أحدهم شفتيه ليلتقط ما أفرزته غدد فمه وسال على ذقنه.. غنت الفتاة بصوت متغنج:
- "يا ليل.. يا عين"
فرددوا في نغم متجاوب:
- "يا عين.. يا ليل".
الصداع يتكدس في رأس جبريل.. رغبة داخلية تدعوه مرة أخرى إلى الانصهار في هذا الوسط.. قاومها في حزم. أحس بقدميه وقد تورّمتا بشكل تكادان فيه أن تفلقا الحذاء وتخرجا منه.. أما ساقاه فيبدو أنهما لم تعودا تطيقان حمله.. أصيب بدوار فكَاد يسقط.. لا بد من عمل شيء وإلا فالانفجار هو النهاية الحتمية.. قرر أن يقصد قائد القطار.. لعله يجد عنده ما يهدئ به صداع رأسه.. بدأ يخترق جموع الجثث، كلما تملص من جثة التحم بأخرى.. ببطء ومعاناة تمكن من التخلص من قناطير اللحم المتكومة في الممر.. وصل متهالكا إلى حيث القاطرة.. التقط أنفاسه ثم مدّ يدًا مجهدة ونقر على الباب.. انتظر قليلا فلم يفتح الباب.. عاود الطرق لكن دون جدوى..! الصداع يفتك بخلايا دماغه ويفرض على عينيه عمى إجباريا.. تجمّع الغضبُ كلّه في يديه وهو يعاود خبط الباب بهما.. سمع جلبة داخل القاطرة فثبت في مكانه منتظرا. وبعد هنيهة انفتح الباب وأطل منه رجل دبّت الشيخوخة في أوصاله.. أصلع الرأس، قصير القامة، ذا كرش كبيرة مكتنزة، وَجْهه متجعد مغضن وعيناهُ دون أهداب كعَلامَتَيْ صفر.. بدا متعبا مثقل الجفنين.. يزفر أنفاسا ثقيلة مخمورة.. ضيّق عينيه ثم قال وهو يتفحص جبريل:
- ‹‹ ماذا تريد يا حبيبي؟! ››.
وبنبرات ضارعة قال جبريل:
- ‹‹ هل لك أن تساعدني يا سيدي.. صداع فظيع يحطم رأسي والزحام يكاد يخنقني..!؟ ››.
ترنح القائد وقال ولسانه يتلعثم:
- ‹‹ تزاحموا تراحموا!.. ››. قالها وضحك ضحكة هستيرية مخمورة كشفت عن أسنان حادة ثم أغلق الباب!!
هز جبريل رأسه بأسى.. شعر للحظات برهبة قاتلة ثم مالبثت الرهبة أن تحولت إلى وحشة خاوية.. نظر من نافذة العربة فرأى طفلا يسقي شجيرات صغيرة.. تذكّر الرجل الكهل فحنَّ لوجهه النضر.. استدار وألقى نظرة على الركاب فتجلى له العبث رجلا واقفا: غناء ورقص.. لغو وثرثرة.. الأكالون يمضغون والنائمون يشخرون.. قوم لا يفقهون.. لا يعون..
القطار يواصل سيره.. لكن إلى أين؟ وكيف؟ وإلى متى؟ استفهامات عريضة انقضت على جبريل.. سمع ضجيجا يحدثه القطار نتيجة احتكاك عجلاته بالقضبان.. بدأ ضجيج الناس يرتفع والأشخاص الثلاثة يتصايحون.. وفي الأعلى نفير أبواق.. تناثر بخار المكان كاشفا عن قامة منتصبة برصيف المحطة..
إنه هو..
الرجل الكهل.. بعود فارع نحيل وبرنوس أحمر فوق لبسة بيضاء ناصعة يقف محدقا في اتجاه القاطرة.. أحس جبريل براحة مجهولة تستولي عليه.. تنتشله من بين أحضان الضياع والألم.. إن تلك الرغبة في الالتحام والانصهار لم تكن سوى دعوة لخياطة كفن موته المجاني.. العلامة المعلنة عن ركونه لمخابئ الذل والهوان والبرهان على امتطائه صهوة الاحتضار.
توقف القطار وكان جبريل قد استجار بباب أقرب عربة بعد أن ظهر له أنّ صراخ القوم مشتبكٌ بطريقة غير مجدية، صُراخٌ يُعَمِّي على الصراع الحقيقي ويعرقل طبيعته.. شعر جبريل بأن حدة الصداع تخف في رأسه.. نزل في نشاط ومضى.. مضى في خطوات ثابتة في اتجاه الرجل القائم على الرصيف.. وقف إلى جانبه.. أحس بطراوة ريح تهدهده وتدثره بحماية ناعمة.. رأى نفسه مولودا تفتحت عيناه على الحياة.. دق جرس المحطة منذرا بتحرك القطار.. كان الليل قد توغل.. دياجير الظلام الحالكة تسد الأفق.. لم تكن ثمة نجوم تزين صدر السماء..
سلط جبريل نظره على القاطرة..
بعد أيام صار الرجلُ الكهلُ قائد القطار..
وصحب جبريلُ الشيخَ سنوات.. سنوات هدأ فيها الصداع..
صداع رأسه..
فارتأى الكاتب وضع حد لقصة عنوانها "قطار يسير" متوهما أن القطار في طريقه من الظلمات نحو النور.. إلى أن انتبه جبريل ذات يوم، فرأى نفسه رَجُلَ كَهْفٍ يعيش في قطار قديم لا نور فيه.. فعاد الكاتب لقصته محاورا شخصياته من جديد..
الظلام في كل مكان والركاب تغشاهم شريعة الغاب..
القوي ينتزع لقمة الضعيف والنساء تحت رحمة الرجال..
لا عدل.. لا رحمة..
وعاد الصداع يهشم رأس جبريل.. صداع أخطر من السابق، فصداع اليوم يحمل إلى جانب الألمِ تأنيبَ الضمير، إذ لولا جبريل ما بلغ الشيخ القاطرة!
ماذا وقع لك يا جبريل؟!
ألا ترى كيف تذبح معاني الإنسانية في كل ركن بالقطار؟!
أهذا ما كنت تحلم به؟!
حمل جبريل توجساته ووضعها فوق سجادة شيخ القطار قائلا:
- ‹‹ حَسِبْتُكَ سترسي قوة الحق فأرسيتَ حق القوة! ››.
تفرّس الشيخ وجهَ جبريل بنظرات حادة ملئها الحقد والضغينة ثم دق ناقوس إنذار.. ولم يشعر جبريل إلا وهو محاط بخمسة رجال مفتولي العضلات.. أمسكوا به وعلقوه على صليب.. قال له الشيخ وهو يتأهب للذهاب إلى خلوته اليومية:
- ‹‹ العناصر الشاكة والمتشككة لا مكان لها بالقاطرة! ››
ظل جبريل مصلوبا ثلاثة أيام ثم فَكَّ الشيخ سراحه بشفاعة من مريد مقرَّب. وفي أقرب محطة قُذِفَ به إلى الرصيف..
وبكى جبريل.. بكى بحرارة كطفل.. ثم استمات فاستقل أقرب طائرة..
ولم يعد يشعر بالصداع..
لقد هدأ الصداع..
هدأ تماما..
ونام بالطائرة.. نام نوما عميقا لا منغصات فيه.. ولم يستفق إلا على صوت ‹‹سينوڤا››، مضيفة بالخطوط الجوية النرويجية، وهي تقول بصوتها التجاري:
ـ ‹‹ نحن على استعداد للهبوط في مطار أوسلو، الرجاء ربط الأحزمة والامتناع عن التدخين. ››








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الرمزية الواقعية
سلام حفظة ( 2020 / 5 / 3 - 03:05 )
أدب روسي رائع: الفكرة صافية والرمز واضح معبر


2 - جبريل
باهي باشا ( 2021 / 2 / 28 - 20:36 )
قصة جميلة لكن ما دلالة اسم جبريل الشخصية الرئيسية في القصة؟ أعياني السؤال عن العلاقة بين هذا الإسم ومضمون النص

اخر الافلام

.. كاظم الساهر يتحدث للحرة بعد حفلة دبي: كانت حفلة رائعة و-قصيد


.. السويد: اجتذاب الأبقار للحظائر بالغناء | يوروماكس


.. مراجعة ليلة الامتحان في اللغة الفرنسية للصف الاول الثانوي




.. راجل و 2 ستات - الإعلامي مفيد فوزي يوضح لماذا غضبت منه أم كل


.. بشفافية مع تمام | الحلقة الثامنة والأربعون - الفنانة هالة ال