الحوار المتمدن - موبايل


ستالين والثورة بقلم راوول ماركو/ ترجمة مرتضى العبيدي

مرتضى العبيدي

2019 / 12 / 25
ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا


بمناسبة الذكرى 140 لميلاد القائد الأممي جوزيف ستالين (21 ديسمبر 1879)، ننشر هذه الترجمة لنص كتبه الرفيق راوول ماركو القيادي بالحزب الشيوعي الاسباني الماركسي اللينيني بمناسبة الاحتفال بمائوية ثورة أكتوبر والمنشور بالعدد الخاص بهذا الحدث العظيم لمجلة "وحدة وصراع"، اللسان المركزي للندوة الدولية للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية.

"الزعماء يأتون ويذهبون، لكن الشعب باق. وحده الشعب لا يفنى، أما كل الباقي فهو عابر"
(ستالين)

"إن تاريخ الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي هو تاريخ ثورات ثلاث: الثورة الديمقراطية البورجوازية لسنة 1905، الثورة الديمقراطية البورجوازية لشهر فيفري 2017 وثورة أكتوبر 1917 الاشتراكية.
إن تاريخ الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي هو تاريخ إسقاط القيصرية، هو تاريخ إسقاط سلطة الملاكين العقاريين والرأسماليين، هو تاريخ سحق التدخل العسكري الأجنبي خلال الحرب الأهلية، هو تاريخ بناء الدولة السوفيتية والمجتمع الاشتراكي في بلادنا."

ولعله لم يكن هناك في العالم كفاح بطولي ومستمر، مثلما يتجلى في الثورة الروسية لشعوبها وقومياتها.
وإلى هذه الثورات، وجب إضافة النضال والمساهمة الحاسمة للاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية. نضال ملحمي، لا مثيل له في التاريخ، حيث هُزمت ألمانيا الهتلرية بصفة حاسمة من قبل الجيوش السوفيتية. ليس الأمريكان هم من سدّدوا الضربات القاضية للنازيين، بل حصل ذلك خلال معارك ستالينغراد وكورسك، هُزمت الوحدات القتالية الألمانية المدججة بالدبابات الهجومية بفضل بطولات السوفيتيين وقدرتهم على المقاومة والتضحية والكفاحية العالية. وهنا وجب التذكير بالمحاولات البريطانية والأمريكية لدفع الألمان للانقضاض على الاتحاد السوفيتي، ورفضهم فتح الجبهة الثالثة التي طالب الاتحاد السوفيتي بفتحها. وكان "الحلفاء" يفضلون المواجهة المباشرة بين ألمانيا والاتحاد السوفيتي. وكان على السوفيتيين، الواعين تمام الوعي بالوضع، ربح بعض الوقت لمزيد الاستعداد، وهو ما أجبرهم على إمضاء معاهدة عدم الاعتداء المتبادل مع ألمانيا.
وقد كُتب الكثير بخصوص تلك المعاهدة. ورغم أن الأحداث أثبتت الضرورة القصوى بالنسبة للاتحاد السوفيتي لإمضاء مثل تلك المعاهدة، حتى يستعدّ جيّدا للحرب، ويحوّل مصانع بأكملها حتى لا تبقى على مرمى السلاح النازي، ويعدّ الدفاعات وينشأ وحدات حرب العصابات... فإن "سكان الكهوف" المعادين للشيوعية والانتهازيين من كل شاكلة والتروتسكيين وغيرهم لم يكفّوا عن الإشارة إلى المعاهدة للتهجم على الشيوعيين.
ويا للصدفة! ففي كل هذه الكتابات تقريبا، تتم الإشارة إلى الدور القيادي للينين وزينوفييف وكامينيف وريكوف وتروتسكي في ثورات 1905 و1917 ويُسكت أو يُقلّل من الدور الهام وأحيانا الحاسم لستالين. ولكن عندما يريدون اتهامه بكل الأشياء الحقيقية أو الوهمية، يُحبّر هؤلاء المؤرخين المزيّفين أطنانا من المقالات والكتب.
لكن جوزيف فيسّاريونوفيتش ستالين احتلّ منذ البداية مواقع قيادية ومسؤوليات خلال الثورات الثلاث. ويجب أن نقول إن ستالين، ومنذ أن كان طالبا، ساهم بصفة نشيطة في كل النضالات المطلبية لذلك العصر.
وُلد ستالين في "غوري" (جورجيا) يوم 21 ديسمبر 1879. وعند تخرجه من المدرسة الإعدادية في سنّ الخامسة عشر (1894)، التحق بالمدرسة الكنسية بتيفليس، عاصمة جورجيا التي لم تكن وقتها سوى إحدى المستعمرات التابعة لإمبراطورية القيصر الشاسعة، والتي كانت تشكل مع أرمينيا وأذريبيجان بلاد القوقاز. وككل المستعمرات، كانت جورجيا تعاني من مختلف أنواع الاضطهاد (ومن بينها الاضطهاد اللغوي) من قبل الإمبراطورية، وهو ما أدّى إلى قيام عديد الانتفاضات والمظاهرات والتمرّدات التي كانت تنتهي عموما في بحر من الدماء. وكانت شعوب عديدة تسكن بجورجيا: الجيورجيون والأرمن والأكراد والأتراك وغيرهم.
وخلال العشرية الثامنة من القرن التاسع عشر (1870 ـ 1880)، كان للشعبويين المتحالفين مع بعض العناصر من البورجوازية نفوذ كبير في جورجيا. وكانوا يدافعون على الفكرة القائلة بأن العنصر المحرّك للثورة هو الفلاحون، إذ كانوا يجهلون تماما الطبقة العاملة الناشئة والتي كانت قليلة العدد. وقد فضحهم بليخانوف وأعلن النضال ضدّهم، موضحا أنه في أيّ ثورة محتملة، وجب الأخذ بعين الاعتبار دور البروليتاريا، وهو ما يحتّم إنشاء حزب للطبقة العاملة.
"إن الثوريين يجب أن يقيموا أملهم على البروليتاريا، على نموّه، لأن البروليتاريا، رغم ضعف عددها آنذاك هي الطبقة الكادحة المرتبطة بأرقى الأشكال الاقتصادية، أي بالإنتاج الكبير." (تاريخ الحزب الشيوعي البلشفي للاتحاد السوفيتي)
وتبنّى فيسّاريونوفيتش الفكر الماركسي الذي أدخله بليخانوف إلى روسيا، ونذر نفسه للعمل على نشره. ولم يلبث أن تفطنت له إدارة المدرسة الكنسية فتمّ طرده منها. فتوجه إلى النضال بين العمال وخاصة في قطاع السكك الحديدية في جهته. وهو ما أجبره على الانتقال إلى السرية متخذا عديد الأسماء الحركية: دافيد، كوبا وغيرها من الأسماء إلى أن اتخذ نهائيا اسم ستالين.
"وحسب رفاقه لتلك الفترة، فقد تجلّت لديه ميزة أساسية وهي لغته البسيطة المباشرة والقابلة للفهم من الجميع، وخاصة من العمال. ومن خلال أحاديثه، ظهرت الماركسية، أي الاشتراكية العلمية، واضحة، تخاطب العقل وتفتح أبواب المستقبل.
وعلى عكس آخرين كانوا مجبرين على بذل مجهود كبير لإسماع صوتهم وتبليغ أفكارهم، لم يكن ستالين ذلك المثقف الذي يخاطب الشعب بل كان الشعب الذي يخاطب نفسه.
وفي تلك السنوات الأولى التي شكل فيها تنظيم نضال العمّال شغله الشاغل، انقطع عن جميع المشاغل الأخرى. فعاش في زهد مطلق، مجبرا على الاختفاء مرارا، حتى أنه لم يكن يأكل دائما حتى الشبع، لكنه كان دوما مفعما بالحماس والغبطة، وكان نفوذه بين رفقائه يتعاظم. "
نذر ستالين نفسه لنشر الماركسية و للنضال الثوري ولبناء تنظيم الثوريين (كان يشرف آنذاك على حلقتي مناضلين). وشارك في مظاهرة غرة ماي الكبرى في مدينة تيفليس سنة 1901.
وفي تلك الفترة، تحصلت المنظمة على نسخة من جريدة "إيسكرا" (الشرارة) التي كانت تصدر في الخارج وتروّج بصفة سرية داخل روسيا. وكان لينين يشرف على محتواها وينشرها بمساعدة كل من بليخانوف وأكسلرود اللذين كانا يشرفان على مجموعة "تحرير العمل". وقد لعبت هذه الصحيفة دورا أساسيا في نشر أفكار لينين. وكما قال الشاعر بوتشكين "من الشرارة سيندلع اللهب".
ورغم الاحتياطات القصوى التي كان يتخذها، تعرّض ستالين مرارا عديدة إلى الإيقاف، ومنها إيقافه في "باتوم" الذي أبعد على إثره إلى سيبيريا. لكن الشاب ستالين لن يمكث طويلا هنالك، إذ تمكّن من الفرار، بعد مغامرات شاقة، وعاد إلى "باتوم" لمواصلة النضال
وعن تلك الفترة، كتب المناضل البلشفي "أوردجونيكيدزه" ما يلي: "كان ستالين في ذلك الوقت، البلشفي القوقازي الأكثر كرها لدى المناشفة... ثم أصبح القائد البلشفي المعترف به من الجميع في جورجيا أولا وفي كامل القوقاز بعد ذلك".
وعلى هذا الأساس، واصل نضاله، مكتسبا نفوذا وهيبة كبيرا لم يفقدهما في أيّ وقت رغم كل التهجمات التي كان عرضة لها. وفي ديسمبر 1905، تمت الدعوة إلى عقد ندوة في "تامرفورس" بفنلندا شارك فيها ستالين كمندوب. وهنالك التقى للمرّة الأولي بلينين، وبدأت علاقة رفاقية حميمة بينهما قوامها المبادئ الماركسية (دعني أضيف واللينينية كذلك). ومن بين تعليقات ستالين عن ذلك اللقاء، أورد هذا التعليق: "لم يكن لينين مجرّد قائد من قادة الحزب، بل كان زعيما من طراز راق، كان نسرا من نسور الجبال".
وقد خلفت هزيمة جيوش القيصر وأسطوله في الحرب الروسية اليابانية حالة من الغضب الشعبي، وحركة مناهضة للحرب وللقيصر. وهنا بدأت تبرز بجلاء الاختلافات بين اللينينيين أو البلاشفة والمناشفة. هؤلاء، ومن بينهم تروتسكي، "انزلقوا إلى مواقف "دفاعية" متطرّفة تقول بضرورة الدفاع على "وطن القيصر والملاكين العقاريين"، بينما كان لينين والبلاشفة يرون أن هزيمة حكومة القيصر في حرب السلب والنهب هذه من شأنه أن يُضعف القيصرية ويعزّز الثورة (...) وكانت رغبة القيصر هي إضعاف الثورة بإعلان الحرب، إلا أن النتيجة كانت عكسية."

وبالفعل، حصل في روسيا حراك جبار ساهم فيه ستالين من مواقع متقدمة. ففي ديسمبر من سنة 1904، نظمت اللجنة البلشفية في "باكو" إضرابا كبيرا وتولت قيادته. وقد كان هذا الإضراب، كما أشار إلى ذلك ستالين، بمثابة "إشارة الانطلاق للحركة الثورة المهيبة التي ستشهدها روسيا خلال شهري جانفي وفيفري المواليين". وقد شهدت سنة 1905 إضرابات كبرى وخاصة عديد الصدامات مع البوليس وباقي أجهزة القيصر القمعية، مثلما حدث خلال "الأحد الدامي" الموافق للتاسع من جانفي، حيث تمّ مواجهة المظاهرة الكبرى التي شارك فيها ما يزيد عن 140 ألفا من العمال والنساء والأطفال، بالحديد والنار من طرف فيالق المشاة. تلك المظاهرة التي حدثت رغم تحذير البلاشفة الذين كشفوا للجميع الدور الاستفزازي الذي لعبه القسّ "غابون" خدمة للقيصر وأتباعه. لكنها مثلت في الحقيقة البداية، أي الخطوات الأولى للنضال السياسي للعمال وللحركة الثورية. كما أنها نبهت إلى الاختلافات بين البلاشفة والمناشفة.
"في ذلك الوقت، كان الرفيق ستالين يقوم بعمل ثوري جبار في القوقاز. فكان يكشف ويفضح المناشفة كعناصر معادية للثورة وللانتفاضة المسلحة. ففي إحدى التجمعات الكبرى بمدينة تيفليس، يوم الإعلان عن بيان القيصر، توجه الرفيق ستالين بسؤال للجماهير الغفيرة الحاضرة: "ماذا يلزمنا حتى نحقق النصر؟" ثم أجاب: "أشياء ثلاثة: أولا أن نتسلّح، وثانيا أن نتسلّح، وثالثا ودائما أن نتسلّح"
كان القمع رهيبا خلال سنوات الثورة الثلاث (1905 ـ 1907). وقد قام ستالين خلالها بعمل جبّار، فقد ساهم في جميع الصراعات الإيديولوجية القائمة، مدافعا عن الماركسية وعن أفكار لينين. وكان صيته يتعاظم يوما بعد يوم. وكـ "لينيني حد النخاع"، فقد كسب احترام رفاقه وكُره جميع الأشخاص الذين سيتمّ كشفهم في ما بعد.
واحتد الصراع بين البلاشفة والمناشفة، وشمل مواضيع عديدة مثل المشاركة من عدمها في انتخابات الدوما (البرلمان)، ومسألة العمل الشرعي والعمل اللاشرعي للحزب. وكان القمع قد فعل فعله وظهرت بعض الأحيان علامات التخاذل. وساهم المناشفة في تثبيط العزائم، وبرز ذلك جليا في مؤتمر ستوكهولم (1906)، حيث لم يتمكن البلاشفة من إرسال مندوبين عن عديد المنظمات التي طالها القمع. وقد برز ستالين مجددا بوفائه للماركسية ولأفكار لينين. وكانت مداخلاته لافتة، لكن البلاشفة كانوا أقلّيين عدديا في ذلك المؤتمر. وقد انبثقت عنه لجنة مركزية متكوّنة من ستة مناشفة وثلاثة بلاشفة فقط.
أما في المؤتمر الخامس (لندن، 1907)، فقد تفوّق البلاشفة على جميع التيارات الأخرى بما فيها التيار المنشفي. وعند عودته من المؤتمر، التحق ستالين مجددا بموقعه النضالي في "باكو"، وتحمّل قيادة "بروليتاري باكو"، وهي منظمة لعبت دورا كبيرا في الصراع الإيديولوجي المطروح وقتها. وكان المناشفة يخططون مجددا لتصفية النضال السري.
وقد ندّد ستالين بأولئك "الشرعويين" الذين كانوا يرفضون أي نوع من العمل السرّي. لكن الإيقافات التي تعرّض لها منعته من تعميق هذا الجانب من النضال. وقد كان ستالين أحد أكثر الثوريين المفتّش عنهم من طرف البوليس القيصري. ولا يمكن أن نحدّد بدقة عدد الإيقافات التي تعرّض إليها ولا طول المدّة التي قضاها في السجون، لكن يمكن التأكيد أن لا شيء استطاع ثنيه عن النضال أو المساس بروح المناضل الثوري لديه.
ولا بأس أن نستعرض هنا بعض الأحداث التي تبرز طينة جوزيف فيسّاريونوفيتش. فبعد إيقافه سنة 1907، تمكّن من الفرار من معتقلات سيبيريا في السنة الموالية. وبعد إيقافه سنة 1910، فرّ مجدّدا سنة 1911 من سيبيريا كذلك واستقرّ في سان بطرسبورغ، حيث عمل بلا كلل. وبعدما اعتقل مجددا، فرّ للعودة إلى نفس المدينة. وقد منعته هذه الحوادث من المشاركة في ندوة الحزب المنعقد في براغ سنة 1912. لكن صيته كان ذائعا كقائد حتى بين أعدائه الذين كانوا حريصين على تصفيته سياسيا، إلا أنه ورغم غيابه عن الندوة، تم انتخابه عضوا باللجنة المركزية للحزب. وقد ساهم في بعث جريدة "البرافدا" (الحقيقة) التي عملت على تطوير النضال ضدّ الانتهازيين. وقد حضر أشغال الندوة التي التأمت في كراكوفيا، أواخر سنة 1912 والتي تمّت فيها القطيعة مع المناشفة.
وقد تمّ إيقافه مجدّدا سنة 1913. لكن إضافة إلى عمله كمنظّم وكداعية، فقد خصّص شيئا من وقته للكتابات النظرية. ففي نفس تلك السنة، بعث لينين برسالة إلى جريدة "الاشتراكي الديمقراطي"، جاء فيها:
"لقد تلقينا عديد الضربات والإيقافات: فقد تمّ إيقاف "كوبا"، لكنه وجد شيئا من الوقت لكتابة مقال مطوّل لثلاثة أعداد من الجريدة حول المسألة القومية. وهذا شيء ممتاز جدا. علينا أن نناضل من أجل الحقيقة، ضدّ الانفصاليين، وانتهازيي البوند والتصفويين".
وكان المقصود هو كتاب ستالين الشهير "الماركسية والمسألة القومية" الذي يتناول بكل وضوح الإشكاليات التي تطرحها مسألة القوميات. وقد ساعد هذا الكتاب جميع الأحزاب الشيوعية في العالم حيث تُطرح إشكالات تتعلق بالمسألة القومية. ويكفي التنويه أنه تمّ اعتماده عند صياغة دستور 1922 بالاتحاد السوفيتي.
وقد أكّد مولوتوف بعد عدّة سنوات:
"لم يكن ستالين مجرّد داعية ممتاز لأفكار لينين، بل إنه أدخل عناصر جديدة تتعلق بالمسألة. قبل الثورة، هنّأه لينين بخصوص كتابه عن القوميات ووصفه بـ "الجيورجي الرائع". وقد قرأت ساعتها كتاب ستالين: وهو عمل رائع ساهم بصفة متميّزة في توضيح النظرية الماركسية بخصوص المسألة القومية، وهو ذو أهمية عالية."
وقد تابع ستالين نشاطه ومساهمته في تحرير "البرافدا". ويؤكد مولوتوف: "كان لستالين أسلوب متفرّد في عمله الدعائي: لغة أصيلة، دقيقة، موجزة وواضحة. فهو يعرف كيف يصل إلى عقولنا".
يوم 18 جوان 1917، دعا الحزب البلشفي إلى التظاهر، وقد كتب ستالين في البرافدا ما يلي:
"إن مهمتنا الآن هي العمل على أن تتمّ المظاهرة في بتروغراد تحت شعاراتنا الثورية" وكان الأمر كذلك. وأعطت هذه المظاهرة التي شارك فيها 400 ألف شخص الدليل القاطع على تأثير البلاشفة، وعلى هزيمة المناشفة وشعاراتهم الداعية للتفاهم مع الحكومة لفائدة مواصلة الحرب الامبريالية. ومقابل هذه الشعارات الاستسلامية والانتهازية، كانت الشعارات البلشفية المرسومة على اللافتات: "فلتسقط الحرب!"، "وليسقط الوزراء الرأسماليون الأخسّاء!"، "كل السلطة للسوفييت!"
وبعيد شهر، أي بتاريخ 16 جويلية، تعددت المظاهرات العفوية في بتروغراد إلى أن تجمعت في مظاهرة حاشدة مسلّحة.
"كان الحزب البلشفي ضدّ أي عمل مسلّح في تلك اللحظة، إذ كان يعتبر أن ظروف الأزمة الثورية لم تنضج بعد ، لكن لمّا اتضح له أنه أصبح من المستحيل منع الجماهير من التظاهر، قرّر الحزب المشاركة في المظاهرة (...). وقد نجح الحزب، إذ توجه آلاف المتظاهرين إلى مقرّ سوفييت بتروغراد، ومقرّ اللجنة التنفيذية المركزية لسوفييتات روسيا، وطلبوا من السوفييتات افتكاك السلطة والقطع مع البورجوازية الامبريالية والشروع في إنجاز سياسة سلمية نشيطة"
انعقد المؤتمر السادس للحزب في شهر جويلية، ولم يتمكّن لينبن وقادة آخرون من حضوره بفعل حالة القمع السائدة. لكن حضره كل من ستالين ومولوتوف وأوردجونيكيدزه. وقدم ستالين تقرير اللجنة المركزية إلى المؤتمر، وقد تضمّن دحضا لمختلف أطروحات المناشفة وتروتسكي الذي كان في ذلك الوقت في صفوف البلاشفة، لكنه يتباين معهم في عديد المواقف.
وفي التقرير، تطرق ستالين إلى عديد القضايا الحارقة مثل: الرقابة العمالية على الإنتاج والتوزيع، إرجاع الأراضي إلى الفلاحين، افتكاك السلطة من البورجوازية ووضعها بين أيدي العمال والفلاحين الفقراء. وأكّد على أن كل ذلك يبقى غير ممكن طالما لم يستعدّ الحزب للانتفاضة المسلحة.
وردّا على الأطروحة التروتسكية القائلة بأنه "لن يكون بإمكان البلاد المضيّ قدما في طريق الاشتراكية إلا متى اندلعت الثورة البروليتارية في أوروبا الغربية"، أكّد ستالين ما يلي:
"ليس مستبعدا أن تكون روسيا هي التي تفتح الطريق للإشتراكية (...)، علينا التخلي عن هذه الفكرة الزائفة القائلة بأن أوروبا وحدها هي التي يمكنها أن تنير لنا السبيل. هنالك ماركسية دغمائية وماركسية خلاقة، وأنا أختار موقعي ضمن هذه الأخيرة."
وقد صادق المؤتمر على التقرير الذي قدمه ستالين والمتضمّن في الواقع لأفكار لينين المعبّر عنها في "أطروحات أفريل"، وقد تم هزم أطروحات بوخارين وبقية المناشفة.
وفي مواجهة الأفكار الاستسلامية والسلمية وغيرها، أكّد ستالين: "إن المرحلة السلمية للثورة انتهت، وقد وصلنا الآن إلى مرحلة المواجهة المباشرة والانفجارات."
وبداية من تلك اللحظة، كثفت الحكومة البورجوازية من القمع ضدّ البلاشفة. أما المناشفة، وبسبب سياستهم الانتهازية، فإنهم أصبحوا عاجزين عن فعل أيّ شيء، وراحوا يلحّون على ضرورة التحوّل السلمي في الوقت الذي كانت فيه الثورة تجوب الشوارع، وتواصل سيرها نحو "احتضان السماء".
وفي أكتوبر، وبعد عودته من فنلندا، دعا لينين لانعقاد اللجنة المركزية التي أقرّت ضرورة تنظيم الانتفاضة. وقد اعترض على القرار كل من زينوفييف وكامينيف بدعوى أن الطبقة العاملة غير جاهزة بعدُ لتسلّم السلطة.
ويوم 16 أكتوبر وفي دورة جديدة للجنة المركزية حضرها عديد المناضلين الذين كانوا يشغلون عدة مسؤوليات، تمّ بعث هيكل لقيادة الانتفاضة، وانتُخب ستالين مسؤولا عن هذا الهيكل.
وخلال انعقاد المؤتمر الثاني للسوفييتات يوم 25 أكتوبر، وبينما كانت المعارك الطاحنة تدور في الشوارع، أعلن المؤتمر على الساعة العاشرة و45 دقيقة انتصار الانتفاضة المسلحة والمرور إلى سلطة السوفييت.
بعض المثقفين من المؤرخين أشاروا إلى أن تروتسكي كان العنصر الرئيسي في انتفاضة أكتوبر. من المؤكد أن تروتسكي لعب دورا هاما فيها، لكن من المؤكد كذلك أن لينين كان قائدها الرئيسي، كان روح الانتفاضة بمساعدة ستالين. وكان عليهما الردّ على أطروحات تروتسكي وأنصاره ومقاومتها، مثلا موقفه عند الإمضاء على سلم بريست ـ ليتوفسك. كما أن عديد خططه العسكرية عارضها ستالين بموافقة لينين. إذن يمكن القول أن ستالين ولينين، في توافق تام بينهما، كانا أهم قادة الانتفاضة المسلحة في تلك الأيام العصيبة. أما عن تروتسكي، فيكفي أن نشير إلى ما دوّنه بشأنه لينين: "كان تروتسكي، كعادته دائما، في تناقض تام مع الاشتراكيين الشوفيين قولا، لكنه كان متفقا معهم على جميع التفاصيل فعلا."
وفي شهر فيفري 1917، أي شهر واحد قبل غرق القيصرية، كتب لينين ما يلي: "إن اسم تروتسكي يعني من ناحية، الكلمات اليسارية الرنّانة، ومن ناحية أخري كتلة يمينية ضدّ أهداف اليسار. والأمر معبّر للغاية أن يصف لينين تروتسكي بـ "يهوذا" الثورة الروسية.
فهذه "الأيام العشرة التي هزت العالم، حسب عبارة جون ريد، ما كان لها أن تنتصر لولا ذلك النضال العنيد ضد الانتهازيين والتصفويين.
"وقد يُخيّل لبعضهم أن البلاشفة أنفقوا وقتا كثيرا في النضال ضد العناصر الانتهازية في الحزب، وأنهم استعظموا شأنها وقدّروا أهميتها فوق ما هي، إلا أن ذلك غير صحيح إطلاقا. فكما أنه لا يمكن التسامح بوجود قرحة في جسم سليم، فكذلك لا يمكن أن يتسامح أحد بوجود الانتهازية لديه. الحزب هو الفصيلة القائدة للطبقة العاملة، هو حصنها الأمامي، هو هيئة أركانها الكفاحية. فلا يمكن القبول بأن يكون في هيئة الأركان التي تقود الطبقة العاملة متشكّكون، وفاقدو الثقة، وانتهازيون واستسلاميون وخونة. إن الذي يخوض ضد البورجوازية نضالا حتى الموت، وفي هيئة أركانه نفسها، في حصنه نفسه، استسلاميون وخونة، يقع في وضع المحصور بين نارين"
"إذا كان حزبنا قد نجح في تكوين وحدته الداخلية، وتكوين التماسك الذي يسود صفوفه بصورة لم يسبق لها مثيل، فذلك يعود قبل كل شيء إلى أنه استطاع أن يطهّر نفسه، في الوقت المناسب، من دنس الانتهازية، واستطاع أن يطرد من صفوفه دعاة التصفية والمنشفيك. إن طريق تطوير الأحزاب البروليتارية وتقويتها هي الطريق التي تمرّ عبر تطهير هذه الأحزاب من الانتهازيين والإصلاحيين، ومن الاشتراكيين الاستعماريين والاشتراكيين الشوفينيين، ومن الاشتراكيين الوطنيين والاشتراكيين السلميين. إن الحزب يقوى بتطهير نفسه من العناصر الانتهازية." (ستالين: أسس اللينينية).

***

ليس من الممكن أن نصف في بضع صفحات ماذا كان وماذا أنجز هذا العملاق الثوري. فعند وفاته، يوم الخامس من مارس 1953، بثت الإذاعة السوفيتية البلاغ التالي الصادر عن الحزب:
"إلى كل أعضاء الحزب
إلى كل عمال الاتحاد السوفيتي
لقد توقف قلب جوزيف فيسّاريونوفيتش ستالين، رفيق سلاح لينين، والمواصل العبقري لمُنجزه، والمرشد الفذ والمربي للحزب الشيوعي والشعب السوفيتي، عن الخفقان."
وبعد فترة جاءت ضربة خروتشوف. نعلم جميعا ما حدث: تدمير الاتحاد السوفيتي كبلد اشتراكي وغرس الرأسمالية. ورافق ذلك حملة شعواء على ستالين على الصعيد العالمي.
وقد تطرق رفيقنا "كارلوس هيرميدا" إلى هذه المسألة في مقدمة السيرة الذاتية السياسية لستالين الذي نشرها حزبنا، الحزب الشيوعي الاسباني الماركسي اللينيني:
"ستالين ليس في حاجة لا إلى كتابة سيَر ركيكة ولا إلى مدائح مبالغ فيها. ليس أسهل من كتابة التاريخ بطريقة علمية ودقيقة. ودون نفي الأخطاء المرتكبة، فإن سياسة التخطيط الاقتصادي قد حوّلت الاتحاد السوفيتي في ظرف عشر سنوات فقط إلى قوّة عظمى صناعية، ووضعت القاعدة العلمية والتقنية التي مكنت الاتحاد السوفيتي من هزم ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية (...) فالأراجيف المختلقة في إبانها من طرف "رويارت كونكاست (Robert Conquest) والمروّجة بفضل المساعدة السخية للمخابرات المركزية الأمريكية، عن طريق وكالات "ثقافية" مزيّفة، والتي تم تداولها في بلادنا من قبل رُواة أمثال "سيزار فيدال" (César Vidal) و"بيو موا" (Pio Moa) و"ريكاردو دي لا سيارفا" ( Ricardo de la Cierva ) وجامعيين وأكاديميين لم يكن القصد منها تشويه صورة ستالين فحسب، بل كانت تطمح من وراء هذه الشيطنة لشخصه إلى هدف أكثر طموحا: تجريم الشيوعية. واليوم هم يستعملون لفظة "ستاليني" كإهانة، ولكن من المهمّ أن نتذكّر أن هؤلاء الستالينيين هم من واجه في ثلاثينات القرن الماضي جحافل الفاشيست، ودافعوا على مدريد ضد جيوش فرانكو، وناضلوا في إطار المقاومة ضد الاحتلال النازي، وانتصروا في ستالينغراد وحرّروا برلين سنة 1945."
نختم هذا المقال بهذه الكلمات التي قالها ستالين في المؤتمر 17 للحزب، والتي مع الأسف أثبتتها الأحداث اللاحقة:
"إن من أوكد المهمات السياسية (...) هي التغلب على بقايا الرأسمالية في الاقتصاد وفي ضمير الناس"
وهل يمكننا القول أننا تغلبنا على بقايا الرأسمالية في ضمائر الناس؟ لا! أجاب ستالين، وذلك "ليس فقط لأن ضمائر الناس هي متخلفة عن الوضع الاقتصادي، لكن كذلك بفعل الحصار الرأسمالي الذي مازال قائما، والساعي إلى إحياء بقايا الرأسمالية في الاقتصاد كما في ضمائر الناس في الاتحاد السوفيتي، والذي علينا نحن، البلاشفة، أن نبقى متيقظين وأصابعنا على الزناد".
راوول ماركو
الحزب الشيوعي الاسباني الماركسي اللينيني
مارس 2017

الهوامش

تاريخ الحزب الشيوعي البلشفي للاتحاد السوفياتي، موسكو، 1938
موريس هارتمان: ستالين، منشورات إكليكتيك، باريس، 1979، ص 18 ـ 19
تاريخ الحزب الشيوعي البشفي للاتحاد السوفياتي
نفس المصدر
ف. توشاف: حوارات مع مولوتوف، منشورات ألبان ميشال، باريس، 1995.
تاريخ الحزب الشيوعي البشفي للاتحاد السوفياتي
م. سايارس وأ. كاهن: المؤامرة الكبرى








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - ستالين
فؤاد النمري ( 2019 / 12 / 25 - 07:38 )
قادة الجيوش السوفياتية وقادة الدولة السوفياتية كما قادة الدول الغربية يؤكدون جميعهم أن ستالين بشخصه هو من قرر نهاية الحرب العالمية الثانية
إزاء هذه الحقيقة التاريخية الثابتة لا تستطيع كلاب البورجوازية الوضيعة أن تستمر في النباح

اخر الافلام

.. أزمة الحكومة اللبنانية.. ومصير المبادرة الفرنسية | #غرفة_الأ


.. الهلال الأحمر الفلسطيني: ارتفاع إصابات مواجهات الأقصى إلى 20


.. شاهد.. مشاركة العسكريات الروسيات في استعدادات للعرض العسكري




.. سد النهضة .. الجهود الدولية لحل الأزمة | #غرفة_الأخبار


.. محمود عباس: بطش وإرهاب المستوطنين لن يزيدنا إلا إصرارا