الحوار المتمدن - موبايل


أفراح -العرب المتأسلمين- بانتصارات أمريكا

ناجح شاهين

2020 / 1 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


من الاتحاد السوفييتي إلى العراق إلى إيران:
أفراح "الأعراب/المتأسلمين" بانتصارات أمريكا
لأسباب لا تخفى على أحد ابتهج العرب المسلمون خصوصاً من أنصار الجهاد في أفغانستان بسقوط الاتحاد السوفييتي. كان ذلك في العام 1991. لم يتنبه العرب درجاً على عادتهم في التصرف على السجية والتلقائية ودون اهتمام بالتفاصيل إلى واقعة أن الاتحاد السوفييتي قد سقط على يد الولايات المتحدة وحفائها، وأنهم لا يمكن أن يكونوا طرفاً رابحاً إلا إذا كانوا من قائمة حلفاء الولايات المتحدة الفعليين. أتحدث بالطبع عن جماهير العرب المسلمة التي رأت في تفكك الاتحاد السوفييتي نقمة إلهية أو شيئاً من هذا القبيل. بالطبع كان من حق السعودية ومحميات النفط بصفتها الرسمية أن تفرح بخلو العالم من الاتحاد السوفييتي، لأن حكام تلك الدول كانوا وما زالوا حلفاء أو أتباع مخلصين للولايات المتحدة ومعسكرها.
بعد زوال الاتحاد السوفييتي مباشرة بدأت الولايات المتحدة حربها ضد العراق بغرض السيطرة على نفطه وموارده وتخليص الحليفة الأولى إسرائيل من أي تهديد عربي جدي. من جهتي كنت حتى ذلك الوقت أكثر ميلاً إلى الاتجاه الذي كان يغلب على الجماهير العربية من ناحية تأييد إيران ضد نظام الراحل صدام حسين بسبب أن فهماً معيناً قد ساد في ذلك الوقت فحواه أن العراق هو الذي افتعل الحرب ضد إيران خدمة لأغراض خليجية وأمريكية بشكل أوبآخر. من ناحية أخرى كان تعامل نظام الراحل صدام مع المعارضة بألوانها كلها فظاً وقاسياً إلى درجة أنه لم يكن بالإمكان التعاطف مع ذلك النظام إلا لمن يؤمن على نحو ما بأنه يدافع عن مصالح العروبة أو قضاياها في وجه الأطماع الفارسية المزعومة.
لم أكن بصورة شخصية في أي وقت من الأوقات مع الراحل صدام ونظامه، وقد كنت أرى على العكس أن المصالح القومية العربية يمثلها نظام حافظ الأسد (العلوي كما يحلو للبعض أن يسميه أو قاتل الأبرياء في حمص وحماه...الخ) الذي كان حليفاً منذ وقت مبكر للنظام الإيراني بعد الثورة الناجحة ضد شاه إيران. فقط وجدت نفسي منحازاً في موقف واحد ضد النظام السوري عندما وقف بشكل أو بآخر ضد العراق عندما تقدم جورج بوش الأب لضربه. عند هذه اللحظة كانت البوصلة تشير بالنسبة لي بوضوح كاف إلى أن العراق أصبح في موقع لا يمكن لأي عربي أو أي حر أن يقف ضده. في هذه اللحظة يصبح الانحياز ضد العراق انحيازاً للاستعمار الأمريكي.
لكن بدون أن نسترسل في هذا التاريخ المؤلم، تدحرجت الأمور باتجاه احتلال العراق وتحوله إلى محمية أمريكية من شاكلة قطر والإمارات والسعودية. وكان الدور الإيراني وما يزال هو المنغص الأساس الذي حرم الأمريكي من تكوين نظام تابع مستقر على شاكلة المحميات المشار إليها آنفاً.
صعدت القوة الإيرانية بهدوء وثقة في سياق القضايا الإقليمية المختلفة. وقد كان أولها وأبرزها بطبيعة الحال قضية الصراع مع الدولة الصهيونية التي أدارها حزب المقاومة اللبنانية باقتدار وشجاعة أدت إلى اقتلاع الاحتلال الإسرائيلي على نحو كامل من الأراضي اللبنانية. كما كشفت المواجهات على امتداد أكثر من عقدين بين الفريقين عن وجود الإمكانية الفعلية لإلحاق الهزيمة بالمعسكر الصهيوني. بالطبع قادت تلك الحقبة إلى توسع شعبية الحزب والدولة الإيرانية كثيراً في أوساط الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.
لكن الأمور تغيرت تغيراً جوهرياً في سياق "الربيع العربي" الذي قاده ووجهه الرئيس باراك أوباما. بدا وكأن دولة الخلافة الإخوانية ستقوم في المشرق كله بقيادة تركيا. وقد أسهم الإيرانيون والروس والمقاومة اللبنانية بدور أساس في منع المعجزة الإيمانية من الوقوع. ومنذ ذلك الوقت أصبح أنصار الخلافة أعداء لإيران التي "أعادوا اكتشاف" أنها دولة شيعية مارقة من الإسلام وأشد خطراً عليه من اليهود والنصاري.
وبما أن جزءاً كبيراً من الناس في بلادنا من المحيط الى الخليج قد مل من الأسطوانة المثقبة المكررة عن ديكتاتورية النظام السوري ووحشيته وما لف لفها، فقد تم استبدالها بسي دي (CD) حديث يركز على المشروع الشيعي في المنطقة. ولعل من الطريف بالفعل أن يتم ضم الأرثوذكسية التي تمثلها روسيا إلى الصراع. ولا يعدم البعض حروباً وقعت في زمن ما أيام هوميروس أو جلجامش بين السنة والأرثوذكس يمكن أن تشكل أساساً لأحقاد دفينة كبيرة يحملها الأرثوذكس الروس ضد المسلمين السنة.
ليس من السهل على الأعمى سياسياً أن يستعمل عقله للمقارنة: مثلاً تخوض الدولة التركية السنية زعيمة مشروع الخلافة حرباً لا هوادة فيها ضد الأكراد السنة الذين يمثلون أحفاد أسد الدين شيركوه وعماد الدين الزنكي ونور الدين الزنكي ومحمود الدين القيمري وصلاح الدين الأيوبي والصالح والعادل...الخ. لا أحد يلتفت اليوم إلى أن ألد أعداء الدولة التركية هم السنة الأكراد، بل إنهم الأساس الذي تسوغ به تدخلها في العراق وسوريا: درء خطر الأكراد عن الحدود التركية هو الهدف المعلن والاستراتيجي للتدخل التركي في شمال الهلال الخصيب.
هناك طبعاً تنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني الصغير والشجاع الذي يصر على محاربة الاحتلال الصهيوني في فلسطين. وهو تنظيم يحتفظ بعلاقة طيبة مع أقطاب المعسكر الشيعي من قبيل حزب الله وايران وسوريا.
ما الذي نحاول فعله هنا؟ أن نقدم أدلة ساذجة من هنا وهناك على أن الحرب الدائرة في المنطقة ليست حرباً بين السنة والشيعة؟ وهل هذا ممكن في هذه اللحظة؟ لقد كان الشاه الشيعي حليفاً للسعودية الوهابية والولايات المتحدة الصهيونية وسلطان عمان طوال ثلاثة عقود تمثل فترة حكمه. وتم دعمه من أجل أن يحتل أراضي العراق السني الذي كان يقمع الشيعة بقيادة القوميين ثم البعثيين. فقط عندما سقط الشاه وجاء حكم الخميني المعادي للغرب تحول القلب الوهابي السعودي ضدها وبدأ يدعم العراق في حرب طويلة استهلكت الكثير من مقدرات ايران والعراق. وكان الإمام البدر الشيعي طفل الوهابية السعودية المدلل الذي خاضت من أجله الحرب ضد عبدالناصر والنظام الجمهوري السني. اليوم قرأت السعودية على ما يبدو كتابات الغزالي وابن تيمية واهتدت إلى طريق الحق، وعادت لدعم الجنوب اليمني السني ضد الشمال الشيعي. في هذا السياق يمكن قتل الأطفال في اليمن وقصف مدارسهم وتدمير المشافي دون أن يغضب أحد فهذه حرب مشروعة ضد الكفار الشيعة من أجل الإسلام وربما من أجل الديمقراطية والشرعية.
هذا كله الذي نحاول إثباته عبث، لأنه يأتي في باب إثبات أن الماء هو المياه، أو أن الدائرة ليست مربعة. لكن ماذا نفعل؟ هناك أسطوانة التباكي على المدنيين في حلب، ووحشية النظام السوري وحلفائه السوريين والإيرانيين والمقاومة...الخ.
اليوم قتل الأمريكيون قاسم سليماني قائد إيران المخضرم في المستوى الإقليمي. هو من ساهم طوال الوقت في دعم حركات المقاومة كلها وهو بدون شك "المجرم" الأهم في الحرب دفاعاً عن النظام العلوي النصيري الكافر...الخ
لكن الأمريكيين ليسوا البلسم الشافي المعد لمعالجة جراح السنة. في الفلوجة والرمادي قتل الأمريكيون بلا رحمة ولا شفقة في حرب احتلالية وحشية وظالمة وجشعة عشرات الآلاف من المدنيين العراقيين من أجل إخضاع المقاومة. كما دعموا وساندوا دائماً الأعمال الوحشية الصهيونية ضد غزة المسلمة السنية...الخ لكن أحزاب السنة في العراق تقف اليوم على نحو غريب مع الاحتلال الأمريكي. من الصعب علينا أن نجد تفسيراً لهذا الجنون بدون الإيمان الطائفي البغيض. يبدو أن الأولوية قد أصبحت واضحة تماماً بالنسبة للسنة بما يجعل معسكر الشيعة هو العدو الأخطر حتى لو أدى التحالف مع أمريكا إلى احتلال المنطقة كلها، المهم أن نتخلص من الشيعة.
منذ بعض الوقت تقوم أمريكا بأعمال عسكرية في داخل العراق ضد أهداف عراقية مختلفة (معظمها شيعة على أية حال) مما يستدعي مناقشة "إخراج" الأمريكيين من العراق. لكن هذا يستدعي التساؤل البدهي: هل "تستطيع" الحكومة العراقية حقاً أن تخرج الأمريكيين من العراق. في نهاية العام 2018 زار الرئيس ترامب قاعدة أمريكية في شرق غرب العراق دون أن يعلم أحدا بالزيارة وهو ما استفز الحكومة العراقية ولكنها طم الوادي على القرى عندما قال إنه سيبقي القوات الأمريكية في العراق من أجل مراقبة إيران ومواجههتها. كان ذلك مؤلماً بالنسبة للقيادة العراقية التي تصدق أو على الأقل تتظاهر بأنها تدير بلداً مستقلاً. بالطبع هناك هيمنة إيرانية موازية في العراق ولكنها هيمنة تستند إلى وجود حليف "اصيل" يتبنى بإخلاص شئنا أم أبينا الفكر الإيراني والسياسة الإيرانية انطلاقا من التشارك الديني المذهبي. هذا يذكرنا بوضوح تام بالمقاومة اللبنانية التي لا يمكن لعاقل أن يصفها بأنها جسم عميل بالمعنى السياسي المبتذل للكلمة. ذلك أنها مقاومة ذكية ومخلصة وبرهت على قدرتها على تقديم التضحيات الجسام من أجل الدفاع عن السياسة والعقائد التي تؤمن بها.
أين العراقيون مما يحصل في العراق؟ بل اين العرق مما يحصل في بلاد العرب؟
سبق للمفكر "القومي" عزمي بشارة وغيره أن لاحظوا أن من لا يمتلك مشروعاً يصبح جزءاً من مشاريع الآخرين.
هل يمكن أن نوجه اللوم لإيران بسبب بؤس الوضع العربي؟ ألم يكتب فوزي منصور سنة 1988 "خروج العرب من التاريخ" قبل أن تنهض إيران من جراحها، وقبل أن يدخل الراحل صدام ومعه العراق البائس في متاهة الكويت في سياق حروبه القاتلة المدمرة التي أثبت التاريخ أنها عبث في عبث؟
بالمعنى السياسي الخالي من أي انحياز ايديولوجي نسأل: هل تشكل إيران بأي معنى أحد الحواجز أو العقبات في طريق "نهوض" العرب أو إنجازهم أي مشروع قومي أو قطري؟ أم أنها تشكل مشكلة وصداعاً للاستعمار العالمي؟
منذ سنتين حددت القيادة الأمريكية الأعداء الأهم للولايات المتحدة. وقد أوضح ترامب أنهم على الترتيب: روسياً، الصين، كوريا الشمالية، فنزويلا، إيران، سوريا. في الدرجة الثانية يأتي أعداء من قبيل لبنان، وكوبا، واليمن. أما في الدرجة الثالثة فيأتي أعداء من قبيل بوليفيا ونيكاراغوا. لا بد من ردع روسيا والصين وكوريا، لكن لا بد من إعادة تشكيل "الشرق الأوسط" الذي تنتمي له ايران وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين. في هذا النطاق تبدو إيران القلعة التي تحمي منطقة "الشرق الأوسط" من أخطار النهب والسيطرة المطلقة للمشاريع الأمريكية بما في ذلك ما يعد لفلسطين ولبنان واليمن والعراق. وعلى الرغم من فرحة الجمهور السني الساذجة بانتصارات أمريكا إلا أن هذه الانتصارات إنما تدمر ما تبقى من إمكانيات لدى أهل المنطقة لبناء أنفسهم وحماية موقع لهم على خريطة الكون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بيرق النخوات بني معروف


.. عدم قدرة شركات الرقائق الالكترونية على مواكبة الطلب الكبير


.. وكالة الأنباء التونسية تقاطع كل الأنشطة الحكومية | #النافذة_




.. تخطى أسطورة -ووريرز-.. كوري يصنع تاريخا جديدا


.. موسكو والناتو.. توتّر -القنبلة الموقوتة- | #غرفة_الأخبار