الحوار المتمدن - موبايل


اين تتجه شعوب البحر الأبيض المتوسط؟

الحجاري عادل

2020 / 1 / 10
السياسة والعلاقات الدولية


سؤال يبادر في ذهني مع مرور الزمن حول إشكالية ومصير شعوب البحر الأبيض المتوسط، ومن خلال الدراسات الفاحصة التي قدمها أحد أعمدة رواد مدرسة الحوليات التاريخية الفرنسية " فيرناند بروديل " في كتابه الضخم المعنون ب" المتوسط والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني "، إذ يشير إلى ملك اسبانيا وكيف كان يحلم بالإستيلاء التام على البحر المتوسط كمحيط في حضن مملكته.

و في هذا الصدد، لا نود أن نغوص كثيراً في كتاب فيرناد بروديل، لأن عمق الإشكاليات فيه تستعرض الكثير من الأحداث التاريخية والصراعات الكبرى والدائرة حول مصير البحر المتوسط، لكن المؤلف أعاد جمع المعلومات التاريخية في ثلاثينات القرن العشرين، وأهم قضية كبرى انطلق منها لدراسة كتابه، كانت فاصلة بين مرحلة تاريخية قديمة ووسيطة.

والأن لنبدأ تحليل الأوضاع العامة في البحر الأبيض المتوسط على ضوء التجربة التاريخية والصراع الإستعماري، مرورا إلى المرحلة التي نعيشها الآن. بحيث إذا نظرنا إلى البحر المتوسط، كبحر مستقر كما في حالته المد والجزر، الهدوء والهيجان، فهذا منطق طبيعي متغير قلما تغير المناخ، بل إن عدم الإستقرار هو أبرز السمة الأساسية في بعده الجيو استراتجي والتاريخي، والجيو سياسي والإقتصادي.

أولا: البعد الجيو استراتجي - التاريخي:

وبما أن جل الحضارات المتوسطية منذ فجر التاريخ قد عاشت لحظات عسيرة يستعصى عليها تحديد مصير السيادة وبناء الحضارة وتحصينها من الهجمات الطامعة في الغزو واستيلاء الأرض واغتصابها، وفي المقابل، كان البحر المتوسط محط اهتمام كبير ورغبة الشعوب المتوسطية فيه، فهو مركز الصراع الذي فجر أطول حروب متوسطية عبر التاريخ ( الفينيقيون، الإغريق، الرومان، الأمازيغ) ، وقد تجاوز ذلك إلى مرحلة أخرى في إطار الحروب الصليبية، وما تلاه من نجم قوة العثمانيين وتخطيطهم البحري وصراعهم الكبير مع بعض الدول الأوروبية.

هذا الموقع الاستراتيجي للبحر، ومكانة العثمانيين فيها، قد ساعدهم على المضى قدما للبحث عن أطماع في شمال افريقيا حتى لا تعدوا أن تكون تحت استيلاء الأروبيين، ودام الصراع كثيرا بين الترك والأوروبيين، وعبر مراحل عديدة، لم تستقر الأوضاع لبلورة إعادة الصلح وتلاحم شامل بين الحضارات التي يحدها البحر في إطار حسن الجوار، لأن المشكلة الكبرى في الصراع على البحر كانت تتعلق بالتحركات الإسلامية والمضى قدما لتوظيف الدين خارج حدودها، إلا أن النتيجة قد قوبلت بصراع عظيم في إطار الحروب الصليبية.

لم تهدأ الأوضاع العامة في البحر المتوسط بعد الحروب الصليبية، بل زادت أكثر استفحالا، والشاهد على أن القرن التاسع عشر- قرن الإستعمار والتكالب على إفريقيا والشرق الأوسط - قد قابل جل الشعوب التي تعيش البحر المتوسط، حالة متردية، نتج عنها الصراع الإمبريالي، فلم يكن الصراع بداية الأمر يقتصر على الحرب، بقدر ما كان يساهم في نشر كل التعاليم المسيحية وإرسالها إلى شعوب البحر المتوسط المنضوية تحت لواء الإسلام، وبفضل ذلك ساهم المبشرون المسيحيون في توظيف العقيدة واللغة ونشر الثقافة المسيحية، وإنشاء مدارس كاثوليكية.

ووراء هذه البعثات التبشيرية والتعاليم المسيحية الأنغلوساكسونية والفرنكفونية، نجد انتقال أسلوبهم إلى إيجاد مبررات ووسائل التدخل، فيكون ذلك عن طريق إرسال المثقفين والعلماء لتقديم وصف دقيق عن المجال والمجتمع والموارد الطبيعية، تمهيدا للتوغل وتوظيف النظرية الإنقسامية في إطار حروب استعمارية كبرى على الشعوب التي تحاذي البحر المتوسط، هذا الأخير مكن لهم تعبيد الطريق للوصول إلى التجارة البعيدة المدى، حيث كان الإستعمار الإنجليزي أول من خطط الحروب البحرية في القرن التاسع عشر بهدف الإستيلاء على مضيق جبل طارق في الضفة الغربية للبحر المتوسط، ثم قناة السويس في مصر، لتأمين طريقها التجاري باتجاه الهند والصين، إلا أن وجود الجيش الفرنسي في مصر تحت قيادة نابليون، قد ساهم للحيلولة دون ذلك في قطع الطريق على الإنجليز دون وصولهم إلى الهند، فانفجر الصراع البحري بين فرنسا وبريطانيا في مياه مصر، ونفس الشيئ حصار العثمانيين الطريق البحري على روسيا حتى لا تصل إلى المياه الدافئة ( البحر المتوسط).

ثانيا: البعد الجيو سياسي - اقتصادي.

وعلى ما يبدو، فالبحر المتوسط في نظر اهتمام الخبراء في مجال السياسة والإقتصاد والإجتماع، لم يكن معزولا عن نفسه، ولا تابع لأي إقليم على حده، وكما شاعت فكرة الرومان القدماء التي تقول أن البحر المتوسط بالجملة هو بحر الروم، هاته الفكرة هي التي فتحت الطريق لورثة الحضارة الرومانية الإستيلاء عليها كما وضحنا سلفا في الصراع الإمبريالي.

لكن حال السياسة والإقتصاد اليوم، والقاء النظرة تجاه البحر، تجد هناك استراتجية البحث عن أصدقاء حلفاء تارة وخصوم أعداء تارة أخرى، وقد لاحظنا أزمة في صناع القرار، وعدم وصولهم إلى ايجاد الحلول المناسبة لمصير البحر المتوسط، إذ لا يعدوا أن تكون مياه المغرب والجزائر وتونس محط اهتمام السياسة الفرنسية والإسبانية، فضلا عن المياه الإقليمية في ليبيا الغنية بالموارد النفطية ومصادر الطاقة، وهي محط اهتمام انظار الغرب والشرق معا.

ودون أن نشير إلى فرنسا، ايطاليا، اليونان، روسيا، اسرائيل، مصر، تركيا، الإمارات... ككل في دائرة التكالب على المياه الليبية، لكن في أوج التخطيط السياسي والجيواستراتجي، وانطلاقا من الوثائق التاريخية، فإن هؤلاء يحاولون حصار مشاريع النفط التركي في البحر المتوسط، اعتبارها غير شرعي.

والسؤال الذي يبادر هناك هو: لماذا تحركت تركيا أولا في ترسيم المياه البحرية، وإحداث مذكرة تفاهم مع ليبيا، علاوة على ارسال سفنها للتنقيب عن النفط في قبرص وسط تنديد اروبي ودولي كبير؟ فالإجابة هنا تؤكد بالملموس أنه مع حلول نهاية قرن على معاهدة لوزان الموقعة بين تركيا والحلفاء، يسمح لتركيا الإستيلاء على مياهها، وستكون الفاعل والمتحكم في الضفة الشرقية للبحر المتوسط بحلول سنة 2023 دون أي منع أممي، بحيث أن جل السفن التي تقصد الضفة الشرقية للمتوسط يمكن أن تمر مع دفع الجبايات لتركيا، لأن حقها مشروع ومنصوص عليه في المعاهدة السابقة مع الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية.

وفي أوج تغيير موازين القوى، سيكون البحر المتوسط في المرحلة المقبلة، المزرعة التي تغذي اقتصاد البلدان، وستتغير الإستراتجية الطامعة في نفط الشرق الأوسط، إلى استراتجية جديدة طامعة في البحر المتوسط، وستكون الجبهة الشرقية للبحر المتوسط أكثر احتداما للصراع، وبفعل ذلك يمكن للدول الكبرى أن تغير خططها وميزان قوتها تجاه أطماعها في البحر المتوسط.

وإذا كان لمحور التقدم الإقتصادي وازدهاره لكل من تركيا وقطر والإمارات والعديد من دول أوروبا الشرقية التي تحاذي البحر المتوسط، فضلا عن تحسين خطوط التجارة البحرية لكل من اليونان واسرائيل، ونقل شحنات النفط من المتوسط تجاه اوروبا، يشكل ذلك على الدوام إحدى العوامل الإقتصادية المتنافسة من جديد، فإما أن يكون التفاهم والحوار والمساواة في التنافس الإقتصادي هو السلام المهم والدائم والتقارب المثمر وضمان الإستقرار التام، فإن لم يكن ذلك، وتبعا لمسألة الهروب من رؤية الشعوب في التقارب، والتركيز على الدبلوماسية السرية مع تحريك السياسة داخل قواعد اللعبة والمؤامرة، قد يؤدي ذلك جر المنطقة إلى حرب لم يكن التسليم منها أطماع نفطية، بل وقيل على ضوء التجربة التاريخية، أن الصراع على الماء لم ولن يتوقف أبدا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - محور جديد مهم
هاني شاكر ( 2020 / 1 / 10 - 22:21 )

محور جديد مهم
______

ألتحليل جيد و صادق و مهم

لكنه لا يكتمل إلا بإضافة موضوع الهجرة الغير منظمة من الشواطيئ الجنوبية إلى الشواطيئ الشمالية للبحر المتوسط

200 مليون لاجيئ يحلمون بالفرار من جحيم الشرق الأوسط و افريقيا إلي أوروبا

...

اخر الافلام

.. تعادل مثير بين ميلان و ضيفه روما، و رياض محرز يفتح باب التكه


.. استنكار أوروبي لتصريحات أردوغان بحق ماكرون فهل يكترث الرئيس


.. باحث: بيان الخارجية السعودية بشأن الرسوم المسيئة قدم التوازن




.. -رجل المستحيل-.. الوصول للفضاء بدون مركبة


.. المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية: المخزون المائي