الحوار المتمدن - موبايل


الشيوعيون والبرجوازية المحلية

ناجح شاهين

2019 / 12 / 21
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


(اليسار الفلسطيني يتماهى نظرياً في هذا اللحظة مع مقولات البنك الدولي التي تركز على حقوق المرأة والمثليين ودعم الفئات المهمشة. أما الصراع ضد الطبقة البرجوازية والاستعمار العالمي أو العدو الصهيوني فقد اختفى إلى حد كبير من خطابه وممارسته)
يفترض بحسب التقاليد التي يحفظها أبناء اليسار الحالي أو السابق أو المتقاعد أو المستقيل، عن ظهر قلب، أن الطبقة الرأسمالية هي العدو المركزي للطبقات الشعبية وقيادتها الثورية اليسارية. وما يفترض أنه يميز اليسار عن اليمين في فلسطين خصوصاً هو الموقف من الاحتلال الصهيوني ومن الطبقة البرجوازية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وقد سجل اليسار على البرجوازية منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي أنها مستعدة لتقديم أية تنازلات سياسية جسيمة من أجل أي موطئ قدم لأنشطتها الرأسمالية الربحية. ولعل هذه النقطة تحديداً محسوبة في رصيد التنبؤات الدقيقة للرؤية الشيوعية والتحليل الماركسي الكلاسيكي لأن التبنؤ الذي قدمه ذلك اليسار أكدته الوقائع بعد أوسلو على نحو حاسم.
هذا الذي قلناه يعرفه بالطبع معرفة يقينية أبناء حزب الشعب –الشيوعي سابقاً- والجبهة الشعبية والديمقراطية وفدا وجبهة النضال الشعبي...الخ. لكنهم لدهشتنا الشديدة ينهمكون في وضع إشارات الإعجاب على صفحات الفيس بوك وغيرها متغزلين بعروض شركات الكمبرادور أو مسابقاتها أو جوائزها المزعومة إن وهماً أو واقعاً...الخ. المفارقة الساخرة هنا هي أن اليسار يعارض تجريدياً وعلى نحو غامض تماماً الطبقة الكمبرادورية المسيطرة سياسياً واقتصادياً، ولكنه لا يمتلك من "العفة" أو الكرامة ما يمكنه من الترفع عن اللهاث وراء وعودها البخسة بالعطايا والهبات في سياق عمليات الدعاية الترويجية الفجة التي تقوم بها. لا جرم أنه لو كان يسارناً يعيش في اليابان أو الولايات المتحدة لعبد الرأسمالية الصناعية العملاقة في تلك البلاد من دون الله جلت حكمته وقدرته.
لا نجرؤ لسوء الحظ على ذكر أسماء الشركات التي تقوم بدور وكيل البضاعة الاستعمارية –بما في ذلك بضاعة الاحتلال- التي يتغزل بها أبناء اليسار وأصدقائهم وأقاربهم وأحبتهم. نخشى أن يغضب منا أصحاب الشركات ويذهبوا للمحاكم التي قد تأمر بأن ندفع غرامة مقدارها ملايين الدولارات فنضطر إلى التراجع، وإلى إصدار بيان نستنكر فيه فعلتنا ونعتذر مبينين أن الشركات ذات العلاقة هي مؤسسات وطنية عملاقة لا تقل أصالة عن "جنرال موتورز" أو "تويوتا" أو "مرسيدس" أو سيارات "نصر" أو مفاعل "ديمونا". ولأننا نخشى أن نتعرض لما تعرض له غيرنا، وأن نقع في الفخ ذاته، فإننا سنرتدع عن ذلك مكتفين بإحالة القارئات والقراء إلى مواقع التواصل الاجتماعي ليبصروا بأم أعينهم مقدار الحب والإعجاب الذي يغدقه بعض أبناء اليسار وبناته على شركات كومبرادورية لا تفعل شيئاً باستثناء تعميق التحاق الوطن تبعياً بالاستعمار الكوني، ناهيك عن دورها "الريادي" في المساهمة في احتجاز تطور البلاد وإعادة إنتاج الوضع الاستهلاكي القائم إلى ما لا نهاية. ويضاف إلى ذلك بالطبع، مساهمتها الفذة في تعطيل أية محاولات لتثوير بنية الصناعة والزراعة لما لذلك من آثار مدمرة لا تخطئها العين على وكالات الاستيراد –دون التصدير، إذ ما الذي يمكن أن نصدره؟- التي تتقوض مصالحها فوراً في حالة بناء أي نشاط منتج في الوطن. من هنا يبدو أنها في وضع من يسعده –على الأقل- بقاء قوى الإنتاج الوطنية عاجزة عن التصنيع محلياً فتكتفي من الغنيمة بالفائض الناجم عن السلع المستوردة التي تبيعها في سوقنا المحلي.
لكن والحق أحق أن يقال ويتبع، لا يمكن أن نكتفي بتوجيه اللوم إلى نساء ورجال، صبايا وشبان، من شرائح اليسار على "سذاجتهم" التي تدفعهم جهلاً أو طمعاً في جائزة إلى تقريظ شركات الكمبرادور التي تتحالف مع المستعمر. لا بد من توسيع النقد ليشمل الفصائل التي تزعم أنها يسارية ولكنها لا تنتج نظرية ولا فكراً سياسياً ولا ممارسة "تقطع" معرفياً وسياسياً مع الطبقات البرجوازية المرتبطة بالاستعمار وأجنداته السياسية. وقد أسهم تردي الوعي النظري ل "اليسار" وعجزه عن التعبير بوضوح، وتردده المؤلم في قول أي شيء حاسم، في ضياع أبنائه وبناته نهائياً، واحتفاظهم من اليسارية بالطلاء "الأحمر" مع أن أعماقهم ابيضت بحسب الطرفة القديمة التي تقول "شيوعي مثل الفجل، من برا أحمر ومن جوا أبيض".
ليس في يسارية الأفراد ولا الفصائل التي توجههم حالياً، أو وجهتهم فيما مضى، شيء من اليسارية إن كانت اليسارية تعني أولاً الصراع ضد البرجوازية القومية الصناعية المبدعة، ناهيك عن البرجوازية العميلة اقتصادياً وسياسياً للاستعمار. يمكن لنا أن نتفهم أن تزغلل أبصار الفقراء اليساريين في اليابان إنجازات الرأسمالية الصناعية والتقنية الرائعة، لكن كيف يمكن ل "رفيقات" و "رفاق" ناضجين، اعتقلوا سنوات...الخ أن يعجبوا بشركات محلية تمثل بقالات لبيع السلع الاستعمارية؟ لا يوجد رفاقي اليساريات واليساريين أية شركة محلية –في حدود معلوماتنا المتواضعة- تستحق الإعجاب أو الانبهار. ولعل تحالفكم مع هذه البرجوازية سياسياً واقتصادياً، وفي مستوى "اللايك" يشير إلى ذوبان اليسار فكرياً وسياسياً، وخضوعه التام لسيطرة البرجوازية الكمبروادورية المرتبطة بالاستعمار، وسقوطه النهائي في ميدان الصراع السياسي والطبقي على السواء.
لهذه الأسباب يبدو لنا أن اليسار يعاني عجزاً مبدئياً لا يتصل فقط بعقمه التام في مضمار الصراع الوطني الفلسطيني من أجل صيانة ما تبقى من فتات البلاد بعد أن ابتلع طاعون الصهيونية جلها أو أكثر من جلها، ولكنه عجز حتى عن فهم أوليات الصراع الاجتماعي ودوره فيه. وإذا كان اليساري الفلسطيني فكراً وممارسة يتأرجح بين مؤتمرات في تل أبيب وسفرات مع المنظمات الأهلية الأوروبية وغزل مقنع وصريح مع وكالات التجارة المحلية التي تستورد البضائع من جارتنا إسرائيل أو من الصين وتركيا، فإن هذا اليساري بداهة ليس مؤهلاً لأية أدوار باستثناء أن يردد بوعي أو بدون وعي شعارات البنك الدولي عن حقوق الإنسان وحقوق المثليين ودعم الفئات المهمشة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما هو السؤال المحرج الذي أجاب عليه حسام زكي؟ | #مع_جيزال


.. موجز الأخبار - الحادية عشر صباحا 19/4/2021


.. هل من الممكن التوصل إلى اتفاق حول النووي الإيراني؟




.. سدّ النهضة.. الملء الثاني والخيارات المتبقية | #غرفة_الأخبار


.. كيف يعيش مسلمو ألاسكا أجواء شهر رمضان؟