الحوار المتمدن - موبايل


نعُوشة

فتحي البوزيدي

2019 / 12 / 16
الادب والفن


جدّتي
تحبّ السّماء كثيرا.
بيدين مرفوعتين إلى الغيمة
تطلب المطر.
أمنيات الفلّاحاتِ ماءُ البحر يتبخّر.
لكنّ الله لا يفتح أبوابه دوما..
و السّحب قد تسرِقها الرّيح.
جدّتي
تحبّ السّماء كثيرا.
بعينين معلّقتين
بعيدا..بعيدا...
وراء الشّمس,
و القمر,
و النّجوم...
تعلّق الدّعوات مثلما تعلّق مصباح الزّيت على جدار الكوخ
لكنّ الله منذ كهوف و كهوف
لم يُلْق نوره في صدر الأرض الحزين..
و الضّوء..
انطفأ في عيني جدتي الكفيفتين.
هي
تحبّنا كثيرا..
تحبّنا حتّى أنّها لا ترى على الأرض غيرنا.
بلا عينين
ترانا
بعينيها الكفيفتين
ترانا
بلا عينين
استطاعت أن ترجمني بنعلها على مؤخّرتي يوم قلت:
- "مثل الإغريق أنتِ تظنّين أنّ الآلهة تقيم في الأعالي...
هم مثلكِ
يرفعون الأمنيات/ يعلّقون الدّعوات
بقمّة الأولمبس..
لستِ مثلهم –ربّما-
لأنّك تستبدلين الجبل سماء."
ما زلتُ –يا جدّتي-أطارد نفسي بلعنة الحيرة منذ رجمتِني..
ما زلتُ أكتم عنكِ لون تفّاحة غصّت بها حنجرتي مثلما يكتم المصباح نوره عن عينيكِ الكفيفتين.
الكلمات
الأسئلة
أفكاري المحرّمة
ديدانٌ
تأكل تفاحتي ..
تسكن حنجرتي.
في الصّمت..
في الغصّة..
في الكتمان..
خوفا
من الرّجم
من اللّعنة
كتمتُ عنك مفارقةً تأكلني:
أنت يا جدّتي تحبينّ السماء كثيرا
لكنك
تخشيْن علينا ما قد يصيبنا منها!
من الأفق البعيد..
حيث الغيمة و الشمس و القمر و النجوم..
حيث إلهك و آلهة الإغريق
يأتي طائر النعوشة
طائر
يختطف الرضّع..
يخنقهم.
و أنت التي تحبّين السماء تخشين علينا منها!
أنت التي تحبّين السماء أوصيت أمّي أن تحرسنا منها.
ما كنت أعرف هذا الطائر.
ما كنت أصدّق عيني جدّتي.
اليوم
طعنت في الخيبات
الوطنيّة
العاطفيّة
و كلّ الخيبات الخاضعة لتقويم دموع صارت حجارة في عينيّ
و ربّما صارت على وجهي مئات البثور.
أنا من أولئك الذين اعتادوا البكاء فتجمّد الماء في مآقيهم.
أنا من أولئك الذين يحتفلون بأعياد حزنهم كلّ سنة .
حين أجوع
أطرد حبيبتي من فم قلبي
حين أجوع
أقذف البوليس بدموع من حجر اعتراضا على الترفيع في ثمن الخبز.
أقشر بثور وجهي
أبحث عن الدمعة فلا أجد غير القيح و الدّم.
اليوم
طعنتني هزائمي
من الظّهر إلى النّحر
لست ديهيا و لا الحسين
لكنّي
بلغت مثلهما الطّعنة الألف من الغدر.
في هذه السنّ رأيت في السّماء حشدا من طيور النعوشة.
أظنّها
تشبه جرادا يكسوه ريش و ظلام,
إلاّ أنّها أكبر حجما من الحشرات و الليل.
رأيت
شجرَ الزيتون
السّنابلَ
الأمّهاتِ
رأيتهنّ
واقفاتٍ يحرسن أبناءهنّ.
أكبر الجرائم أن تمطر السماء
بالخوف..
بالقنابل..
بطيور النعوشة..
و بالموت..
أكبر الجرائم
أن تُخنَق
الثمرةُ
حبّةُ القمح
الرضّعُ
في رؤوس الأمّهات
في أرحامهنّ
لم تكن طيور النعوشة وحدها تخنقنا.
في قريتنا..
يَخنُق النّاس أنفسهم,
يبتلعون ألسنتهم,
بأفواه قلوبهم يأكلون مَن يحبّون.
لا يحتفلون بالعيد السنوي للحزن
لا يقذفون البوليس
بالدّمع
بالحجر
كلمتهم الأخيرة
قبل أن يبتلعوا ألسنتهم..
قبل أن يغلقوا أبواب التّوابيت عليهم:
"شكرا أيّها الصمت لأنّك تدرّبنا على الموت"
أنا أيضا يا جدّتي
خنقتني قبل النعوشة
غصّة التفّاحة تأكلها الدّيدان بحنجرتي








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: غزل بالهوا الطلق مع حراسة مشددة ????????


.. المتحدة للخدمات الإعلامية توقف التعامل مع المخرج محمد سامي


.. صالات السينما في البحرين تعود للعمل بعد إغلاق دام أكثر من عا




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. Go Live - المنتج والمخرج ايلي معلوف