الحوار المتمدن - موبايل


المقامة المايصية

ميمون الواليدي

2020 / 1 / 1
الادب والفن


حدثنا علال بن قادوس قال :
"قصدت بعض أخوالي طلبا للدواء، بعد أن أصابتني علة في الأمعاء، بسبب الجوع وتلوث الماء. طرقت الأبواب حتى شعرت بالإعياء، تحايلوا علي بإطفاء الأضواء، وتركوني أنتظر خارجا كالبلهاء. جلست على حجر أنظر للسماء، وقطعت الرجاء من الشفاء. تذكرت بحسرة زمن المروءة والإخاء، يوم كانت كل الأبواب مفتوحة للإيواء، أكان الطارق قريبا أم من الغرباء. دارت الأيام وأصبح الإخوة من الأعداء، صار الربح والطمع عملة الأصدقاء، فإذا كسبت مالا تحلقوا حولك للاغتناء، وإذا لقيت مكروها لن تجد أحدا في الأرجاء.
تهت في المدينة من منتصف الليل إلى الصباح، قطعت المسافة من حسان إلى باب الرواح، أكابد الألم وأتورع عن النواح. لاحت أمامي سيدة تغادر فندق النجاح، بدا أنها قضت ليلة من الليالي الملاح، انسدل شعرها الأسود فوق الوشاح، بشرتها نضرة بفضل الفيتامينات والأملاح، ونظراتها كأنها سنان الرماح. لم تنتبه لوجودي كأني من الأشباح، بل ركبت سيارة غير مرقمة الألواح، وانطلقت مبتسمة من فرط الانشراح.
بادرني بواب الفندق بالسؤال: هذه مايصة، هل تعرفها ؟ أجبته: لا يا سيدي، من أين لي أن أعرف ملاكا مثلها ؟ قال متعجبا: ملاك ؟ أنت فعلا لا تعرفها. هذه ليست ملاكا، بل قل سكرتيرة لملك الموت، أو أرملة سوداء من جنس العنكبوت، أو ساحرة مفرطة الجبروت. سألته: من تكون؟ وما قصة اسمها الغريب؟ ابتسم البواب وقال: المايصة في لغة أهل مصر تعني "التافهة"، وفي لغة أهل الغرب تعني "الحامضة"، الكثيرة الكلام بلا معنى، المتفلسفة بلا جدوى. كلما تكلمت سمعت جعجعة ولم ترى طحينا.
عندما لاحظ البواب أن الفضول قد استبد بي، استطرد قائلا: إنها صحفية فتحت دكانا للقوادة السياسية، تبيع فيه الوهم للجماهير الشعبية، وتسوق لخرافة الانتخابات الديمقراطية. تتنقل نهارا بين السراديب المخابراتية، وليلا بين الأسرة "الشرعية". حرباء في تغير لونها، أفعى في تبديل جلدها، زئبقية في تحركاتها. تتأسلم مع الإسلاميين، وتتلبرل مع الليبراليين. تصاحب قلة من المحتجين، وتهاجم كل التقدميين. تنتقد بعض الفاسدين، وتسكت عن كل المفسدين. تهجو اليوم من مدحته بالأمس، وستهجو في الغد من تمدحه اليوم. تمدح اليوم من هجته بالأمس، وستمدح في الغد من تهجوه اليوم.
سكت البواب قليلا ثم تابع: إنها شبيهة بكلبة الحراسة، ثاقبة النظر والفراسة، مفرطة النشاط والحماسة، فاقدة للاحترام والكياسة. فقد تخرجت من مقاعد الدراسة، بدبلوم في خدع السياسة. تشارك في ولائم الخيانة، تغرف من صحون العمالة، وتلعق بعدها أحذية السادة، على نهج عبيد الإقامة، آكلي الجيف والقمامة، وناهشي لحوم العامة.
قال علال بن قادوس: حينها شعرت بآلام شديدة في بطني، وغثيان مريع يجتاح حلقي. ودعت على عجل محدثي، وأخذت بسرعة أجري. لم أتوقف إلا وأنا قرب البحر، ابتعدت عن أعين البشر، واختفيت بين أكوام الصخر. أما النهاية، فلا تحتاج إلى سرد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. go live - مع الممثل ميلاد يوسف


.. رغم عشقه المسرح كان للتلفزيون نصيب من إبداعه.. رحيل الممثل ا


.. بتول المحمد .. أول منتجة سورية للموسيقى الإلكترونية




.. الفنانة يسرا: -الله بيحبنا وبيحب مصر- |#مع_جيزال


.. صباح العربية | أربيل توثق مئة عام من الموسيقى