الحوار المتمدن - موبايل


الجيش الأحمر والشعب السوفييتي أنقذا البشرية من النازية/ ترجمة مرتضى العبيدي

مرتضى العبيدي

2019 / 12 / 22
ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا


صادق البرلمان الأوروبي يوم 19 سبتمبر (آب/ تشرين الأول) على لائحة تدعو إلى إعادة كتابة تاريخ أوروبا المعاصر حسب رؤية تجعل من الاتحاد السوفيتي المتسبب في اندلاع الحرب العالمية الثانية بإقدامه على إمضاء معاهدة عدم اعتداء متبادل مع ألمانيا، متناسيا أن فرنسا وانكلترا قد سبقتا الاتحاد السوفيتي في إمضاء معاهدة مماثلة مع كل من ألمانيا واليابان.
وردا على مثل هذه المحاولات اليائسة والبائسة لتزييف التاريخ، نورد هذا النص الذي أصدره الحزب الشيوعي الثوري بالبرازيل في العدد 34 لمجلة "وحدة وصراع" (أكتوبر 2017)، اللسان المركزي للندوة الدولية للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية والذي يبرز الدور البارز للاتحاد السوفيتي في دحر النازية والفاشية وهزمهما.
المترجم

في النظام الرأسمالي، تنتج الحروب من المنافسة بين الطبقات الحاكمة في مختلف البلدان من أجل فرض هيمنتها على العالم. وقد شهدت الحرب العالمية الأولى تشكل كتلتين امبرياليتين متضادّتين: التحالف الثلاثي والمسمّى أيضا المحور والمتكوّن من الإمبراطوريات الألمانية، والنمساوية المجرية والعثمانية، والوفاق الثلاثي المتكون من الإمبراطوريات الانكليزية والفرنسية والروسية.
لكن حدثا جديدا وغير منتظر سيطرأ خلال الحرب الكونية: ثورة أكتوبر 1917 الاشتراكية بروسيا. وهكذا يحصل شرخ جديد في العالم الذي بات منقسما إلى نظامين متناقضين: الرأسمالية والاشتراكية.
فاتجهت الكتلتان الرأسماليتان نحو هدف مشترك: تدمير أوّل دولة للعمال والفلاحين في العالم بغرض إعادة هيمنة الرأسمالية في كل أنحاء العالم. ولهذا الغرض، فقد استثمرت الكتلة المنتصرة ما لا يقل عن 15 مليار دوتش مارك في الاقتصاد الألماني بين سنتي 1924 و 1929.
ولما تربعت النازية على عرش ألمانيا، وكشفت عن نواياها في بسط نفوذها على العالم، لم تقرّر القوى الامبريالية الأخرى محاربتها والوقوف في وجهها، بل هي أغمضت عيناها على أولى أعمالها العدوانية، وشجعوا المارد النازي على توجيه هجماته باتجاه اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.
مخطط البلدان الرأسمالية لتدمير وطن السوفييتات
سنة 1939، ، اقترح الاتحاد السوفيتي على كل من انكلترا وفرنسا معاهدة من أجل عمل عسكري مشترك في صورة ما إذا أقدمت قوى المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان)، وهي كتلة نازية فاشية، على إشعال فتيل الحرب في أوروبا. لم يُقابل هذا المقترح برفض رسمي، لكن البلدان الرأسمالية لم تتخذ أي إجراء من أجل تجسيد مثل هذه المعاهدة. وعلى العكس من ذلك، فقد أمضت فرنسا وبريطانيا معاهدات عدم اعتداء متبادل مع كل من ألمانيا واليابان. ولما بقي وحيدا، أمضى الاتحاد السوفيتي معاهدة مشابهة مع ألمانيا في شهر أوت 1939. وكان القادة السوفييت يعلمون أن هتلر سيلجأ إلى خرق المعاهدة إن عاجلا أم آجلا، وتمكّنوا من ربح بعض الوقت لنقل جزء هام من المصانع إلى الجهة الشرقية من الأراضي السوفيتية الشاسعة وتعزيز القدرات العسكرية الدفاعية للبلاد.
فبين سنتي 1938 و 1941، احتل هتلر النمسا، وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا وبلجيكا وهولندا والدنمرك والنرويج واليونان ويوغسلافيا وأخيرا فرنسا. وفي غزوها لأوروبا الشرقية والوسطى، استحوذت ألمانيا على كميات كبيرة من العتاد العسكري، ووسائل النقل، والمواد الأولية والمواد الإستراتيجية وقوى العمل، وهو ما جعلها تكتسب قوّة عظيمة تسمح لها بمهاجمة الاتحاد السوفيتي.
وقد دوّن هتلر في كتابه "كفاحي" ما يلي: "و يجب أن يكون احتلال المزيد من الأراضي في القارّة الأوروبية على حساب روسيا..." ففي سنة 1941، شرع الوحش الفاشي هتلر، ممثل مصالح الاحتكارات الرأسمالية، في محاولته لوضع حدّ للتجربة الاشتراكية بإقدامه على غزو الاتحاد السوفيتي، وتدمير المصانع وحرق المزارع وإسقاط آلاف القنابل على الأراضي السوفيتية، متسببا بذلك في أفظع المجازر التي عرفتها البشرية. لكن الجيش الأحمر البطل، بقيادة الحزب الشيوعي وستالين وبمساعدة شعب حرّ، نهض في وجه هذا الوحش النازي وخلّص الإنسانية من الخطر الفاشي.
كان الغزو الهتلري دون رحمة. "فقد ارتكب الألمان المجازر الجماعية (فقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ)، وأقاموا معسكرات الموت، وأبعدوا نحو ألمانيا أعداد غفيرة لاستعمالهم في الأشغال الشاقة. وحيثما حلوا، كانوا يزرعون الخراب." وفي كلمة، كانوا يطبقون سياسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي: "من حقي أن أدمّر ملايين البشر المنتمين إلى الأجناس الحقيرة والذين يتكاثرون كدود الأرض." (هتلر)
وكردّ على تلك الهمجية، رفعت الحكومة والحزب البلشفي والشعب السوفيتي شعار: " الموت للغزاة الفاشست، إلى الأمام! كل شيء من أجل الانتصار!". وتعززت صفوف الجيش الأحمر بملايين من الرجال، كما تشكلت فيالق لحرب العصابات قوامها ملايين من المقاتلين.
لقد كان لتفاني وشجاعة الشعب السوفيتي القول الفصل في تحريك المعسكر الرأسمالي (الولايات المتحدة، انكلترا وفرنسا). وفي النهاية تشكل التحالف المناهض للفاشية، أي الجبهة الموحّدة للشعوب من أجل السلم ومناهضة للفاشية.
وتهاوت فكرة هتلر القائلة بأن غزو الاتحاد السوفيتي هي مجرد نزهة ترفيهية، وحرب خاطفة. ولم يتوقع النازيون حجم المقاومة التي ستعترضهم في المدن الكبرى ومن بينها لينينغراد، ستاينغراد، كياف وموسكو. فالرجال والنساء والأطفال والشيوخ استحالوا إلى سور منيع.
وكان لبطولات الشعب السوفيتي وقع في كل أرجاء العالم، مجبرة الصحافة البورجوازية مثل جريدة "ستار" الأمريكية الصادرة في واشنطن، أن تكتب ما يلي في صفحتها الأولى: "إن نجاح روسيا في نضالها ضد ألمانيا الهتلرية يكتسي أهمية بالغة، لا لموسكو والشعب الروسي فحسب، لكن لواشنطن كذلك، ولمستقبل الولايات المتحدة. فالتاريخ سيمجّد الروس لتصدّيهم للحرب الخاطفة، التي جعلت عدوهم يهرب من أمامهم".

معركة ستالينغراد

وفي جوان 1942، كان الغزاة يتقدمون، لكنهم فوجئوا بوجود حاجز لا يمكن اجتيازه في ستالينغراد. ففي سبعة أشهر من المعارك الطاحنة، خسر النازيون 700 ألف بين جنود وضبّاط، وأكثر من ألف دبابة، وألفي مدفع، و 1.400 طائرة. وكان الغزاة متفوقين تقنيا، لكن بداية من نوفمبر 1942، انقلبت الأوضاع لصالح السوفيت. كانت جيوش الألمان تقدّر بـ 6.200.000 جنديا والسوفيت بـ 6.600,000، وخمسة آلاف دبابة ألمانية مقابل سبعة آلاف سوفيتية، 51 ألف مدفع وقطعة هاون مقابل 77 ألفا.
وهكذا تم كسر شوكة الغزاة و"طهيهم في قدر ستالينغراد الكبير". فبعد هزيمتهم في ستالينغراد، كانت خسائر النازيين تقدّر بمليون ونصف من القتلى من الجنود والضباط: "فمن الناحية المعنوية، فإن الكارثة التي حلت بالجيوش النازية على أبواب ستالينغراد كان لها وقع جعلها لا تقدر على النهوض مجدّدا." (ب. ليديل هارت: الحرب العالمية الثانية).
انتهت معركة ستالينغراد في الثاني من فيفري 1943 بانتصار الشيوعيين وقد مثلت المنعرج في مسار الحرب العالمية الثانية، وهي تعتبر المعركة الأكبر والأكثر دموية في تاريخ البشرية.
وفي تلك الظروف، كتب ستالين: "إن الحالة المعنوية لجيشنا متفوّقة على حالة الجيش الألماني، لأن جيشنا يدافع عن وطنه ضد المحتلين الغزاة، وهو مؤمن بعدالة قضيته، بينما الجيش الألماني يخوض حروب نهب وسلب للبلدان الأجنبية، وليس بإمكانه الإيمان، ولو للحظة، بعدالة ما يأتيه من أعمال شائنة"
ومن ستالينغراد، أعطيت الإمكانيات إلى عشرات من المدن السوفيتية للتحرر من ربقة العدوّ خلال سنتي 1943 و1944، وهو ما مكّن من طرد الغزاة نهائيا من كامل التراب السوفيتي.
وبعد كل هذه الانتصارات، فقد أمكن للاتحاد السوفيتي إعداد العدة للهجوم المضادّ في بداية 1945 لتحرير بلدان أوروبا الوسطى، وهو عبارة عن رقعة أرضية شاسعة تمتد من البلدان الواقعة على بحر البلطيق (الدنمرك والسويد وفنلندا واستونيا ولتّونيا وليتوانيا وبولونيا وألمانيا) حتى منطقة الكاربات (جمهورية تشيكيا، سلوفاكيا، بولونيا، رومانيا وأوكرانيا). وكان هنالك عامل لعب دورا حاسما في هذه الانتصارات على النازيين، ألا وهو المساندة الجماهيرية التي لقيها الجيش الأحمر من الشعوب المضطهدة، وبالخصوص من المقاتلين الشيوعيين. وبعد تحرير هذه البلدان، تركز اهتمام الاتحاد السوفيتي على توفير الشروط الضرورية لإلحاق الهزيمة النهائية بالنازية والفاشية.
وبعد ذلك جاء النصر في منطقة القوقاز الذي أشّر لبداية الطرد الجماعي للمحتل النازي: "على الاتحاد السوفيتي أن يفخر بانتصاراته البطولية". هذا ما كتبه الرئيس الأمريكي فرانلكين روزفلت، مضيفا "إن الروس يقتلون من جيوش العدو ويدمرون من أسلحته أكثر من البلدان الـ 25 للأمم المتحدة مجتمعة".
فنهاية سنة 1943 سجلت المنعرج الكبير على الجبهة السوفيتية وفي مسار الحرب بصفة عامّة. فالحركة المعادية للنازية والفاشية ستتسع في كل أنحاء العالم.
وفي شهر جوان 1944، وبعد هزيمة الجيوش الألمانية في كل جبهات الاتحاد السوفيتي، قامت القوات الانكليزية والأمريكية بإنزال في شمال فرنسا، فاتحة بذلك الجبهة الغربية التي كان الاتحاد السوفيتي طالب بفتحها منذ بداية الغزو.
ويمكن التأكيد أن تلك الحقبة حدّدت مآل الحرب بعد الهزيمة الألمانية في روسيا. وقد اعترف ونستون تشرشل، الوزير الأول البريطاني، بالدور الأساسي للسوفييت، في خطاب له أمام مجلس العموم في شهر جويلية 1944: "أعتبر أنه من واجبي الاعتراف بأن روسيا تسخّر وترسل على الميدان قوات أكثر من الحلفاء في الغرب، وأنه، رغم سنوات الحرب والخسائر الكبيرة التي تكبّدتها، مازالت تتحمّل الوزر الأكبر للمعركة على الميدان."

نهاية معسكر أوشفيتز

ومن بين كبرى منجزات الجيش الأحمر هي تحرير أسرى معسكر أوشفيتز، وهو أكبر المعسكرات النازية خلال الحرب العالمية الثانية. وهو عبارة عن مجمّع متكوّن من عديد المعسكرات. وقد تمّ بعثة سنة 1940، أي سنة بعد اجتياح النازيين لبولونيا، البلد الذي تمّ عليه الاختيار لإقامة معسكر الموت هذا. كان معظم المعتقلين من اليهود، لكن كان يضمّ أيضا سياسيين بولونيين، وعناصر المقاومة المعادية للنازية، والغجر والمثليين، وبطبيعة الحال الشيوعيين. فكان السوفييتيون الذين تم اعتقالهم على ميادين القتال كأسرى حرب يشكلون القسم الرابع من حيث العدد في معسكر أوشفيتز.
وفي مدخل المعسكر، كانت تُعلّق لوحة (وهي موجودة إلى الآن في المتحف التذكاري)، كُتب عليها: "العمل يُحرّر". وفي الواقع كان المساجين، كما في كل المحتشدات النازية يخضعون للأشغال الشاقة. وكان الضعفاء منهم يُقتلون مباشرة داخل غرف الغاز التي كان لها مظهر الحمّامات الجماعية. ويُقدّر عدد الذين قتلوا في هذا المعسكر بـ 1,1 مليون شخص. ومن بين كبار النازيين الذين اشتغلوا في هذا المعسكر، نذكر جوزيف منغيليه او "ملاك الموت"، وهو الطبيب الذي مارس تجارب فظيعة على الفئران البشرية (وقد مات بعد ذلك غرقا في البرازيل)، والنساء الضباط ماريا مانديل، المسؤولة المباشرة عن موت آلاف النساء، وإيرما قريز، وهي سادية كانت تتلذذ بضرب النساء بالسوط.
وفي يوم 27 جانفي 1945، اقتحمت عناصر الجيش الأحمر المنتظمين في صفوف الجيش الأول للجبهة الأوكرانية، بقيادة الماريشال إيفان كوناف، المعسكر وحرّرت آلاف الأسرى. وقد عمد الألمان في وقت سابق، أمام تقدم الجيوش السوفياتية، إلى إفراغ المعسكر، والهرب مع عشرات الآلاف من المساجين، ولم يتركوا داخله إلا المرضى أو الضعفاء الذين لم يكن بإمكانهم السير نحو محتشدات أخرى.
وقد سُجّل تاريخ 27 جانفي كيوم متميّز في تاريخ البشرية، فهو اليوم الذي شهد الإغلاق النهائي لمعسكر أوشفيتز ـ بيركينو من قبل الحلفاء، وإطلاق سراح آلاف الأسرى، الناجين الذين رفض النازيون اصطحابهم إلى معسكرات أخرى لضعفهم أو لمرضهم. ولم يكن محرّرو أوشفيتز غير جنود الجيش الأحمر.

جيش التحرير في برلين

ورغم الخسائر التي لا تقدّر، واصل الجيش الأحمر تقدّمه وتعقّبه للألمان عبر أوروبا الشرقية، موجها الضربات للنازيين ومشجعا قوات المقاومة الشعبية على الاستمرار في النضال ضد المحتلين وعملائهم في الداخل. فقامت الجمهوريات الشعبية الديمقراطية وعلى رأسها الشيوعيون في كل من بولونيا والمجرّ ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا.
"إلى برلين!"، كان ذلك هو الشعار الذي رفعه جيش التحرير. ولم تكن المهمّة مجرّد نزهة إذ أن جيوب المقاومة النازية ورغم ما لحقها من ضعف، مازالت قادرة على خوض المعارك الدامية والضارية. ولم يُقدم الروس المنتصرون على القتل أو النهب، أو على الثأر من الجرائم التي ارتكبها الجيش الألماني على الأراضي السوفيتية. وعلى العكس من ذلك، فقد بادروا لإطعام الجائعين، وتقديم المساعدة الطبية للمحتاجين، وتنظيم سير وسائل النقل وتوزيع الماء والكهرباء.
وفي الثاني من ماي 1945، أمضت هيئة أركان الجيوش الألمانية وثيقة الاستسلام دون شروط، بينما كان العلم السوفيتي يرفرف على مبنى البرلمان الألماني في برلين. وفي التاسع من ماي، انتظم تجمّع حاشد في موسكو للاحتفال بنهاية الحرب الوطنية الكبرى، وهي التسمية التي أطلقها السوفييت على مساهمتهم في الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك التاريخ تحتفل روسيا سنويا بهذا التاريخ كذكرى للانتصار.
وقد عمل الحلفاء المزعومون، الولايات المتحدة وانكلترا، على تأجيل مساعدتهم للاتحاد السوفيتي الذي كان يحارب وحده على الجبهة الشرقية. وكان هدفهم فتح جبهة ثانية من الجهة الغربية ضد ألمانيا، وأملهم أن يكون الاتحاد السوفيتي قد انهزم من طرف النازية. ولكن لمّا قدّروا أن هذا الحلم لن يتحقق، وخوفا من أن يحقق الاتحاد السوفيتي بمفرده النصر ضد النازية والفاشية، فتحوا الجبهة الثانية في السادس من جوان 1944.
ويُعرف هذا الحدث في التاريخ بإنزال النورماندي. ويتم تقديمه في عديد كتب التاريخ وفي المجلات والأفلام الأمريكية كتاريخ حاسم عرفت خلاله الحرب منعرجها الحاسم. وفي الواقع، ودون التقليل من أهمية الحدث، فإن القوات النازية كانت قد انهزمت بعدُ على يد الاتحاد السوفيتي الذي كانت جيوشه تتقدم صوب ألمانيا دافعة باتجاه برلين ما تبقى من القوات الألمانية.

النصر النهائي

بعد الحرب على الأراضي الأوروبية، كان يجب التوجه نحو آسيا حيث كان اليابان، حليف النازيين، يبسط سيطرته على ملايين البشر في الصين وكوريا والفلبين. ورغم الهزائم التي ألحقتها به القوات البريطانية والأمريكية، حافظت الجيوش اليابانية على شيء من قوتها المادية والعددية. وفي حالات كثيرة هاجمت الحدود السوفيتية وقصفت البواخر السوفيتية في عمق البحر.
وفي الثامن من أوت 1945، أعلن الاتحاد السوفيتي الحرب على اليابان وشرع في الهجوم. وقد صرّح تايشي سوزوكي، الوزير الأول الياباني آنذاك: "إن دخول الاتحاد السوفيتي في الحرب ضدنا هذا الصباح يضعنا في وضع حرج يصعب الخروج منه، ويجعل مواصلتنا للحرب مستحيلة." وكان على حق، إذ خسر الجيش الياباني خلال ذلك الشهر 677 ألف جندي وضابط بين قتيل (84 ألف) وأسير (593 ألف).
وعلى عكس ما يروّج له مؤرخو البورجوازية، فإن استسلام اليابان لم يأت نتيجة القصف الوحشي والجبان لمدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنبلة الذرية في بداية شهر أوت، بل إن الحرب تواصلت بعد ذلك، ولم تستسلم الجيوش اليابانية إلا أمام الزحف السوفيتي. وإن يخامركم بعض الشك، اقرأوا شهادة الجنرال " شينو" (Chenault)، قائد القوات الأمريكية في الصين آنذاك: "إن دخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان كان هو العامل الحاسم الذي أدّى إلى إنهاء الحرب في المحيط الهادي، وكان ذلك مآل الحرب الحتمي حتى دون استعمال القنابل الذرّية. فالهجوم السريع للجيش الأحمر على اليابان أنهى حالة الحصار وجعل اليابان يجثو على ركبته."
وساهم الجيش الأحمر السوفيتي كذلك في طرد النازيين من الصين وكوريا، وكانت تضحيات الشعب السوفيتي لا تقدّر بثمن. لكنها تضحيات أتت أكلها إذ هي مكّنت البشرية من التخلص من الوحش النازي. كما أنها مكنت كذلك من انتصار الاشتراكية التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مظفرة في أوروبا الشرقية وفي الصين.

دور ستالين في تحقيق النصر على النازية والفاشية

وفي هذا النصر للجيش الأحمر، كان دور الرفيق ستالين أساسيا. فلنقرأ ما كتب ألكسندر ميخايلوفيتش فاسيليافسكي، ماريشال الاتحاد السوفيتي ونائب وزير الدفاع إبان الحرب العالمية الثانية، بخصوص سلوك ستالين خلال الحرب: "لقد تحوّل ستالين إلى مخطط عسكري (..) فبعد معركتي ستالينغراد وكورسك بالخصوص، فقد بلغ أرقى درجات القيادة الإستراتيجية. فقد تنقل ستالين إلى إدارة مختلف قطاعات الحرب العصرية، أصبحت له ألفة مع جميع مسائل التخطيط للعمليات وتنفيذها. وقد كان يقدّم في مداخلاته عرضا شاملا للعلم العسكري، ويطلب أن يتم تنفيذ العمليات العسكرية بروح خلاّقة، وبالعزم الضروري دون إهمال جانب المناورة، التي من شأنها تفتيت العدوّ وتسهيل محاصرته. وكان فكره العسكري يؤكد على أهمية تكتيل القوى والإمكانيات، والاستعمال المتنوع لكل الإمكانيات المتاحة منذ بداية العمليات وخلال تنفيذها. وقد بدأ ستالين في استيعاب، لا فقط إستراتيجية الحرب، وهو أمر يسير بالنسبة إليه بما أنه يُتقن فن الاستراتيجيا السياسية الرائع، بل وكذلك فنّ العمليات العسكرية.
وقد دخل ستالين نهائيا في التاريخ العسكري، وكانت جدارته التي لا جدال فيها تتمثل في كون الجيوش السوفيتية، تحت قيادته المباشرة بوصفه القائد الأعلى، كانت قوية في العمليات الدفاعية كما نجحت بتألق في الحملات الهجومية. ولكنه لم يكن يتحدّث البتة على مزاياه. فلقب "بطل الاتحاد السوفيتي" ورتبة "القائد الأعلى" أسندت إليه على ضوء مقترحات من قادة الجيوش في الجبهة ومن المكتب السياسي. بينما كان يتحدث بكل صراحة عن الأخطاء المرتكبة في الحرب.
ولديّ اقتناع عميق، خصوصا خلال النصف الثاني من الحرب الوطنية الكبرى، أن ستالين كان الوجه الأقوى والأبرز ضمن القيادة الإستراتيجية. وقد تدخّل بكل نجاح في تحديد قيادات مختلف الجبهات، و مجهودات الوطن، و سياسة الحزب (...). وقد رسخ ستالين في ذاكرتي كقائد عسكري صارم، ذي عزيمة فولاذية وشخصية قوية."
أما الماريشال غيورغي جوكوف، القائد العام للقوات السوفيتية خلال الحرب العالمية الثانية، فقد نسب لستالين عديد المزايا التي كان لها الأثر الكبير في تحقيق النصر: "إن الفضل يعود لجوزيف ستالين شخصيا في إيجاد الحلول لعديد المسائل العسكرية مثل تلك المتعلقة باستعمال المدفعية في حالات الهجوم، وغزو فضاء الطيران، وأساليب محاصرة العدو، وتفتيت وحداته قبل الإجهاز عليها مجزّأة... إلى غير ذلك. كل هذه القضايا الهامة في الفن العسكري هي ثمرة التجربة العملية، المكتسبة خلال المعارك، وهي كذلك نتيجة استخلاص الدروس من النقاشات المعمّقة التي كانت تتم مع قادة جميع الوحدات بل وكذلك مع الجنود أنفسهم. ولكن ميزة ستالين الكبرى هي حسن إصغائه لنصائح خبرائنا العسكريين المتألقين، وإكمالها وحسن استغلالها وتوجيهها بالسرعة اللازمة في شكل مبادئ عامة إلى جميع الوحدات لضمان حسن سير العمليات.
وإلى حدود معركة ستالينغراد، كان ستالين مستوعبا، ليس فقط للخطوط العامة وللقضايا الإستراتيجية، بل وكذلك للفنون العملية. وفيما بعد، وخاصة بعد ستالينغراد، عمّق ستالين فنّ التخطيط للعمليات على جبهة واحدة أو على عديد الجبهات، وقد سيّر العمليات بقدرة فائقة، مما مكن من إيجاد الحلول لعديد المسائل الإستراتيجية. وفي قيادته للكفاح المسلّح، كان ستالين يعتمد على فطنته الطبيعية وثراء حدسه. وكان يتقن تحديد العنصر الرئيسي في وضعية محدّدة، وبالتالي، يحسن الجواب على العدو بالشروع في هذه أو تلك من العمليات الهجومية الكبرى. ومما لا شك فيه أنه كان جديرا برتبة القائد الأعلى."
وخلال الحرب، تكبد الاتحاد السوفيتي خسائر جسيمة: إذ هو فقد 25 مليون من أبنائه، وقد كان أغلبهم أعضاء في الحزب الشيوعي. وعمليا كان على الشعب السوفيتي أن ينطلق مجددا من الصفر، وقد نجح في ذلك مؤكدا مقولة لينين: "لا يمكن هزم أمة أغلبية عمالها وفلاحيها يعلمون ويشعرون ويرون أنهم بصدد الدفاع عن سلطتهم السوفيتية، أي سلطة الكادحين، ويدافعون على قضية ينتج عن النصر فيها إمكانية التمتع بكل مزايا الثقافة، وبكل ما أنتجه العمل البشري، هم وأبناؤهم." (لينين: الأعمال الكاملة، المجلد 29).

اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الثوري / البرازيل

المراجع:

ـ فاسيلي ريابوف: الانتصار الكبير للشعب السوفيتي وجيشه. دار التقدم للنشر، موسكو ن 1983
ـ ليدو مارتينس: ستالين، نظرة أخرى
ـ تاريخ الاتحاد السوفيتي، المرحلة الاشتراكية
ـ غ. ك. جوكوف: مذكرات وتأملات








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أزمة الحكومة اللبنانية.. ومصير المبادرة الفرنسية | #غرفة_الأ


.. الهلال الأحمر الفلسطيني: ارتفاع إصابات مواجهات الأقصى إلى 20


.. شاهد.. مشاركة العسكريات الروسيات في استعدادات للعرض العسكري




.. سد النهضة .. الجهود الدولية لحل الأزمة | #غرفة_الأخبار


.. محمود عباس: بطش وإرهاب المستوطنين لن يزيدنا إلا إصرارا