الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل يجب على الشاعر أن يكون ناشطا سياسيا؟

ماجد الحيدر
شاعر وقاص ومترجم

(Majid Alhydar)

2020 / 1 / 9
الادب والفن



في كل معترك سياسي أو اجتماعي كبير، كما يجري حاليا في هذه البلاد، في كل حرب محلية أو أهلية أو إقليمية، بل وفي كل موسم انتخابي، يعاد طرح هذا السؤال، ويجاب عليه مرة بالإيجاب القطعي الذي يصل احيانا حد تخوين من لا يتفق مع الحراك السائد أو يختار السكوت أو يتسم بالحيرة أو لا يتخذ لسبب أو لآخر موفقا واضحا ومعلنا معه، ومرة بالنفي بل وتسفيه من يغادر من الشعراء برجه العاجي ويرتضي (بالأدلجة) والنزول الى الشارع مع (العامة والغوغاء والرعاع!).
يبدو لي أن هذا التساؤل هو (في بعض جوانبه) صدى للتساؤلات والإشكالات القديمة/المتجددة حول ثنائية الشكل والمضمون أو حول مفهوم الالتزام في الأدب.
في العصور الحديثة أعيد طرح تلك التساؤلات بقوة خلال الثورة الرومانسية، لكننا نجد أن حمَلة لواء الرومانسية الأوربيين لم يجدوا تناقضا بين دعوتهم الى العودة الى الطبيعة والفطرة الإنسانية وبين الانغماس في السياسة سواء عبر المشاركة المباشرة في الفعاليات الثورية لعصرهم (الثورة الفرنسية، حرب تحرير اليونان وتوحيد إيطاليا، حركات الاحتجاج العمالية الخ) أو عن طريق قصائدهم التي قد يبدو بعضا منها بمقاييس عصرنا ساذجا أو غارقا في المباشرة (أنظر قصائد شيللي في هجاء السياسيين المعاصرين له).
لقد كان الاتجاه السائد آنذاك هو الإيمان (الرسالي إن صح التعبير) بقدرة الشعر لا على إحداث التغيير وحمل لواء الحرية والعدالة والإخاء فحسب بل على إضفاء معنى للوجود الإنساني نفسه كفرد وجماعة. وقد تجسد ذلك الإيمان بوضوح في صيحة شيللي : الشعراء هم المشرعون غير المحتفى بهم لعالمنا
"poets are the unacknowledged legislators of the world"
وظل هذا الإيمان موجوداً بقوة ومعبراً عنه بهذا القدر أو ذاك من الجلاء أو الخفاء رغم تعاقب المدارس البارناسية والرمزية والدادائية والسريالية الخ. بل إن شاعرا رمزياً كبيرا مثل مايكوفسكي نجده يرثي لينين بأسلوب يقترب أحيانا من المباشرة، والشيء نفسه نجده عند شعراء المقاومة الفرنسية خلال الاحتلال النازي لبلادهم.
يمكن ملاحظة الأمر نفسه في الشعر المحلي (العربي والكردي) فالسياسة كانت موجودة على الدوام (بل وتكاد تكون الرقم الأول) في شعراء العصر الحديث ابتداءً من الشعراء الذين حملوا لواء الإصلاح الاجتماعي (الزهاوي، الرصافي، جكرخوين الخ على سبيل المثال لا الحصر) مروراً بالجواهري (العصي –في رأيي- على التصنيف) وشعراء الرومانسية الثورية واليسار والشعراء (القوميين) وصولاً الى الشعراء الذين نضجوا أو ولدوا في عصر الخراب والمنافي والحصار والحروب، عصر "خريف المثقف" الذي ما زلنا نعيش أجواءه. ومما يلفت الانتباه أن هذا الحضور الطاغي للسياسة لم يتأثر بتنوع أو تغير أو تثوير المدارس والأشكال الفنية بتسمياتها المختلفة (الشعر الحر، قصيدة النثر، القصيدة اليومية الخ)
ربما كان هذا عائداً في جزء منه الى طبيعة إنسان هذه البلاد المغرم (شاء أم أبى) بالسياسة وشؤونها أو الى الحاضنة (ذات السمة اليسارية الغالبة) التي نشأ فيها أدبها المعاصر أو الى تاريخها المتقلب الدموي على مدى العصور.
قد يبدو للظاهر أن هناك تناقضا صارخاً بين ولع الشاعر بالسياسة وعودته المستمرة الي مماهاتها مع الأدب، وبين تصريحاته المعلنة المتكررة عن نفوره من السياسة وتعاليه أو اشمئزازه من الخوض فيها. غير أن هذا التناقض هو كما قلت شكلي وظاهري، إذ أن كلا من السياسة والشعر يرسلان امتدادات وخيوطا عمودية وأفقية لا حصر لها في مختلف جوانب الحياة فلا مناص من حدوث حالات التقاطع والتعامد ما بين تلك الخطوط المتشابكة.
أن هذا (التوجس) من الاقتراب من السياسة عن البعض ليس حديث العهد في حياتنا الأدبية، إذ يحفل التاريخ بنماذج من الشعراء الذين ابتعدوا عن الانغماس في الجدل السياسي والصراعات الحزبية في عصرهم واختاروا سبل الزهد أو المجون أو الحب أو التصوف الخ. غير أن الإحباطات والمآسي المتكررة التي عاشتها أجيالنا التي ما زالت على قيد الشقاء، وانحسار دور التيار اليساري الذي مثل للكثير الحلم الرومانسي الجميل والفشل الذريع للتيار العروبي القومي الذي انحدر سريعا الى الفاشية، وفشل التيار الديني في تقديم بديل عقلاني وجمالي، والاشمئزاز الذي خلفه امتهان السلطات الدكتاتورية للأدب والفن ومحاولة تقزيمهما الى مستوى البوق الدعائي الفج، وسنوات الجوع والحصار والقمع الجنوني وانتشار فكرة الخلاص الفردي الذي دفع بموجات متتالية من هجرة المثقفين والأدباء.. كانت كلها عوامل مضافة في تقوية هذا الشعور.
وإذا كان هذا التوجس معززا عند البعض بتأثره أو معايشته للاتجاهات العالمية السائدة وخصوصا في الديمقراطيات الراسخة المتطورة حيث الشعر يزداد اقترابا من الفلسفة فيما يغدو الجدل السياسي أكثر ارتباطا بالاقتصاد، بالبيئة، بالتربية، والصحة، والتعليم والى حد أقل بالسياسة الخارجية، وحيث لم تعد مطالب مثل الحرية وحقوق الإنسان والسلام والمجتمع المدني وحقوق الشغيلة مطروحة بالقوة نفسها كما كانت قبل عقود، وحيث اختفى -أو كاد- نموذج السياسي/المناضل/الشهيد/المفكر/حامل الراية ذو الصدر المشرع للرصاص وهراوات البوليس ليحل محله نموذج السياسي/التكنوقراط/الخبير الاقتصادي/حامل اللابتوب؛ فإنني مع الرأي القائل بأن السياسة في بلداننا لم تغادر(ولن تغادر في وقت قريب) تلك المرحلة العنيفة الفظة في تداخلها المباشر مع اشد تفاصيل الحياة اليومية، مع مسألة البقاء، الحرية، لقمة العيش، الأمن والسلم الاجتماعي مما يجعل من هذا التوجس أو الاستنكاف ضرباً من الانفصال عن الواقع.
لكننا في الوقت نفسه نجد أن الشاعر وبرغم توجسه واستنكافه الظاهريين لا يتخلى عن دوره (الرسالي) المبالغ في تضخيمه أحيانا، ولا يكتفي -في عصور الانحطاط والساسة الصغار الطارئين والفاسدين- بتوجيه لعناته الى هذا الحشد الغبي الطفيلي الجاهل من مصاصي الدماء وتجار الحروب، بل يطرح نفسه وبقوة كبديل نقي أكثر حكمة وإنسانية ودراية واستحقاقا. ويبقى الأمر المهم هو التفريق بين القصيدة السياسية المباشرة الخالية من اللمسات الفنية (التي يخبو بريقها بانتفاء الظرف الدافع اليها) وبين القصيدة السياسية التي لا تغيب عنها السمات الجمالية والصور الفنية القادرة على صنع الدهشة مهما تقادم الزمان ومهما كان موضوعها و"غرضها"








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وفاة والدة الفنان كريم عبد العزيز وتشييع الجنازة الخميس


.. مغني الراب الأمريكي ماكليمور يساند غزة بأغنية -قاعة هند-




.. مونيا بن فغول: لماذا تراجعت الممثلة الجزائرية عن دفاعها عن ت


.. عاجل.. وفاة والدة الفنان كريم عبد العزيز وتشييع الجنازة غداً




.. سكرين شوت | إنتاج العربية| الذكاء الاصطناعي يهدد التراث المو