الحوار المتمدن - موبايل


القمر والصحراء وزائر الليل قصة قصيرة

رحيم الحلي

2019 / 12 / 25
الادب والفن


لم يستطع ابا ذر ان ينام في ذلك المساء فقد بقي يستمع الى الاخبار التي يسمعها من خلال راديو الصغير الذي يحمله في جيبه طوال الوقت وكان ذلك الراديو هو مصدر سعادته الوحيدة في تلك الصحراء الواسعة التي ابعدته اليها السلطات السورية بسبب عناده مع ضابط الامن الذي طلب منه التعاون مع السلطات الامنية المحلية والحصول على راتب وسكن وخدمات اخرى . ابا ذر الشاب النحيل الذي عاش في بيت طيني متهالك وفي حارة شعبية فقيرة في مدينة الحلة العراقية وقد رافق منذ نعومة اظفاره والده الحمال المريض ليساعده في دفع العربة بعد خروجه من المدرسة ، تعلم من والده الهدوء والامانة وحب الناس وعدم الاساءة اليهم ، لم يكن يحب السلطات الامنية لان تلك المؤسسات الحكومية كما قال له ابوه ترتكب المظالم بحق الناس وقد تعلم من والده ان يكون مسالماً محباً للخير ، المهم انه الان يعيش في تلك الصحراء راعياً لقطيع من الاغنام بعد ان استقبله ابو محمد العكَيدي على باب الخيمة حين جاءهم قبل ستة اشهر وهو يبحث عن خيمة تـأويه في تلك الصحراء فقد تعبت اقدامه وتورمت وهي تسير هائمة في تلك الصحراء حتى شاهد بعد الظهيرة نقاطاً سوداء من بعيد ، تملكه فرح غامر فتلك النقط في الافق البعيد تعني وجود بيوت شعر حيث يستخدم البدو البيوت المصنوعة من شعر الماعز الاسود في الشتاء كي تجذب لهم حرارة الشمس وتمنحهم الدفء اما في الصيف يستبدلونها بصوف الماعز الابيض ، فقد خرج ابو محمد الذي عرف من نباح الكلاب ان شخصاً قد وصل الى بيوتهم ، فالبدو يفهمون لغة الكلاب ومعانيها عند نباحها التي تدل اصحاب البيت على كل ما يدور خارج الخيمة ، فهي تنبح ان رأت افعىً او عقرباً ، ويعرف البدو من نباحها كل تفاصيل الاحداث التي تدور خارج الخيمة، مما اثار دهشة ابا ذر الذي كان يتعجب كيف كان البدوي يعرف نوع السيارة وهي تسير على مبعدة اميال كثيرة سواء كان الوقت نهاراً او ليلاً ، المهم وقف ابو محمد يستطلع القادم وحين رأى ان كلابه الاربع قد طوقت واربكت القادم وقد بدا ابا ذر خائفاً وحائراً وهو يدور حول نفسه كي يتجنب عضات الكلاب التي تهاجمه فيمد يده للأرض فتنسحب قليلاً ثم تعاود هجومها ، نَهرَّ ابو محمد كلابه التي احترمت نداءه وابتعدت عن ابو ذر وخف نباحها قليلاً ، ابتسم ابو محمد لهذا الشاب القادم الى بيته ورحب به وطلب منه الدخول الى الخيمة حيث قُسمت من الداخل الى ثلاث اقسام تفصلها حواجز صنعت من القصب ، على اليمين كان المكان مخصصاً للضيوف واستراحة الاسرة ، جلس ابو ذر وقضى ليلة مريحة في فراش من الصوف بعد ان كان ينام على الرمل في الليالي الطويلة التي قضاها هائماً في الصحراء ، في ذلك الوقت كان البرد قاسياً في تلك الصحراء الممتدة وبعد ثلاث ليال حكى ابو ذر قصته الى ابا محمد الذي طلب منه البقاء معهم وقال له ستكون بمثابة ولدي الرابع لقد احزنتني قصتك وعش معنا وما يجري عليك يجري علينا، بعد مدة شعر ابو ذر من الملل وهو يجلس طوال الوقت في الخيمة وحاول ان يساعد الاسرة في اشغالها حين يجلب ولدهم خالد الاغنام لحلبها فقرر ابا ذر ان يساعد خالد الصبي الصغير ويطلب اليه ان يستريح في البيت وبعد بضعة ساعات كان يعود خالد لاستلام قطيع الاغنام بدل ابا ذر الذي لم يكن يعرف فنون الرعي اضافة الى انهم لا يستطيعون ان يمنحوه ثقتهم بهذه السرعة ويتركون رزقهم بين يدي شاب غريب يجهلون حقيقته تماماً رغم ان قلوبهم اطمأنت لهذا الشاب المسالم لكن الحذر واجب للحفاظ على رزق العائلة الوحيد، حتى مضت الايام وبدأوا يرون في ابي ذر واحداً من الابناء ، وحين جاء الصيف وبدأ الحليب ينشف في ضروع النعاج ، راح يسرح ابو ذر في الاغنام طويلاً ويمضي بها صوب تجمعات الامطار المتبقية في المنخفضات الترابية والتي امتلأت بالبعوض وتعكر ماءها لكن ابا ذر كان مضطراً ان يشرب الماء من تلك المياه بعد ان يستخدم الشماغ وهو قطعة قماش مزركشة بالأحمر والاسود يضعها الرجال على رؤوسهم كان يضع الشماغ امام فوهة الابريق لكي يشرب الماء من تلك البرك والمستنقعات الصغيرة المتبقية من امطار الشتاء والتي يعتمد عليها البدو في حياتهم ولكي تشرب منها اغنامهم . اليوم مضت سبعة ايام في الصحراء وقد اوشك وعاء اللبن وزوادة الخبز ان ينفدا ، منذ اسبوع لم يزره احد من الاسرة وقد شعر بالقلق ، هل اضاعوا اثره ، ام ان طارئاً منعهم من القدوم حيث اعتاد ان يزوروه كل بضعة ايام ، كانت شهية ابا ذر للطعام قليلة جداً ، فقد ضجر من اللبن والخبز الذي هو وجبة الراعي الوحيدة ، فقد ضعفت مثل شهيته للحياة ولكنه بقي صامداً فلم يفكر ان ينتحر كما فعل احد اصدقاءه حين وجد نفسه وحيداً في الصحراء فقرر ان ينتحر عبر شنق نفسه ، وقد قال بعضهم انه شنق نفسه على جذع شجرة على حافات الصحراء . شعر ابو ذر بالسرور حين هبت بعض الانسام الباردة في ذلك الليل من شهر تموز وفي تلك البقعة من الصحراء التي يسمونها المثلث حيث تلتقي حدود العراق والاردن وسوريا ، حيث كان الامير الشعلان قد اقام امارته الصغيرة وقد نصحه البعض الذهاب الى الامير الشعلان وطلب العمل عنده ساقياً للقهوة يدور بها على ضيوف الامير لكن ابو محمد حذره من الامير الشعلان فقد اعتاد ان يخبر السلطات الاردنية التي تقع امارته ضمن اراضيها ويرشدها الى القادم الجديد ان كان سياسياً ، كذلك اكد هذه الحقيقة مطر الفاعوري وهو تاجر اغنام يقوم بتهريبها بين الحدود وقد عرض الاخير على ابو ذر ان يهرب الاغنام مقابل الف دولار في كل ليلة وفي كل وجبة اغنام التي تتطلب بضعة ساعات سيراً على الاقدام لتجتاز الحدود لم يكن الخوف الذي منع ابو ذر من تهريب الاغنام لكن اخلاقه ومبادئه تمنعانه ، حيث قال له ابو ذر انا لن اساهم في حرمان الفقراء في سوريا من اغنام بلادهم لأهربها الى الاردن حيث تباع هناك بأسعار اغلى فقال له مطر الفاعوري اسكت اخي انت رجل تحب الفقر وليس لديك طموح . مازال هواء المساء عليلاً وجميلاً وممتعاً بعد نهار مضني في الصحراء تحت اشعة الشمس الحارقة حيث لا بيت يلوذ تحت ستاره ولا شجرة تخفف لهيب الشمس ولا الهواء اللاهب الذي يلفح وجهه طوال النهار وكانه يخرج من فرن الخبز في حارته البعيدة . وضع المذياع قرب اذنه كانت الاخبار تقول ان المعارك تدور بين القوات العراقية التي احتلت عبادان والقوات الايرانية المدافعة وان هناك مئات من القتلى سقطوا بين الطرفين ، كان حزينا لان ابناء الفقراء هم وحدهم من يخوض تلك الحروب المجنونة التي يمنحها الحكام اسماء واوصاف مقدسة مأخوذة من التاريخ القديم حيث حصلت الحروب قبل مئات بين تلك الاقوام على الماء والعشب . كان ابو ذر قلقاً على اهله بعد ان هرب من العراق رافضاً المشاركة في الحرب ورافضاً حماقات الحاكم الذي استخدم العنف وسيلةً ومنهجاً في حياته والوصول الى طموحاته وغاياته ، لقد ادرك ان ذلك الحاكم الارعن القاسي سيقود البلاد الى كوارث كبيرة . كان ابو ذر حزيناً وهو يستمع الى تلك الاخبار الدامية وذهب ببصره ببعيده شارداً حائراً مستسلماً لقدره لا يدري ما يخبئه له الغد من اقدار . وبين الخيال والواقع ظهر امامه شبح رجل بدوي يسير على مهل لقد كان القمر بدراً اضاء الفضاء وهو في كبد السماء مثل درة بيضاء كبيرة جميلة للغاية خرجت من محارة السماء ، اصاب ابو ذر بعض الخوف لكنه بقي متماسكاً لم يكن معه سلاح يدافع عن الاغنام التي هي امانة بين يديه ، لم يمنحه اهل البيت سلاحاً ربما لم تصل ثقتهم به الى الحد الكافي لمنحه سلاحاً وهم يعلمون انه رجل مطلوب لأسباب سياسية وربما يكون السلاح سبباً لتوريطه في مشكلة اضافية في حياته المضطربة اصلاً ، تحفز ابو ذر وتأهب لاستقبال هذا البدوي الذي يرتدي غترة بيضاء وعباءة سوداء وكانت المسافة بينهما هي ربع ساعة من المشي على الاقدام لذلك لم يستطع ان يتبين تفاصيل وجه البدوي القادم ، لكن ابا ذر كعادته لا يخاف من مواجهة الاقدار ولم يكن خائفاً على حياته وبعد بضعة دقائق استدار البدوي وعاد من حيث اتى ، انفرجت اسارير ابو ذر ولكنه لم ينم تلك الليلة فقد خشي ان يأتي ذلك البدوي من جهة اخرى .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كاظم الساهر يتحدث للحرة بعد حفلة دبي: كانت حفلة رائعة و-قصيد


.. السويد: اجتذاب الأبقار للحظائر بالغناء | يوروماكس


.. مراجعة ليلة الامتحان في اللغة الفرنسية للصف الاول الثانوي




.. راجل و 2 ستات - الإعلامي مفيد فوزي يوضح لماذا غضبت منه أم كل


.. بشفافية مع تمام | الحلقة الثامنة والأربعون - الفنانة هالة ال