الحوار المتمدن - موبايل


مقتطفات من كتابى قصة مصر فى العصر الإسلامى/ العصر العثمانى

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2020 / 1 / 2
مواضيع وابحاث سياسية


مقتطفات من كتابى قصة مصر فى العصر الإسلامى/العصر العثمانى
بعد هزيمة المماليك فى مرج دابق والريدانية 1516/1517م ، دخل سليم الأول مصر فى أوائل المحرم سنة 923هـ/يناير 1517 م، وأقام معسكره بمنطقة بولاق على ساحل النيل، لكن طومان باى لم يمهله طويلاً، ففى خلال يوم واحد من إقامة سليم لمعسكره، كان طومان باى يهاجمه بحشود كثيفة من المماليك والعربان، حيث دارت معركة عنيفة بين الجانبين فى شوارع القاهرة، إستمرت حولى أربعة أيام، من حارة إلى حارة ومن بيت إلى بيت، قُتل فيها كثير من الناس، وخُربت كثير من الممتلكات، وإتخذ طومان باى مقر قيادته فى منطقة الصليبة، وفى جامع شيخو بالتحديد، وعندما تمكن العثمانيون من الإستيلاء على تلك المنطقة، أحرقوها عن آخرها وقتلوا سكانها، وهرب طومان باى مرة أخرى، ولكن إلى الصعيد هذه المرة، حيث أخذ فى الإستعداد لجولة أخرى مع العثمانيين.
راسل طومان باى سليم الأول فى طلب الصلح، بشرط أن يجلو عن مصر، وأن يكون نائبه عليها، مقابل دفع مبلغ معلوم من الجزية السنوية، وأرسل له سليم الرد مع بعض قواده، يصاحبهم نواب عن الخليفة والقضاة المصريين الأربعة، الذى كان سليم قد أعادهم إلى وظائفهم السابقة، مع كثير من المسئولين السابقين، لكن أمراء طومان باى رفضوا عرض الصلح، وهاجموا رسل سليم الأول فى الطريق وقتلوهم، وقتلوا معهم أحد القضاة، وأخذ طومان باى فى الزحف على منطقة الجيزة لمواجهة سليم الأول مرة أخرى. وبدوره قام سليم بقتل الأربعة وخمسين أميراً مملوكياً، والذى كان قد إحتجزهم فى القلعة، بعد إعطائهم الأمان أثناء دخوله القاهرة، وعبرت جيوشه إلى منطقة الجيزة، وأخذ يتأهب لمقابلة طومان باى فى معركة أخيرة. وإلتقى الجانبان بالقرب من الجيزة، عند منطقة كوم الحمام، حيث هُزم طومان باى ومماليكه وعربانه مرة أخرى وأخيرة ، ففر إلى صديقه القديم حسن بن مرعى أمير عرب البحيرة، وإستوثق منه بالأمان، فأعطاه الأمان، لكنه لم يلبث أن قبض عليه، وأرسل إلى سليم يشعره بذلك، فبعث سليم بعسكر حملوا طومان باى إلى معسكره بالجيزة، حيث وبخه سليم بالكلام وحبسه فى معسكره سبعة عشر يوماً، قبل أن يقرر إرساله إلى القاهرة ليعدم على باب زويلة. وفى آخر ربيع الأول حُمل طومان إلى القاهرة، وإستعرضه العثمانيون فى شوارعها، عارى الرأس على حمار، حتى وصلوا به إلى باب زويلة، حيث جرى إعدامه، وتركت جثته معلقة ثلاثة أيام قبل أن يأمر سليم بإنزالها ودفنها. وهكذا إنتهت حياة طومان باى آخر سلاطين دولة المماليك، وإنتهت معها دولتهم وسطوتهم، ولو إلى حين. كانت تلك الأحداث خراباً على مصر وأهلها، فسليم الذى عاب على المماليك ظلمهم، ووعد المصريين بالعدل والإحسان، لم يفعل سوى كل مايضر بهم ، لدرجة جعلت المؤرخ إبن إياس الذى عاصر تلك الأحداث ، يشبه دخول سليم القاهرة، بدخول المغول بغداد. فبعد أن فرغ سليم من أمر طومان باى، تفرغ لنهب مصر قبل أن يعود إلى بلاده، مثله مثل غيره من المجاهدين الإسلاميين، الذين غزوها بدأً بعمروبن العاص وحتى سليم نفسه. أخذ سليم ينهب كل ماهو نفيس وغال، فخلع كل رخام القلعة والمساجد والقصور، وحتى أبواب البيوت الفاخرة، وإستولى على الكتب النفيسة، وصادر أعيان الناس من المصريين، ومعهم الخليفة العباسى المتوكل على الله، واليهود والنصارى، والحرفيين والصناع، وصادر إقطاعات المماليك، وإستولى على أملاك الأوقاف، وكل ماوقعت عليه عيناه، ورآه ذا قيمة، أخذ يرتب لمصادرته أو لحمله معه إلى إسطنبول، حتى نهب مصر نهباً تاماً، وحول الشعب المصرى اثناء مدة إقامته بمصر إلى شعب من الأسرى والعبيد. وفى تلك الفترة ظهر شر الجنود العثمانيين ، وتجاوز إيذائهم للناس إيذاء المماليك، فنهبوا الأسواق والممتلكات، وخطف بعضهم النساء والأطفال من الأسواق للفسق بهم، لدرجة أنه عندما تأهب جيش سليم للرحيل إلى إسطنبول، تقرر تحريم خروج الجوارى والأطفال إلى الشوارع، خشية أن يخطفهم الجنود، ويأخذونهم معهم إلى بلادهم، وقد بلغ شر الحامية العثمانية التى تركها سليم بمصر درجة من الخطورة، إضطرت سليم بعد ذلك لإستدعاء أربعمائة من طائفة الإصبهانية مع قائدهم سنان باشا إلى إسطنبول، حيث أمر بإعدامهم جميعاً هناك .وسوف تصبح ظاهرة فساد الحامية العثمانية بمصر، ونهبهم للأسواق والممتلكات، وخطفهم للنساء والأطفال، وإدمانهم على تعاطى المخدرات والخمور، ظاهرة من ظواهر الحياة اليومية العادية فى مصر العثمانية.
مكث سليم بمصر نحو ثمانية أشهر، قضى معظمها فى صراعه مع المماليك، وبعد معركة الجيزة زار الأهرام، وأبدى تعجبه من روعة بنائها، كما أخذ يستمتع ببعض الأوقات فى جزيرة الروضة بمنظقة المقياس، وشاهد لعبة خيال الظل، وإستمتع ببراعة الخيال، وهو يمثل مشهد شنق طومان باى، ومنحه مائتى دينار وقال له( إذا رحلنا إلى إسطنبول إمض معنا حتى يشاهدك إبنى) . كما زار مدينة الإسكندرية، وقضى بها نحو ثلاثة أيام ثم عاد إلى القاهرة. وأثناء إقامة سليم بمصر قدم عليه إبن شريف مكة، وقدم له مفاتيح الكعبة، فجعله سليم نائباً له على مكة بدلاً من الباش المملوكى، الذى كان نائباً عليها، كما إستعرض كسوة المحمل، وكسوة الكعبة، وكسوة مقام إبراهيم، وإنتقلت إليه بذلك السيطرة على الأماكن المقدسة، ثم أخذ يرتب لعودته إلى إسطنبول، فجعل سنان باشا نائباً له على مصر فى بداية الأمر، ثم عزله بخاير بك المملوكى، أمير حلب السابق، ومنحه لقب باشا، وأنشأ حامية عسكرية من ستة وجاقات عثمانية، أى ستة فرق ، بقيادة خيرالدين باشا نائب القلعة، تتكون من طوائف الجيش العثمانى الرئيسية، الإنكشارية والإصبهانية والكمولية، وتتوزع بين فرق فرسان ومشاة ومدفعية، وجعل من أمراء المماليك سلطة ثالثة، يوازن بها بين سلطة الباشا، وسلطة الحامية العسكرية، فجعل منهم حكام الأقاليم، أوالمديريات، وقسم مصر إلى إثنى عشر سنجقاً أو مديرية، كما جعل منهم بعض كبار الموظفين، مثل الكخيا نائب الباشا، والدفتردار، والخزنة دار، والرزنامجى وغيرهم، ومن أمراء المماليك ومن قادة الفرق العسكرية، وأمراء المماليك وكبار المشايخ و الأعيان تكون ديوان القاهرة، الذى كان يساعد الباشا فى إتخاذ القرارات الهامة. وبنفس الشكل جعل من الأمير المملوكى جان بردى الغزالى نائباً له على الشام، وكان جان بردى الغزالى من حلفاء سليم فى الباطن منذ موقعة مرج دابق. ومن الواضح أن سليم أراد بتعيين أميرين مملوكين على مصر والشام، خلق فترة إنتقال تدريجى من الحكم المملوكى إلى الحكم العثمانى، ولم يكن تعيين هذين الأميرين المملوكين نواباً له مجرد تعبير عن إمتنان لولائهما، ولكنها كانت سياسة مقصودة من سليم، الذى أدرك أن هذه البلاد التى خضعت طويلاً لحكم المماليك، لايمكن أن تنتقل إلى الحكم العثمانى الجديد مباشرة.
رحل سليم عن مصر وإصطحب معه حوالى ألف جمل محملة بالذهب والفضة، وعدد كبير من الناس، ليخدمه أثناء الطريق، بعد أن كان قد أرسل الخليفة المتوكل على الله، و أعيان المصريين قبله إلى إسطنبول، ولم يكتف بذلك فبعدما وصل إلى الشام فى ذى القعدة، أرسل يطلب من خاير باشا إرسال أربعين ألف أردب من القمح والشعير بالبحر كعلف لجنوده، الذين ضاقت بهم البلاد الشامية، وكأنه لم يكتف بكل ماحمله معه من أموال وذخائر.
كان أول مافعله خاير باشا بعد رحيل سليم، هو أن نادى بالأمان للمماليك الجراكسة، وطلب منهم الخروج من حيث إختفوا، فخرج منهم المئات، وهم فى أسوء حال، كما إستأمن كثير من الأمراء الجراكسة المختفين، فأمنهم خاير باشا، وسمح لهم بإقتناء السلاح والخيل، وأدخلهم فى خدمة الدولة الجديدة. وبطبيعة الحال فلم يرق ذلك لجنود الحامية العثمانية، الذين رفضوا ذلك فى بداية الأمر، لكن الأحوال الأمنية إقتضت أن يقبل الجميع ذلك فى النهاية، فلم تكن الحامية العسكرية التى تركها سليم بمصر كافية وحدها لحفظ الأمن فى البلاد، خاصة فى ظل إستغلال الأعراب لظروف الفراغ ، الذى نتج عن إجتياح العثمانيين لمصر، وقيامهم بالإغارة وقطع الطريق كعهدهم، خاصة فى مناطق الشرقية والغربية والوجه القبلى، وقد تجمع عدد كبير منهم من عرب عزالة وقبائل أخرى فى منطقة الجيزة، وأرادوا العبور إلى القاهرة ونهبها،مما إضطر خاير باشا لحشد كل القوات المتاحة من عثمانيين ومماليك، والدفع بهم لمواجهة ذلك الخطر الداهم على القاهرة، و ظل إضطراب الأعراب على إختلاف طوائفهم، خاصة بنى بقر فى الشرقية، وعرب السوالم وغيرهم ، من المظاهر الدائمة لعهد خاير باشا . كذلك فقد إضطر خاير باشا إلى ترك معظم المسئوليين السابقين فى العصر المملوكى فى أماكنهم، كاالمباشرين والنظاروغيرهم، حيث لم يكن هناك بديلاً عثمانياً عنهم حتى ذلك الوقت، وقد على شأن بعضهم وحقق من النفوذ والشهرة مالم يصل إليه فى العصر المملوكى، مثل القاضى المحتسب الزينى بركات بن موسى، الذى قاد ركب الحاج وتولى جمع مغل الصعيد، وكانت كلها من وظائف كبار الأمراء، وعلا شأنه وإشتهر إسمه فى بداية تاريخ مصر العثمانية .
لم تشهد فترة حكم خاير باشا لمصر ، نائباً عن سليم ، أى تغير ملحوظ فى حياة المصريين، بل أن الأحوال قد إزدادت سوءً عما كانت عليه زمن المماليك، فضلاً عن أن مصر قد أصبحت مجرد ولاية عثمانية تابعة، بعد أن كانت مملكة مستقلة، كما إنتقل منها مركز الخلافة الإسلامية إلى إسطنبول، بعد أن نفى سليم الخليفة المتوكل على الله، آخر خلفاء بنى العباس بمصر إلى هناك، لتنقطع الخلافة بعد ذلك من بنى العباس، وتنتقل إلى العثمانيين، الذين ظلوا يحتفظون بذلك اللقب حتى ألغى مصطفى كمال أتاتورك، مؤس تركيا الحديثة، منصب الخلافة العثمانية سنة 1923م. كانت فترة حكم خاير باشا فترة إنتقال بين عهدين، بدأت فيها ملامح عهد جديد تترائى للعيان، بينما بدأت تتوارى ولو فى بطء شديد ملامح عصر سابق، وقد كان من الطبيعى أن يترك الغازى الجديد بصماته، فبدأ المماليك يتأثرون بنماذج الملابس العثمانية واللغة العثمانية، حتى أصبح من الصعب أحياناً تمييز المماليك عن العثمانيين، بسبب تقارب الجنس، فقد كان العثمانيون ينتمون إلى قبائل التركمان، التى هاجرت من تركستان إلى آسيا الصغرى أمام موجات الغزو المغولى للشرق الأوسط فى القرن الثانى عشر الميلادى، حيث تمكن جدهم الأعلى عثمان من تأسيس إمارة تركمانية، إستطاعت التوسع فى هضبة الأناضول والتغلب على ماحولها من إمارات تركمانية وسلجوقية، ووضع أسس دولتهم حوالى سنة 1300م، وبعد أن تجاوزوا الإنتكاسة الكبرى التى حلت بهم، عندما جدد تيمور لنك الهجمات المغولية على آسيا الصغرى، وهزم سلطانهم الرابع بايزيد الأول، وموت الأخير فى أسر تيمورسنة 1401م، إستمر العثمانيون فى توسعاتهم حتى عبروا إلى أوربا وأسقطوا القسطنطينية فى عهد سلطانهم السابع محمد الفاتح سنة 1453م، وسيطروا على أجزاء كبيرة من البلقان، ثم تحولوا إلى الشرق حتى أسقطوا دولة المماليك، وكان المماليك من بقايا الأتراك و الجركس، الذين جلبوا رقيقاً إلى بلاد العالم الإسلامى، من بلاد الترك ومجاورات بحر قزوين، حتى وصلوا إلى حكم مصر والشام والحجاز، فكانوا بذلك يمتون بصلة القربى إلى نفس الجنس التركى الكبير، الذى جاء منه العثمانيون.
وهكذا كانت الفترة الأولى من الحكم العثمانى لمصر، فترة إضطراب وإنعدام للأمن، وإستمرت الأحوال على ذلك النحو إلى أن توفى سليم الأول فى شوال سنة 926 هـ، وخلفه إبنه سليمان المعروف بالقانونى، فأقر خاير باشا على نيابته على مصر، لكنه خطا خطوات أبعد فى سبيل عثمنة مصروالشام، فبعد موت سليم مباشرة، إنتهز نائب الشام جان بردى الغزالى الفرصة، بتشجيع كثير من المماليك والعربان ، وأعلن إحياء دولة المماليك، وتسلطن وتلقب بالأشرف، لكن خاير باشا لم ينحاز إليه فى تلك الحركة، وأرسل يجدد ولائه لسليمان، ويبدى إستعداده للخروج لحرب جان بردى الغزالى، لكن سليمان طلب منه أن يظل بعيداً عن هذا الصراع، وقام هو بإرسال جيش عثمانى ضخم من أربعة عشر ألف مقاتل، بقيادة حليفه التركمانى إبن سوار حاكم أبلستين، تمكن من هزيمة جان بردى الغزالى وأسره وحز رأسه وإرسالها إلى إسطنبول، وعين سليمان نائباً عثمانياً على الشام يسمى إياس، كما قام بتعيين نواباً عثمانيين على سائر ولايات الشام الأخرى، وبدأ بذلك الحكم العثمانى المباشر للشام ، أما فى مصر فرغم أنه قد جدد ثقته فى خاير باشا وأقره على نيابته، فقد بدأ فى فرض النظم العثمانية على مصر، وقسم ديوان القاهرة إلى ديوانين، الديوان الكبير، ويعقد بناء على طلب الباشا، ومهمته مناقشة وتنفيذ المسائل الكبرى، والديوان الصغير، ومهمته متابعة أمور الحياة اليومية، ويعقد يوميا فى قصر الباشا، كما جعل ولاية الباشا سنة واحدة، إلا أن ذلك لم ينفذ فى الواقع، إذا ظلت فترة الولاية تعتمد على رضى أو عدم رضى السلطان عن الباشا، كما أدخل المقاييس والموازين العثمانية، و فرض النظم القانونية العثمانية، فألغى مناصب القضاة الأربعة، وعين قاض عثمانى واحد يشرف على جميع أعمال القضاة، له نائب واحد وأربعة نواب عن المذاهب الأربعة، ويُعرف بقاضى العسكر، كما أدخل كثير من التعديلات الإدارية، وتدخل حتى فى نمط الزى المملوكى، فأمر بتقصير اللحى وتضييق الأكمام على النمط العثمانى، وفرض رسوماً على عقود الزواج والطلاق، وتدخل فى تسعير العملة العثمانية لمواجهة عمليات الغش، التى كان تشوب ضربها، فبدأت مصر فى عهده تسير بخطوات أبعد نحو العصر العثمانى الجديد، ومع ذلك فقد قرب سليمان المماليك، وحرص على تأمين رواتبهم وإمتيازاتهم السابقة، بأكثر مما فعل أبوه سليم، فأنشأ منهم وجاق عثمانى سابع، بالإضافة إلى الوجاقات الستة الأخرى، التى تكونت منها الحامية العسكرية العثمانية بمصر، هو وجاق الجراكسة(الوجاق هو الفرقة العسكرية)، وذلك أنه قد رأى فيهم قوة عسكرية فعالة، يمكن الإستفادة منها فى حروبه، وهذا ماحدث فعلاً، فقد أشرك قوة كبيرة منهم بقيادة الأمير قايتباى الدويدار فى غزوه لرودس سنة 928 هـ، كما أنه قد سمح بعودة جميع الأسرى المصريين، الذين كان أبوه سليم قد أخذهم إلى إسطنبول عند غزوه لمصر، وكان ذلك من أهم قراراته فى صالح المصريين( كان الخليفة العباسى المتوكل على الله قد عاد إلى مصر فى آخر عهد سليم ومات بها)، ومع ذلك فالواقع أن أحوال مصر لم تتغير كثيراً فى عهد سليمان، عما كانت فى عهد أبيه بل لعلها إزدادت سوءً، فقد تزايد شر الجنود العثمانيين، حيث إستمروا فى نهب الأسواق، والإستيلاء على ممتلكات الناس، وخطف الأطفال والنساء فى وضح النهار، دون خوف من أى حكم أو قانون، هذا بالإضافة إلى مشاحناتهم الدائمة مع المماليك، ومع بعضهم البعض أحيانا ، من إنكشارية وأصبهانية وكمولية ، والتى كانت تصل إلى حد الإقتتال فى كثير من الأحيان، فأخذ سليمان يعمد إلى تغيير أفراد الحامية العسكرية العثمانية المقيمة بمصر بإستمرار، لكن ذلك لم يفد فى نهاية الأمر، وظل فساد وشر الجنود العثمانيين أحد الملامح المميزة لتاريخ مصر العثمانية.
وقد إزدادت الأعباء الإقتصادية فى عهد سليمان، حيث إعتبر نفسه المالك الوحيد لأراضى مصر، التى قسمها إلى إقطاعات، توزع على ملتزمين يوزوعونها بدورهم على الفلاحين، ويكون للجميع حق الإنتفاع بها دون حق التصرف فيها، ويعمل الفلاح مقابل نصيب من الغلة، على أن يدفع قدر عينى أو نقدى من الخراج للملتزم، فإذا عجز عن دفعها إنتزعت منه الأرض، وأعطيت إلى فلاح آخر، وإذا مات الفلاح بدون وريث، أعطيت الأرض إلى فلاح آخر، وكذلك الحال بالنسبة للملتزم، إذا عجز عن دفع خراج السلطان، إنتزعت منه الأرض، وأقطعت إلى ملتزم آخر، وإذا مات بدون وريث، عادت الأرض إلى السلطان ليقطعها إلى ملتزم آخر، كما إستولى سليمان على أموال الثغور - الإسكندرية ودمياط والبرلس وجدة - والأوقاف، وكثير من الأرزاق، والتركات المحبوسة على الناس، ولعب تسعير العملة العثمانية الذهبية والفضية المغشوشة دوراً كبيراً فى إرباك الحياة لإقتصادية بمصر، لإنها كانت تُسعر بأكثر من قيمتها الحقيقية فى الغالب، وكانت تُحسب على الفلاحين عند حساب الخراج بأقل سعر لها، ولكن عند تحصيلها فقد كانت تُحسب بأعلى سعر لها، مما زاد من فقر الفلاحين وشقائهم، كما إستمر خاير باشا فى سياسة إرسال الأموال الضخمة والهدايا الفاخرة إلى إسطنبول، أو إلى من يرد منها إرضاءً لسليمان، وضماناً لبقائه فى منصبه، فكانت هذه الهدايا والتقادم تصل أحيانا إلى حدود خيالية، ربما فاقت أموال الجزية الرسمية، التى كانت تُرسل من مصر إلى إسطنبول، و ذلك فى نفس الوقت الذى إستمر فيه فى سياسة القسوة التى إتبعها فى إدارة البلاد، وإستخراج الأموال حتى أنه قد شنق سنة 924 هـ رجلاً فقيراً، سرق بعض أعواد من الخيار، لإنه كان يحتكر المتاجرة فى ذلك النوع من الخيار، وكرر ذلك فى سنة 928هـ، فشنق ثلاثة أشخاص لنفس السبب، وقد طمع فى مال تاجر أعجمى سنة 924هـ، فإتهمه بأنه من جواسيس الشاه إسماعيل الصفوى، وقتله وإستولى على ماله، كما قبض على بعض التجار الأوربيين فى البحر، وحبسهم بالقلعة، ثم أمر بقتلهم توسيطاً، وإستولى على أموالهم سنة 928 هـ، وكان كثير الظلم والفساد، ويذكر إبن إياس أنه كان يبيت طوال الليل يسكر، فيصبح غير مدرك ليحكم بين الناس بالظلم والجور، وكان الضرب بالمقارع والسجن والمصادرة، وأحكام الإعدام العشوائية، من شنق وتوسيط وخوزقة من أبسط الأحكام بالنسبة إليه، وفقا لما يكون عليه مزاجه، دون إعتبار لشرع أو قانون، وأصبح ذلك ظاهرة عامة لحكمه، حتى مثل بعض الأطفال فى لعبهم مشهد خاير بك والوالى، وهم يخوزوقون رجلاً خطف عمامة آخر، فأجلس الأطفال الطفل المتهم على عصا، فمات بالفعل أثناء اللعب. هذا وقد إستمر فساد العربان، و قطعهم للطريق، وإغاراتهم على القرى وعلى قوافل الحج، لمحة دائمة من ملامح تاريخ مصر الإسلامية، فى ذلك العصر أيضاً، حتى أنه يكاد يكون من المستحيل رصد هذه الظاهرة بشكل تفصيلى، حيث كانت تتغلغل فى الحياة المصرية بشكل كبير، فمن فتنة أعراب هنا إلى فتنة أخرى هناك، سارت الحياة فى مصر الإسلامية على حد الخوف والفوضى . وإستمر النيل يدلو بدلوه فمن فيضان كامل إلى فيضان ناقص، إرتفعت الأسعار وإنخفضت، لتضيف إلى حالة الخوف والقلق والترقب التى عاشت فيها مصر الإسلامية.
ولم تكن أحوال أهل الذمة من يهود ومسيحيين، بأفضل مما كانت فى العصر السابق، فرغم أن العثمانيين لم يكن لهم سياسة رسمية ضدهم ، كما كان المماليك مثلاً ، وكان كثير منهم يتولى كثير من المناصب الهامة فى دولتهم، وخاصة فى ظل التوسع العثمانى فى أوربا ، وإحتواء الإمبراطورية العثمانية على كثير من الشعوب المسيحية، فقد ظلت روح العصور الوسطى اللاإنسانية هى السائدة، سواء فى مصر أوغيرها من أنحاء الإمبراطورية العثمانية . ففى مصر إستمر ذلك التسامح الحذر تجاههم، والذى سمح لهم بإلإستمرار فى العمل والحياة، وشغل بعض المواقع الهامة فى الحياة العامة، ككتبة ومباشرين وتجار ومعلمين لدار الضرب، وصيارف وأطباء وأناس عاديين، ولكن كل ذلك كان يمكن أن ينقلب فى أى لحظة ولأقل إتهام بسيط إلى موجة من الغضب العارم، تضيع فيها أرواح هؤلاء وتتلف ممتلكاتهم، فيستسلم بعضهم لقدره ويموت، أو يتحول خوفاً إلى الإسلام ، كما كان الحال فى العصر المملوكى تماماً. وقد شهد عهد خاير باشا كثيراً من مثل تلك الأحداث، ففى سنة 925 هـ، تنافس الجنود العثمانيون الإصبهانية على فتاة فرفضتهم، فإتهموها بأنها تعشق مسيحى، فُقبض عليها وعلى ذلك المسيحى، وأمر خاير باشا بتعريتها من ملابسها ، وجرها فى شوارع القاهرة حتى باب زويلة كى تشنق هناك، ففعلوا بها ذلك فماتت أثناء الطريق. وفى سنة 927 هـ حكم القاضى الحنفى بقتل ثلاثة من المسيحين عند المدرسة الصالحية، بعد إتهامهم بالسكر وسب الإسلام، فرفض باقى القضاة الحكم على أساس أنهم كانوا سكارى لايعقلون، فثارت العامة ومعهم بعض الجنود الإنكشارية ، فأخرجوا المسيحيين وقتلوا إثنين منهم، وأحرقوا جثتيهما بالنار، بينما أسلم الثالث ونجا بنفسه. وفى سنة 928هـ إتهم بعض المسيحيين بالسكر فى بيت عند جامع المقسى على الخليج ، فأمر خاير باشا بالقبض عليهم، فهربوا ، فقُبض على واحد منهم، فأمر خاير باشا بحرقه، فلما رأى المسيحى ذلك أسلم خوفاً، وقُبل إسلامه. وإستمر الحال على ذلك النحو من الإضطراب والفوضى، حتى توفى خاير باشا فى ذى القعدة سنة 928 هـ، وعين سليمان والياً عثمانياً على مصر، يسمى مصطفى باشا، ليبدأ بذلك الحكم العثمانى الفعلى لمصر، والذى إستمر طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر، فى ظروف مماثلة ، قبل أن يتمكن المماليك من العودة إلى حكم مصر مرة أخرى، فى ظل السيادة العثمانية مع بدايات القرن الثامن عشر، وحتى دخول بونابرت إلى مصر سنة 1798م.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - حال الاسلام
كامل حرب ( 2020 / 1 / 2 - 02:04 )
اكاد اجذم ان الاستعمار العثمانى المجرم هو ابشع انواع الاستعمار قاطبه , واضح ان مصر التعيسه معذبه فى جميع الاوقات جعانه متسوله ومنتهكه الكرامه بائسه , الاستعمار الاسلامى سواء كان عثمانى او بدوى عروبى فهو بلاء شديد وخراب ودمار وكارثه بشريه بجميع المقاييس


2 - الرد على الأستاذ كامل حرب تعليق رقم 1
عبدالجواد سيد ( 2020 / 1 / 2 - 02:28 )
الأستاذ كامل، بالفعل الإستعمار العثمانى ، إستعمار الخازوق، حاز لنفسه مكان خاص سئ للغاية فى التاريخ ، سواء فى الشرق المسلم أو فى الجزء الأوربى ، كذلك الإستعمار العربى والفارسى، لم يكن بأحسن حال ، والإستعمار بشكل عام ظاهرة سيئة فى التاريخ ، ولكل قاعدة إستثناء مع ذلك، ونحن ننشر هذا الجزء من الكتاب فى هذا التوقيت بالذات للفت أنظار المتعاطفين مع العثمانى القادم ، إذا !كان مازال لديهم أنظار ، شكراً على مروركم الكريم

اخر الافلام

.. جثث ضحايا كورونا في الهند إلى الأنهر.. | #غرفة_الأخبار


.. شاهد.. الرياح تقتلع سقف مبنى في روسيا


.. غارة جوية إسرائيلية تستهدف مقر استخبارات -حماس- شمالي قطاع غ




.. اليابان تجري أول مناورات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة و


.. خروج قطار شحن عن مساره في روسيا