الحوار المتمدن - موبايل


دولوريس إباروري (لاباسيوناريا): شيوعية ثورية أممية اسبانية ضد الفاشية

8 مارس الثورية

2019 / 12 / 22
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


دولوريس إباروري
"لا باسيوناريا"
LA PASIONARIA
شيوعية ثورية أممية اسبانية ضد الفاشية
لن يمروا
NO PASARAN

"من الأفضل أن تكوني أرملة بطل على أن تكوني زوجة جبان"
"يفضل الشعب أن يموت واقفا على أن يعيش جاثيا على ركبتيه"
"الرجال في القتال، النساء في العمل"
دولوريس إباروري (لاباسيوناريا)

تقديم:
إن الحديث عن الثورية الإسبانية دولوريس إباروري الملقبة ب "الباسيوناريا" (La Pasionaria) يجب وضعه في سياق أوضاع اسبانيا خلال الثلاثينات من القرن العشرين، والمتمثلة في الحرب الأهلية الإسبانية، التي قاوم فيها الجمهوريون الفاشية الفرانكوية.
في أبريل 1931، فاز الجمهوريون في الانتخابات في 41 من أصل 50 مقاطعة إسبانية، فذهب ألفونسو 13 ملك إسبانيا آنذاك إلى المنفى وأعلنت الجمهورية الثانية في 14 أبريل في نفس السنة.
وقد جرت بعد ذلك أولى الانتخابات التشريعية في إسبانيا الجمهورية في يونيو 1931، وبذلك وصلت أحزاب اليسار الجمهوري إلى السلطة.
أثار الإصلاح الزراعي في شتنبر 1932، وعدم الاستقرار السياسي الذي ميز بداية الجمهورية اضطرابات وانتفاضات، ولا سيما ثورة الأستوريان، والتي قمعها الجيش بشدة.
وبين 1932 و 1936 تعاقبت عدة حكومات، و تم اللجوء مرتين إلى انتخابات سابقة لأوانها، مما أعطى السلطة بالتناوب إلى اليمين و اليسار، في حين تطورت حركات الحكم الذاتي في بعض المقاطعات (أستورياس، كاطالونيا ...). لكن في يناير 1936، عندما فرضت غالبية الأحزاب اليسارية الموحدة في "الجبهة الشعبية" نفسها على السلطة، تضاعف العنف وظهر قطبان حول الأحزاب الجمهورية، يسار ثوري و أناركيون، و قطب يميني فاشي، و كانت مناقشات عنيفة تجري في الكورتيس (البرلمان الإسباني).
في يونيو 1936، دعا النائب الملكي خوسي كانو سوتيلو الجيش لاستعادة النظام، وتفاعلت النائبة الشيوعية دولوريس إباروري غوميز، المعروفة بلقب الباسيوناريا مع الأمر بتهديده بالموت إن تم تدخل الجيش، وبعد ذلك بأيام قليلة تم اغتياله. في هذا السياق، وقعت في 17 يوليوز انتفاضة عسكرية في إسبانيا و في منطقة النفوذ الإسباني بالمغرب، و في 19 يوليوز ، ألقت دولوريس خطابا في مدريد أصبح مشهورا، و به اشتهرت أيضا دولوريس، تحت عبارة "لن يمروا" No Pasaran كرمز للنضال ضد الفاشية، و تحول الانقلاب ذا الطابع القومي إلى حرب أهلية، يغديها تقاطر الرجال و السلاح من إيطاليا موسوليني و ألمانيا هتلر، و قد تقدمت قوات الجنرال فرانسيسكو فرانكو بسرعة، و طلب الجمهوريون بدون جدوى دعم الديموقراطيات الأوربية، و قد حاولت دولوريس، بدون أن تنجح في ذلك، ثني حكومة بلوم الفرنسية، التي قررت عدم التدخل، و عملت طيلة أيام الحرب على محاولة إنقاد القضية الجمهورية، مدعومة فقط من طرف متطوعين من جميع البلدان، التي تسللت إلى إسبانيا للانضمام إلى ما يسمى ب "الألوية الأممية".
كان لنداء دولوريس، الذي كان قويا جدا في دويه، لكن دون جدوى، صدى كبيرا في القرن العشرين.
كان الأمر أكثر من مجرد حرب أهلية، بل كانت الحرب الإسبانية بمثابة اختبار عام للحرب الامبريالية العالمية الثانية، حيث اختبر موسوليني وهتلر جيوشهما وأسلحتهما واستراتيجيتهما العسكرية، وكذلك تمكنا من اختبار استعداد الحكومات الأوربية الأخرى لخوض الحرب للدفاع عن حرياتها ومبادئها الديموقراطية.
فمن تكون هذه الشيوعية الثورية، التي قاتلت بلا هوادة ضد الفاشية؟ والتي أدهشت العالم بقوة دعايتها وتحريضها ضد الفاشية وبشجاعتها وجرأتها التي قل نظيرها.
I ـــ دولوريس إباروري : مسار إسبانية ثورية واجهت الفاشية حتى النهاية
1) دولوريس إباروري : الولادة و النشأة
ولدت دولوريس إباروري في 9 دجنبر 1895، قبل خمس سنوات من بداية القرن 20، في غالاراتا، مدينة إقليم بسكاي الباسكي، بلد التعدين بالغرب من بلباو وسط عائلة من عمال المناجم، والدتها جوليانا غوميز باردو من أصل كطلاني و والدها أنطونيو إباروري عامل باسكي، وسط عائلة تضم 11 عشر طفلا كانت فيها الثامنة في الترتيب.
عاشت دولوريس الفقر وهي طفلة، فعلى الرغم من كونها طالبة ذكية فلم تتمكن أسرتها من دفع تكاليف التدريب لكي تصبح معلمة، فبتشجيع من معلمتها كانت دولوريس تحلم بأن تصبح معلمة، فتلتهم الكتب التي تحصل عليها من معلمتها أنتونيا أليزار، لكن والديها بحكم الفقر لم يستطيعا تحمل نفقات دراستها، وتعين على الفتاة أن تتخلى عن حلمها في سن الخامسة عشرة، وتتخلى عن الدفاتر لصالح ورشات الخياطة، وأصبحت خياطة بدل أن تكون معلمة، ثم خادمة منازل في مطابخ بيوت البورجوازيين.
كانت أمها تردد على مسامعها: "كيف تعتقدين أنه يمكنك أن تصبحي معلمة بينما إخوانك عاملون؟" وكان هذا الكلام إعلانا عن انهيار حلم الفتاة. بعد انهيار حلمها في مواصلة الدراسة وتحقيق حلمها في أن تصبح معلمة بسبب الفقر، أحدث ذلك منعطفا كبيرا في حياتها عبرت عنه من خلال العديد من الأقوال منها:
"إن المخرج الوحيد والطموح الوحيد لامرأة في قريتي هو الزواج"، قبل أن تضيف: "حياة رمادية، حياة العبيد".
وعلى الرغم من الصعوبات الهائلة، التي صادفتها في طريقها، فقد علمت نفسها بنفسها، واستطاعت تدبير كسب لقمة العيش.
التقت دولوريس بجوليان رويز، وهو عامل منجمي ومناضل اشتراكي، الذي تزوجته سنة 1916، وكان عمرها 26 سنة، وفي العام التالي شارك الزوجان في حركة الإضراب العام وتم اعتقال جوليان على إثره. أنجبت دولوريس ستة أطفال، نجا منهم اثنان فقط حتى بلوغ سن الرشد، وقد كتبت فيما بعد أنهم ماتوا بسبب عجزها عن توفير الرعاية الطبية الكافية والتغذية لهم (وهي في هذا تذكرنا بكارل ماركس، حيث توفي أغلب أبنائه لنفس الأسباب) حيث تدهور الوضع المالي للعائلة عندما سجن زوجها وهو نقابي نشط لقيامه بإضراب.
2) بداية دولوريس السياسية واحتكاكها بالفكر الشيوعي
بفضل زوجها، بدأت دولوريس تهتم بنضال العمال معتمدة على معرفتها للماركسية، التي اكتسبتها من خلال قراءتها لأعمال كارل ماركس، وساعدها ذلك في الانضمام إلى الحزب الشيوعي الإسباني، وكانت دولوريس معجبة بأهم الرموز الشيوعية.
هكذا وجدت نفسها تشارك في الإضراب العام لسنة 1917، مع زوجها، السنة نفسها التي كانت تاريخا حاسما ومنعطفا قويا في حياتها، عندما علمت بانتصار الثورة البلشفية وزوجها قابع في السجن، فقد حمستها الثورة البلشفية وشكلت نقطة تحول في التزامها النضالي، وتقول:
"لم أشعر بالوحدة، كانت هذه الثورة البعيدة التي يتعذر الوصول إليها حقيقة، هناك في جزء من العالم".
أدخل جوليان زوجته التي تقاسمه مبادئه الاشتراكية في الأوساط النضالية، وقد كانت دولوريس تقرأ للعديد من المؤلفين على رأسهم كارل ماركس، كما سبق الذكر، كما تمت الإشارة إلى ذلك، فشكلت فكرها السياسي، وعن تبنيها الفكر الاشتراكي تقول دولوريس:
"أصبحت اشتراكية لأنني اضطررت إلى التعامل مع الظلم والبؤس، ولم أكن في حاجة إلى النظر إلى نفسي في المرآة لمعرفة كم تعاني النساء الأخريات".
ناضلت دولوريس وسط "اتحاد الشباب الاشتراكي"، و في سنة 1918، كتبت دولوريس أولى مقالاتها في الصحافة العمالية، في صحيفة El Minero Vizcaino ، و كانت توقع مقالاتها باسم مستعار: لاباسيوناريا. في سنة 1919، تقربت دولورويس من "الأممية الشيوعية" قبل مشاركتها في تأسيس الحزب الشيوعي الإسباني، ففي سنة 1920، تم انتخابها لعضوية لجنة الحزب الشيوعي الباسكي، وسرعان ما أصبحت شخصية محلية هامة، و في نفس السنة ساهمت في بناء الحزب الشيوعي الإسباني، الذي انضم إلى الأممية الثالثة التي أسسها لينين، و نظرا لشعبيتها بين المناضلين صعدت تدريجيا في التسلسل الهرمي للحزب.
أصبحت دولوريس عضوا في لجنة مقاطعة بيسكاي، التي لعبت داخلها دورا مهما، وبعد عشر سنوات، ونظرا لنضاليتها، تم انتخابها لعضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي سنة 1930، وفي السنة الموالية، وبناء على طلب الحزب، انتقلت دولوريس إلى مدينة مدريد، وتركت زوجها وتم الانفصال، لكنهما حافظا على علاقات الصداقة.
في بحثهم عن محررين اقترح عليها المسؤولون النقابيون كتابة مقالات في صحيفتهم (منجمي بيسكاي، فقبلت دولوريس هذا العرض ونشرت أول ورقة لها خلال الأسبوع المقدس المسمى عند الإسبان "أسبوع العاطفة" (و تعني العاطفة باللغة الإسبانية La Pasionaria )، و لأنه، لا يمكنها التوقيع باسمها الحقيقي، فقد اختارت هذا الاسم الأخير كاسم مستعار، وأصبح منذ ذلك التاريخ اسما مشهورا و ملازما لها.
أصبحت دولوريس متعاونة منتظمة مع المنشورات العمالية، وانخرطت كليا في النضال السياسي عندما تم تأسيس الحزب الشيوعي الإسباني، وبعد أن أصبحت عضوا منتخبا في لجنة مقاطعة بيسكاي شاركت في أول مؤتمر للحزب الشيوعي لإسبانيا.
كانت مقالات دولوريس في المجلة العمالية، السابقة الذكر، لا تمر دون أن تلفت النظر، فانضمت إلى هيئة تحرير (العالم العمالي) وهي الجريدة المركزية للحزب الشيوعي الإسباني. في إحدى الليالي، وهي تهم بمغادرة مقر الصحيفة، تم اعتقالها ونقلها إلى سجن كينونيس، وقد كان السجن الأول لها، والصدمة الأولى مع واقع السجن. في زنزانتها استطاعت أن تكسب صداقة معظم هؤلاء "ضحايا البؤس" كما قالت، وتجعلهن يغنين "الأممية" في الأول من ماي سنة 1932.
بعد فترة وجيزة من خروجها من السجن، واصلت دولوريس حياتها الخطيرة، بعبورها سرا، وعلى الأقدام، حدود جبال البرانس (التي تفصل بين اسبانيا وفرنسا)، كان كل مرور يتطلب إعدادا دقيقا ومرشدين ومحطات توقف آمنة.
كانت دولوريس عضوا في الوفد الإسباني للأممية الشيوعية، الذي اجتمع في الاتحاد السوفياتي سنة 1933، كما حضرت اجتماعات الكومنترن حيث دعمت ما أصبح يعرف ب "الجبهة الشعبية".
من جراء قلقها من ظهور الفاشية في إيطاليا وألمانيا ساعدت دولوريس في تنظيم اللجنة العالمية للنساء ضد الحرب والفاشية، وكانت مندوبة في مؤتمرها الأول بفرنسا في غشت 1934.
نساء ضد الفاشية:
في سنة 1933، شجعت دولوريس على إنشاء جمعية النساء المناهضات للفاشية، وكانت هذه المجموعة النسائية واحدة من أهم المجموعات في ذلك الوقت، وكانت النساء من جميع أنحاء العالم ينتمين إليها وكذلك أنصار اليسار، وفي نفس السنة، أرسلها الحزب الشيوعي الإسباني كمندوبة إلى موسكو، وقد أثر فيها هذا السفر بشكل عميق جدا.
في سنة1934، بعد القمع العنيف للثورة الإيستورية، تحولت لجنة "نساء ضد الفاشية" إلى حماية أطفال العمال الأيتام، وقد واجهت دولوريس مخاطر كبيرة في محاولة نقل الأطفال إلى مدريد سرا.
لم تعد الأنشطة النضالية لدولوريس تسمح لها برعاية طفلين لا يزالان على قيد الحياة، و لا ضمان حياة مستقرة لهما، فتتخذ قرارا بنقلهما بعيدا، بإرسالهما للعيش في الاتحاد السوفياتي.
في سنة 1935، شاركت بفرنسا في مؤتمر تضامني مع الأستورياس، الذين تعرضوا لقمع شديد من طرف السلطة (الشعب الذي تنتمي إليه دولوريس)، وفي 1936، فازت الجبهة الشعبية بالانتخابات، وأصبحت دولوريس نائبة عن الأستوريين، وقد كانت العلاقة مع الناخبين لا تطرح أي مشكل للنائبة الجديدة، لكن في البرلمان تعرضت للسخرية حيث استهانت الثعالب القديمة في السياسة ب "خادمة البيوت السابقة". لقد كان حدث دخول دولوريس الكورتيس حدثا جللا، أولا لكونها أول امرأة تطأ البرلمان ولأنها ابنة عامل وزوجة عامل وشيوعية و "خادمة بيوت"، ودارت في أروقة الكورتيس (البرلمان الإسباني) المحادثات حول الحدث:
امرأة شيوعية ستلقي خطابا على السادة النواب هؤلاء (الباترياركا هنا في أسوء أحوالها)، يبتسمون سخرية، يهمسون وينتظرون العرض (الفرجة!). عندما صعدت دولوريس المنبر صدرت من بعض الأروقة ضحكات السخرية عندما نطقت الجملة الأولى، لكن ما إن نطقت دولوريس الجملة الثانية حتى عم الصمت.
استحضرت دولوريس أمام النواب، المتمردين الأستوريين، وأدانت القمع الذي تعرضوا له والبؤس والتعصب ... وبحماسة شديدة نزعت من مناقضيها أسلحتهم. في اليوم التالي كتبت صحيفة بلباو (اللبرالي) بعنوان عريض "امرأة دخلت البرلمان"، بينما هتفت صحافة مدريد "يا لها من امرأة"، ومن مكر التاريخ أنه، وقبل سن 42 أصبحت دولوريس نائبة رئيس الكورتيس.
منذ البداية، واجهت "الجبهة الشعبية" التخريب الاقتصادي الذي يقوده أرباب المعامل وكبار ملاك الأراضي، وقتلت الكتائب المسلحة الفاشية اليساريين والجنود الجمهوريين، فالفاشيون يستعدون للانتفاضة بتواطؤ من نواب اليمين في البرلمان.
3) ولادة شعار الحرب الأهلية الإسبانية "لن يمروا"
في 18 يوليوز 1936، تولى الجنرال فرانسيسكو فرانكو قيادة التمرد، وفي شوارع مدريد صرخ الناس: "الأسلحة للشعب"، وفي اليوم التالي ألقت دولوريس خطابها الشهير "لن يمرو"، وستصبح دولوريس بالنسبة للشعب والعالم كله (لاباسيوناريا)، وانبرى صوت دولوريس مخاطبا الشعب الإسباني:
"هنا راديو الاتحاد من مدريد، من مقر وزارة الداخلية دولوريس تخاطبكم"، وهي شاحبة للغاية تعلن:
"عمال! فلاحون! مناهضو الفاشية! الإسبان! الوطنيون! في مواجهة التمرد العسكري الفاشي قوموا جميعا للدفاع عن الجمهورية، للدفاع عن الحريات الشعبية والمكتسبات الديموقراطية، البلد كله يهتز سخطا ضد أولئك اللذين يريدون غمر إسبانيا في جحيم الرعب والموت، لن يمر الفاشيون، لن يمروا!!"
استلهمت دولوريس خطابها الشهير هذا من التصريحات التي أدلى بها الجنرال الفرنسي روبرت ينفل خلال هجوم ألماني على فرنسا سنة 1916.
"لن يمر الفاشيون"، لقد أصبحت هذه العبارة في نهاية المطاف صرخة المعركة للجيش الجمهوري، وعندما غادرت وزارة الداخلية بعد إلقائها هذا الخطاب، تشكلت مجموعات بالقرب من "بويرطا ديل صول"، وصرخت "لن يمروا"، وهكذا ولد شعار الحرب الأهلية الإسبانية.
لقد حدد هذا الشعار الضرورة المطلقة للوحدة، فحتى لو بقي جزء من الجيش مخلصا للجمهورية، فإن النظام لا يملك بنية عسكرية قادرة على إيقاف مؤيدي فكرة جديدة: الشعب الذي رفضت له السلطة السلاح الذي يطالب به سبق المبادرة الحكومية واستولى على الأسلحة هناك حيث توجد، في هذا الدفاع العفوي عن الجمهورية.
على أمل قيام ثورة تحفز البعض ضد الفاشية، فقد اختلطت الطبقة والجنس والعمر، فلم يعد ذلك ذا أهمية تذكر، فالذي يهم فقط هو النصر، النصر فقط، الذي يوجد في نهاية البندقية، التي تمر من يد إلى يد، وتنتهي أيضا في أيدي النساء، إنهن هنا مندمجات بالرجال، اللذين يتقاسمن معهم نفس القيم، هل فكرن في هذه اللحظات في الدفاع عن المكاسب النسائية للجمهورية ضد رد الفعل القومي المحتمل؟ إن هذا البعد القتالي ليس حاضرا إلا عند الحركات النسائية والمناضلات المنخرطات في الكفاح ضد الفاشية.
قبل الانقلاب على الجمهورية، تشهد روزاريو سانشيز موري الملقبة ب "ديناميترا" (من كلمة ديناميت بالإسبانية) على أن:
"غالبية النساء اللائي ذهبن إلى الجبهة ينتمين إلى منظمات العمال، وكن على وعي تام بالدفاع عن الدستور (دستور الجمهورية) الذي منحهن الكثير من الحرية، وكن يعلمن أن كل هذه الحريات المكتسبة سيتم منعها إذا وصل الفاشيون إلى السلطة".
في ثكنات العاصمة وجهت "لاباسيوناريا" خطابها للجنود، وبدأت في حشد العمال في المصانع وتنظيم النساء في الأحياء، ويأتي الناس بالآلاف للاستماع إليها، تلك التي بين اجتماعين وبين نقاشين وبين مقالين لا تتردد في تخصيص الوقت لعائلة في محنة، نفس المرأة التي لا تكل ولا تتعب، التي لا تقهر، التي توجه نداء لشعوب العالم:
"ساعدونا في منع سحق الديموقراطية في إسبانيا، إذا حدث ذلك فسيؤدي حتما إلى الحرب".
كان هذا نداء في غاية الأهمية في هذه الأسابيع الحاسمة لبداية الحرب، عندما تحاول الحكومة بكل الوسائل شراء الأسلحة، التي توجد لدى الفاشيين بوفرة، و التي يفتقد إليها - وهو أمر قاس جدا- المدافعون عن الحرية.
فكيف يمكن إيجاد الأسلحة؟
ذهب وفد إسباني رسمي إلى باريس، وقد هددت "لي كروا دو فوه"(صلبان النار) بتفجير الفندق الذي يوجد فيه الوفد، أما بالنسبة لرئيس المجلس الفرنسي، الاشتراكي ليون بلوم، فقد قال لوفد البرلمان الإسباني:
"إن فرنسا لا يمكن أن تتدخل، وأن أقصى ما يمكن أن يفعله يقتصر على احترام العقود الموقعة مع مدريد".
بالنسبة لدولوريس فإن فرنسا لا يمكن اختزالها في ليون بلوم، ففي شتنبر 1936، نظم الحزب الشيوعي الفرنسي تجمعا كبيرا في فلديف بباريس، فقالت دولوريس جملتها الشهيرة:
"من الأفضل أن تموت واقفا على أن تعيش جاثما على ركبتيك"، وعلى جدران المدن والقرى الفرنسية ازدهر شعار "المدافع والطائرات لإسبانيا"، تعبيرا عن تضامن الشعب الفرنسي مع الشعب الإسباني ضد الفاشية.
بالعودة إلى مدريد سرعت دولوريس ورفاقها في تنظيم أجهزة الدفاع عن العاصمة، ودعمت فكرة إنشاء جيش منتظم للجمهورية، بعلم واحد وقيادة واحدة، وشددت على ضرورة حفر الخنادق للدفاع عن مدريد، الشيء الذي رفضه التروتسكيون و الأناركيون، فكنت ترى دولوريس في جوانب العاصمة الأربعة، هنا تحفر خندقا مع سكان أحد الأحياء، و هناك ترافق نهرو و ابنته أنديرا غاندي و كتابا و شعراء و فنانين.
في 7 نونبر1936، استقبلت دولوريس "الألوية الأممية"، التي جاءت لتقاتل إلى جانب الشعب الإسباني الفاشية الفرانكوية، واللذين قالت عنهم دولوريس:
"إخوة أتوا من جميع أنحاء العالم للدفاع عن الحرية".
لقد كانت لحظة قصيرة من الفرح وسط المأساة، فقد شرعت المدفعية والطيران الفاشي في قصف مدريد، فمرتزقة فرانكو جونكرس هتلر وقوات موسوليني الآلية يمارسون ضغوطا على جميع الجبهات، إنها وضعية محفوفة بالمخاطر، جعلت الحكومة و البرلمان الإسبانيين يقرران نقل مصالحهما إلى مدينة فلانسيا.
لقد أصبحت دولوريس إباروري، لا باسيوناريا، "السيدة باللون الأسود" كما كانوا يسمونها لارتدائها الدائم للون الأسود، العدو رقم 1 للفرنسيين وأصدقائهم الأوربيين، فقد تم إطلاق حملة مغرضة من أجل تشويه صورتها في نظر الرأي العام، ففي فرنسا كتبت عنها المجلة الفاشية "غرينغوار" كلاما خبيثا من قبيل، المرأة المضطربة، الكارهة للدين ... ولا تختلف في ذلك عن الدعاية الفرنكاوية في إسبانيا.
تبين من مجريات الحرب وموازين القوى بين الفاشية والجمهورية، أنه لا يمكن احتواء القوات الفرانكوية، التي تساعدها بشكل متزايد الدعاية في برلين و روما، و أمام خطورة الوضع عادت دولوريس إلى باريس لتتحدث إلى العالم:
"في إسبانيا تخاض المعارك الأولى بين الديموقراطية والفاشية، التي تريد توسيع قوتها المترامية الأطراف حول العالم لخنق الحرية والتقدم، إن شعبنا يقبل بكل فخر، وبكل المسؤولية الكاملة المهمة التي ألقاها التاريخ على عاتقه، لكنه يطالب ألا يتم التخلي عنه ".
لقد سرعت اتفاقيات ميونيخ والاستسلام أمام هتلر من عزلة الجمهورية، وحده الذي قدم المساعدة للشعب الإسباني، من الطائرات والأسلحة المختلفة والمقاتلين والمستشارين ذوي الخبرة، هو اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.
لكن تحت الضغوط التي مورست على حكومة نيغرين من جميع الأطراف، وخوفا من اعتراف البلدان المجاورة بفرانكو تقرر سحب "الألوية الأممية".
في 28 أكتوبر 1937 تقول برشلونة وداعا للمتطوعين، وألقت دولوريس خطابا تودع فيه "الألوية الأممية" وتشكرها على الدعم الذي قدمته للشعب الإسباني في مقاومته للفاشية، أطلقت دولوريس هذه الكلمات المؤثرة والتي لا يمكن نسيانها ممن وجهت إليهم وألقيت على مسامعهم، بعد أن تمكنت الفاشية من وضع يدها على إسبانيا:
"إلى اللقاء إخواني! من الصعب للغاية أن نقول كلمة وداعا موجهة إلى أبطال "الألوية الأممية"، من هم؟ وماذا يمثلون؟
يعترينا شعور بالألم، الألم اللانهائي الذي يعتصر حناجرنا، كرب يستولي على قلوبنا، على أولئك اللذين يغادروننا، الجنود اللذين يمثلون المثل العليا للإخلاص الإنساني، المنفيون من وطنهم، الشعوب التي تتعرض للاضطهاد من قبل الطغاة، ألم على أولئك اللذين يبقون هنا إلى الأبد، يذوبون في وطننا ويعيشون في أعماق قلوبنا، مسكونين بشعور امتناننا الأبدي.
من جميع الشعوب والأجناس أتيتم إلينا كإخوان لنا، كأبناء لإسبانيا الخالدة، وفي أصعب أيام حربنا، عندما تعرضت عاصمة الجمهورية الإسبانية للتهديد، كنتم أيها الرفاق الشجعان من الألوية الأممية، التي ساهمتم في إنقاذها بحماسكم القتالي وبطولاتكم وروح وحسن التضحية لديكم.
لأول مرة في تاريخ نضالات الشعوب، مشهد تشكيل الألوية الأممية المدهش، الأعظم، الذي تم تقديمه للمساعدة في إنقاذ حرية واستقلال بلد مهدد، بلدنا إسبانيا. جاء الشيوعيون والاشتراكيون و الأناركيون و الجمهوريون، و رجال من مختلف الألوان و الإيديولوجيات و الأديان المختلفة، لكنهم كلهم يرتبطون بالحرية و العدالة بشكل عميق، جاؤوا ليعرضوا أنفسهم علينا بدون شرط، لقد قدموا لنا كل شيء، شبابهم أو نضجهم أو تجربتهم، دمهم و حياتهم، آمالهم و رغباتهم ... و لم يطلبوا منا شيئا، بمعنى، نعم: لقد أرادوا مكانا في النضال، كانوا يتوقون إلى شرف الموت من أجلنا. أعلام إسبانيا! ...، حيي الكثير من الأبطال، انحني أمام الكثير من الشهداء!...
الأمهات!... الزوجات!...، عندما تمر السنون و ترن جراح الحرب، عندما تنهار ذكرى الأيام الأليمة و الدامية لأجل حاضر من الحرية و السلام و الرفاهية، عندما يشعر كل الإسبان بفخر وطن حر، تحدثن إلى أطفالكن، أخبروهن عن هؤلاء الرجال من الألوية الأممية ... أخبروهن كيف عبروا البحار و الجبال و أنقدوا حدودا مدججة بالحراب تحرسها كلاب مسعورة راغبة في قطع أسنانها، جاؤوا إلى بلادنا كصليبيي الحرية للقتال و الموت من أجل حرية إسبانيا و استقلالها مهددين من طرف الفاشية الألمانية و الإيطالية.
لقد تخلوا عن كل شيء: العاطفة، الوطن، المنزل، الثروة، والأم والزوجة والإخوان والأبناء، وجاؤوا إلينا ليقولوا: ها نحن، إن قضيتكم، قضية إسبانيا هي قضيتنا، قضية الإنسانية كلها، وكل إنسانية متقدمة وتقدمية.
اليوم يغادرون، كثيرون، آلاف بقوا ككفن لأرض إسبانيا، ذكرى مشبعة بالمشاعر العميقة لجميع الإسبان.
رفاق الألوية الأممية!
... يمكنكم أن تغادروا بكل فخر، أنتم التاريخ، أنتم الأسطورة، أنتم النموذج البطولي للتضامن وعالمية الديموقراطية في مواجهة الروح الخبيثة المتساهلة لأولئك اللذين يترجمون المبادئ الديموقراطية من خلال التطلع إلى الخزائن والأسهم الصناعية، التي يريدون إنقاذها من المخاطر.
لن ننساكم، وعندما تزهر شجرة زيتون السلام المتشابكة مع أمجاد انتصار الجمهورية الإسبانية عودوا! ... عودوا إلى جانبنا، هنا ستجدون وطن من لا وطن له، أصدقاء لأولئك اللذين عليهم أن يعيشوا محرومين من الصداقة، وكل الحب، وكل تشكرات كل الإسبانيين، اللذين سيصرخون اليوم وغدا بكل حماس:
عاش أبطال الألوية الأممية! "
إلى جانب خطاب "لن يمروا"، الذي أضحى شعار المقاومة ضد الفاشية، كان هذا الخطاب من أقوى الخطب، التي ألقتها دولوريس طيلة مشوارها السياسي والنضالي.
في الوقت الذي كانت فيه برلين تساعد فرانكو في سحق الجمهورية الإسبانية، كان الجيش الألماني يستعد لاجتياح بقية أوربا، بالنسبة لهتلر، فإن مدريد و برونتي و غرينيكا و باراما هي أيضا اختبار عسكري بالنسبة له، أما بالنسبة لمتطوعي "الألوية الأممية" فسيكونون في جميع المعارك، في الصفوف الأولى لمقاومة الفاشية.
في 6 مارس 1939، قرر الحزب الشيوعي الإسباني مغادرة دولوريس إسبانيا، لقد تم إطلاق عملية مطاردة الشيوعيين في جميع أنحاء البلاد، وفي الثامن من مارس، في مطار قريب من أليكانتي قدمت مجموعة من المقاتلين للمرة الأخيرة الأسلحة لدولوريس برفقة جان كاتيلا، النائب الشيوعي الفرنسي، وشهيد المقاومة لاحقا ضد النازية وحكومة بيتان، الذي سيعدمه البيتانيون (نسبة للمارشال بيتان رئيس حكومة فيشي عندما كانت فرنسا تحت الاحتلال النازي بين 1940 و 1944). وفي يوم 24 شتنبر1941، عانقت دولوريس آخر جنود الجمهورية وامتطت طائرة صغيرة لترحل نحو الاتحاد السوفياتي.
في 18 يوليوز 1941، جمعت دولوريس ما يقرب من 200 إسباني في إحدى ثكنات موسكو، وقالت لهم:
"اليوم، كما بالأمس ستجدون أنفسكم والأسلحة بين أيديكم ضد الفاشية، أنا متأكدة أنكم ستقاتلون بشرف إلى جانب الشعب السوفياتي في الحرب ضد هتلر ومن أجل استقلال إسبانيا".
في هذه اللحظة يصرخ صوت:
"لن يمروا"، الشعار الذي أصبح كنار على علم، يهتدي به المقاتلون لسحق الفاشية، وبالفعل، في هذه المرة لن يمر الفاشيون.
حوالي 1000 من المتطوعين الإسبان سيكونون في صفوف الجيش الأحمر، سيكونون بصفة خاصة، فعالون وراء الخطوط الألمانية من أجل مهمات خاصة.
في إحدى المعارك بين الجيش الأحمر والقوات النازية سيستشهد ابنها روبن في معركة ستالينغراد البطولية.
أعطت هزيمة قوات هتلر الأمل للجمهوريين الإسبان، أليس فرانكو واحدا من أكثر حلفاء النازيين إخلاصا؟ ألم يتعهد الشعب الإسباني بأن يدفع الدكتاتور ثمن جرائمه ضد الجمهورية و تواطؤاته خلال الحرب العالمية؟
دون أن تنتظر نهاية الصراع، أخذت دولوريس الطريق نحو باريس، وفي 8 ماي 1945، احتفلت في باريس بالنصر على الفاشية، كانت رغبتها الغالية هي الاقتراب من إسبانيا، فاستقرت في تولوز لكن لفترة قصيرة، ففي عام 1950، حظرت الحكومة الفرنسية أنشطة الحزب الشيوعي الإسباني، فدخل قادته في السرية، أما دولوريس فقد عادت إلى موسكو حيث ستقود الحزب الشيوعي الإسباني إلى غاية 1960.
بقيت دولوريس في موسكو، وفي سنة 1964 منحت جائزة لينين للسلام، وفي العام التالي منحت وسام لينين، ومع ذلك في سنة 1968، هاجمت بقوة غزو الجيش السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا، وهاجمت أيضا الحزب الشيوعي السوفياتي التحريفي، وقد ردت القيادة السوفياتية على موقف دولوريس هذا برعاية الحزب الشيوعي الإسباني الانفصالي إينريك ليستر.
بعد وفاة فرانكو عادت دولوريس إلى اسبانيا، و في سنة 1975 انتخبت نائبة في الكورتيس.
lll – دولوريس، الشيوعية الثورية التي أبهرت العالم
يشهد كل ثوريي العالم بكفاحية ونضالية وشجاعة دولوريس إباروي لا باسيوناريا، ويظهر ذلك من خلال أقوالها، وما جاء في سيرتها الذاتية، ومن خلال شهادات معاصريها و مجايليها، و كل من كتب عنها.
1) من أقوال دولوريس إباروري:
كتبت دولوريس سيرتها الذاتية، جسدت فيها مواقفها من عدة قضايا، و على رأسها قضية المرأة و الأسرة في بداية القرن 20، لأن معاناتها ارتبطت بهذين الجانبين أساسا. تقول دولوريس :
"كانت المرأة المتزوجة بمثابة عبد في المنزل بدون أية حقوق، في المنزل فقدت المرأة شخصيتها، أعطت نفسها، بحكم الضرورة لحياة التضحية، لقد تحملت عبئ العمل والحرمان، والسعي لجعل حياة أطفالها وزوجها أكثر متعة وأقل قسوة وأقل صعوبة حتى أهلكت نفسها، وتحولت في النهاية إلى "عانس"، "لا تفهم"، لا تقوم إلا بالإزعاج، في أحسن الأحوال هي خادمة لمن هم أصغر، مربية للأحفاد.
عند ولادة ابنتي الأولى، عشت قرابة سنة تجربة مريرة، لدرجة أن حب طفلتي هو الذي أبقاني على قيد الحياة، كنت مذعورة، ليس من الحاضر القبيح، ولكن الذي لا يطاق، أن الواقع كما هو، والحقيقة الصريحة صدمتني مثل كل امرأة، بأيديها غير الرحيمة. خلال تجربتي الخاصة تعلمت الحقيقة المرة للقولة الشعبية التالية: "أمي، ماذا يعني أن تكوني متزوجة، ابنتي: أن تكوني خياطة وتلدي أطفالا وأن تبكي". البكاء ثم البكاء على مصائبنا، البكاء على عجزنا، أن نبكي على أبنائنا الأبرياء، اللذين كل ما عندنا لمنحهم إياهم كانت مداعبتنا لهم الغارقة في الدموع، أن نبكي على حياتنا المليئة بالألم، بدون آفاق، بدون مخرج، دموع مريرة مع شقاء دائم في القلب وكفر على الشفاه.
2) قالوا عن دولوريس إباروري:
كانت دولوريس، كما يحكى عنها منبرا كبيرا في الحزب يعبئ الجموع، ذلك أنها كانت ذات صوت يأخذ بالألباب، و مواهب استثنائية كخطيبة، في 19 يوليوز 1936، أي في اليوم التالي للانقلاب القومي الفاشي، جاء المدافعون عن الديموقراطية ليجدوا صيحة حاشدة، امرأة، تلك المرأة التي أصبحت أسطورة، تجسد النضال، يتم الكشف بسهولة عن جوانب هذا البناء الخيالي: صوت الشعب الصامت، نموذج العطاء الذاتي من أجل القضية العادلة، المرأة الجريئة الملفوفة بالسواد، تخاطب الجنود للانضمام إلى الجمهورية، و حفر الخنادق، و عبور الحدود للبحث عن الحلفاء ...تتشابك الأرقام بمهارة لاستكمال بناء شخصية الباسيوناريا، من الواضح أن الأسطورة تعمل بمجرد ولادتها، حاشدة، محفزة. كلمات دولوريس لها تأثير هائل على الجمهوريين، بمجرد الإعلان عنها تصبح شعارات، فدون استيعابها وفقا لطريقة تفكير الحزب الشيوعي، تصبح فكرة صحيحة، حقيقة لا مفر منها، عبارات صادمة تبرز من خطاباتها، وترقى إلى درجة شعارات ومراجع، وهكذا احتفظت الذاكرة الجماعية بأربع عبارات تاريخية لدولوريس:

"لن يمروا".
"يفضل الشعب أن يموت واقفا على أن يعيش جاثيا على ركبتيه".
"الرجال في القتال، النساء في العمل".
"من الأفضل أن تكوني أرملة بطل على أن تكوني زوجة جبان".

تشير هذه الصيغ المتكررة والمنتشرة والمعتمدة إلى السلوك الذي على الجمهوريين تبنيه.
كانت خطب دولوريس ذات لهجة دراماتيكية حقا، ففي واحدة من الجلسات الأكثر دراماتيكية في الكورتيس الإسباني، كان الموضوع يدور حول الأحداث الخطيرة التي عرفتها إسبانيا بين 16 فبراير و 15 يونيو، ففي جوابها على الخطاب الذي ألقاه خوسي ماريا و جيل روبلس، ألقت خطابا قويا خلد في تاريخ البرلمان الأمس و اليوم، من بين عباراته يمكن ملاحظة لهجة و شخصية هذه المرأة:
"يا سادة الحقوق!
جئتم هنا لتمزيق ملابسكم الفاسدة وتغطية جباهكم بالرماد ..."، "لقد كان، السيد جيل روبلس، أولئك الرجال المسؤولين عن سحق الحركة بائسين للغاية، و وصلوا أقصى درجات الشراسة الرهيبة لدرجة أنه لم يكن معروفا في تاريخ القمع في أي بلد ...".
كانت لدولوريس قدرة هائلة على التواصل، فقد نشرت رسالتها على الصعيد العالمي، كانت تتوجه بكلامها إلى النساء وإلى الشباب، ويجسد شعار "لن يمروا" بشكل أساسي الرسالة التقدمية للقرن العشرين، إنه ممثل لما تجسده الحركة اليسارية في هذا القرن.
قيل كذلك، أنه كان لدولوريس حس سياسي صحيح دائما، حول طريقة التموقع، وتلعب أوراقها في جميع الوضعيات، بالتأكيد، عندما يتعلق الأمر بالتكتيكات، يمكنها في بعض الأحيان أن تذهب بعيدا، يدفعها في ذلك شغفها وصدق شخصيتها، يأتي الناس للمسها كأنها قديسة.
قال عنها ميخائيل روستوف، المبعوث الشخصي لستالين إلى إسبانيا في بداية الحرب الأهلية الإسبانية:
" في المكتب السياسي، حيث الجو حاد وذكوري، تسيطر عليه القواعد بطريقة مبالغ فيها، كان حضور دولوريس يجلب الحرارة والفرح، وروح الفكاهة، أو الغضب الشديد، فقد كانت متشددة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالوفاء بالوعود، كانت تصل دولوريس بروحها المرحة وبهجتها وابتسامتها الساخرة إلى التخفيف من الأجواء المتوترة.
إذا كان عليها أن ترد على كلام قيل، ليس في محله، تقاطع صاحبه، وسيكون بدون جدوى محاولة إيقافها، بدون أن تكون قد عرضت خطبتها المسهبة والعنيفة وبدون أن تسترد أنفاسها".
"في فترة ما بعد الظهر، حضرت في فلانسيا اجتماعا جماهيريا ل "الجبهة الشعبية"، كان هناك حوالي 50 ألف شخص متحمس، عندما ظهرت لاباسيوناريا بلغ الحماس ذروته، إنها الزعيمة الشيوعية الوحيدة التي تعرفها الجماهير و تحبها، لكن في المقابل لا توجد شخصية أخرى في المعسكر الحكومي تحظى بإعجاب كبير مثلها، و هي تستحق شهرتها، ليس لأن لها عقلية سياسية، على العكس من ذلك، فإن ما يميزها بالتحديد ابتعادها عن جو المؤامرة السياسية،  امرأة سمتها البساطة و التضحية، تتحدث ببساطة، و بشكل مباشر، خطابات لا تنتهي، اجتماعات ضخمة منذ بداية الحر ب الأهلية، صدقها، تعبدها الجماهير، ليس لثقافتها و لكن كقديسة، التي يجب أن تقودها خلال الأيام الصعبة، كان إخلاصها للطبقة العاملة مطلقا و صادقا تماما، لقد أصبحت واحدة من الخطباء المفوهين في بلدها.
كان اسمها الذي اشتهرت به لا باسيوناريا (الذي يعني العاطفة باللغة الاسبانية) يرجع إلى حقيقة العاطفة التي ملأت شخصيتها بأكملها، كان صوتها صوفيا عندما دافعت عن شعبها وهاجمت أعداءها، دولوريس ضحكة دافئة ويد قوية، عبقريتها لا جدال فيها".
خلاصة
حتى وفاتها ظلت دولوريس إباروري لا باسيوناريا، وفية للنضال الثوري والمثل الشيوعية، لقد فضلت، كما تقول، أن تموت واقفة بدل أن تعيش جاثية على ركبتيها، المثل الذي شاع بين الناس منذ أن نطقت به، وهو الشعار الذي ظلت وفية له إلى آخر رمق في حياتها، كانت دولوريس شخصية رمزية للشيوعية في القرن العشرين، لا يمكن أن تتحدث عن الأخلاق الشيوعية دون أن تنتصب قامة هذه الثورية البروليتارية الأممية، إنها المرأة المكافحة والرائدة في نضالات العمال والنساء في إسبانيا. لم تقاوم دولوريس إغراء ترك كتابات تروي وتشرح الأحداث التي وقعت لها ومرت منها، كانت الطريقة التي كتبت بها مذكراتها سنة 1962 تعكس طريقا شاقا للوصول إلى النضال السياسي، حيث لم تكن تحظى المرأة بالاحترام والاعتبار. من جهة أخرى نشرت عدة كتب حول دولوريس وشخصيتها الشيوعية المناضلة، كما اهتم بشخصيتها البطولية العاملون في مجال السينما.
لقد أصبحت دولوريس من خلال الأدوار التي لعبتها في الحرب الأهلية الإسبانية، في مقاومة الفاشية أسطورة ورمزا للمقاومة الإسبانية، لم تتخل أبدا عن النضال من أجل الشعب الإسباني، كانت امرأة عاملة أفرزتها الطبقة العاملة، امرأة ذات قناعات عميقة، كانت محط إلهام جميع الأشخاص اللذين التقوا بها، هذه الشيوعية الشهيرة، الشجاعة فعلت كل شيء خلال الحرب الأهلية، من تدبير الحضانة لأطفال المقاومين إلى تدبير المراكز حيث توجد الأسلحة الرشاشة.
في كل ما قامت به وأنجزته ومارسته، كانت دولوريس تجسد الأخلاق الشيوعية كما يجب أن يكون عليها الشيوعي الحقيقي، والتي بدونها لا يستوي أي كلام عن الثورية وعن الشيوعية.

جميلة صابر
11 دجنبر 2019

يوجد هذا النص مرفقا بمجموعة من الصور، وكذلك بصيغة بدف، على موقع 8 مارس الثورية (انظر أسفل هذا النص على الصفحة الرئيسية للموقع، أو في خانة: مذكرة المناضل ــ ة)

موقع 8 مارس الثورية
http://8mars-revo.hautetfort.com/

 








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تظاهرات حاشدة في مدن الضفة الغربية دعما لغزة ومواجهات مع الج


.. مراسل آر تي: إسرائيل تطلق الرصاص لمنع متظاهرين لبـنـانيين حـ


.. هل رفضت إسرائيل وساطة مصر للتهدئة مع الفصائل الفلسطينية؟




.. محاولة عدد من المتظاهرين في الأردن اجتياز الخط الحدودي مع فل


.. قصف مستمر على غزة و الفصائل الفلسطينية ترد بالصواريخ.. وإسرا