الحوار المتمدن - موبايل


لماذا إنحسر دور اليسار العراقي... في الإنتفاضات الشعبية

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 1 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


بادئ ذي بدء أقول أنني لست منظرا سياسيا ولا محللا تاريخيا , بل أتحدث من واقع حياتي لامسته وعشته على مدى عقود , عساه أن يكون مفيدا لجيل الشباب المتطلع لحياة أفضل لعراقنا الأشم ينعم شعبه بالحرية والأمن والآمان بإذن الله. اود أن أتحدث هنا عن أزمة اليسار العراقي التي ربما تعود جذورها إلى عقد الستينيات من القرن المنصرم, بعد أن شهد العراق مدا يساريا غير مسبوق بتاريخ العراق في عهد حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1958 , ليواجه في أعقاب أنقلاب الثامن من شباط الدامي عام 1963, أكبر كارثة إنسانية في تاريخه , تمثلت بالتصفية الجسدية لقياداته والكثير من كوادره المتقدمة, وزج من نجى منها في غياهب السجون وفي المنافي.
لم تفكر القوى اليسارية يوما وهي بأوج قوتها في عام 1959 بالإنقلاب على السلطة أو حتى التمرد عليها على الرغم من زج الكثير من قواعدها في السجون بتهم كان الكثير منها تهما كيدية من خصومها المعادين أساسا للسلطة الحاكمة,وتعرض الكثير من مؤيديها إلى الإغتيالات والتهجير من مناطقهم في أعقاب أحداث تمرد الشواف الفاشل في الموصل ومجزرة كركوك , حيث أطلق العنان للقوى المعادية للشيوعية وبخاصة في أعقاب الفتوى الشهيرة للمرجع الديني الأعلى في النجف السيد محسن الحكيم بإعلانه أن "الشيوعية كفر وإلحاد" . وبرغم ذلك فقد ربط الشيوعيون مصيرهم بمصير حكومة عبد الكريم قاسم والدفاع عنها حتى الموت من منطلق كونها حكومة وطنية معادية للأستعمار وساعية لبناء عراق قوي ومستقر ,على الرغم من أنه لم تعد للشيوعيين حظوة لديها .
لم تتعافى القوى اليسارية بتوجهاتها المختلفة من آثارإنقلاب شباط الدامي حتى يومنا هذا , إذ أنها قد تشرذمت وتفرقت كثيرا , فبعضها ذهب بعيدا بنرجسيته اليسارية بعيدا جدا , متبنيا ما أطلق عليه مصطلح الكفاح المسلح ضد السلطة الحاكمة عبر زجه لبعض كوادره بعمليات مسلحة ضد بعض مخافر الشرطة في جنوب العراق متخذا من أهواره ملاذا آمنا ,متشبها بالحركات الثورية في بعض بقاع أمريكا الجنوبية , دون التأكد من توافر الظروف الموضوعية والذاتية لنجاح عملياتها, مما أدى إلى خسارتها خسارة فادحة , كان آخرها هزيمتها القاسية وتسليم قادتها أنفسهم إلى السلطة الحاكمة بعد عرضهم في شاشات التلفاز عام 1969 مدلين بإعترافاتهم ومعلنين الولاء للسلطة الحاكمة , ليتولوا فيما بعد مناصب سفراء في وزارة الخارجية . أما الجناح الآخر من الحزب الشيوعي العراقي فقد دخل في تحالف غير متكافئ مع حزب البعث العربي الإشتراكي بوصفه الحزب القائد الماسك للسلطة, فيما عرف بميثاق العمل الوطني الذي حدد قطاعي التربية والتعليم والقوات المسلحة بصنوفها المختلفة , أن تكونا حكرا على البعثيين ولا يجوز للشيوعيين أو غيرهم من العمل الحزبي فيهما في مطلع عقد السبعينيات من القرن المنصرم . كما إحتكر السلطة حيث تصدر القوانين والتشريعات عبر ما يعرف بمجلس قيادة الثورة المؤلف من أعضاء قيادة حزب البعث حصرا , مقابل السماح للشيوعيين إصدار جريدة يومية بإسم "طريق الشعب " ومجلة بإسم " الثقافة الجديدة ", وإعطائهم حقيبتين وزاريتين , أحدهما وزير دولة والأخرى وزير ري.
وبرغم هذا التحالف فقد تعرض الكثير من أعضاء الحزب وأنصاره ومؤيديه إلى المطاردة وزجهم في السجون , كما إستمرت السلطة الإحتفال بإنقلاب الثامن من شباط عام 1963 والذي باتت توصفه بعروس الثورات دون مراعاة لمشاعر حلفاؤها الشيوعيين الذين فقدوا أبرز قادتهم فيه وآلاف المؤيدين لهم. وكان الأجدر بهم إسدال الستار على هذا الحدث المؤلم ليقول فيه التاريخ كلمته. ولم تمض سوى بضع سنوات لتتم بعدها أكبر حملة لتصفية الشيوعيين, قيادة وقواعد عام 1977 بدعوى عدم إلتزامهم بميثاق العمل الوطني وذلك بمحاولة بعض الشيوعيين العمل الحزبي في صفوف بعض الجنود والمراتب العسكرية.
وفي عقد الثمانينيات أبان إندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي إستمرت ثمان سنوات , إلتحق بعض الشيوعيين بصفوف ما يعرف بالأنصار في جبال كردستان , لمناصرة قوات البيشمركة التي كانت تحارب يومذاك القوات المسلحة العراقية التي تسعى للقضاء على تمردها ضد الحكومة العراقية , دون أن يكون للحزب الشيوعي العراقي أي دور يذكر في القرار السياسي الذي كان يجري التفاوض حوله بين الحين والآخر بين الأحزاب الكردية والحكومة العراقية. وفي عقد التسعينيات وفرت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ما أطلقت عليه " بالملاذ الآمن للأكراد " بعد هزيمة العراق عام 1992 بحرب الكويت , وجعله تحت سيطرة الحزبين الكرديين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني في أربيل , والإتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية, وإجبارالحكومة العراقية على سحب قواتها وموظفيها من هذه المنطقة . والغريب أن الشيوعيين الأكراد إنفصلوا عن الحزب الشيوعي العراقي , ليشكلوا حزبا شيوعيا خاصا بهم , أسموه بالحزب الشيوعي الكردستاني عام 1993 , وكأنهم أرادوا بذلك توجيه رسالة مفادها أن كردستان دولة مستقلة بذاتها لا صلة لها بالعراق وبحزبه الشيوعي, في الوقت الذي ما زال قادة الأحزاب الكردية الذين آلت إليهم السلطة يتفاوضون مع الحكومة العراقية للتوصل إلى أفضل صيغ الإرتباط بين منطقتهم وبقية مناطق العراق في إطار دولة عراقية موحدة, يتمتعون فيها بدرجة عالية من الحكم الذاتي المحلي . وتجدر الإشارة هنا أن الكثير من الكرد كانوا من كبار قادة الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه, وعلى مدى عقود, وتبؤ بعضهم موقع سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي لأكثر من مرة.
ولم تتغير سياسة الحزب الشيوعي العراقي كثيرا بعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 بإشتراكه" بمجلس الحكم" الذي شكلته سلطة الإحتلال , وإستيزار بعض كوادره في الحكومات اللاحقة ومجالس نوابها , في الوقت الذي كان فيه يفترض مقاومة الإحتلال الأمريكي للعراق , فإحتلال أي بلد محرم في كل القيم والأعراف , فليس هناك إحتلال حلال وإحتلال حلال , أو في الأقل الوقوف على الحياد بين النظام السابق وسلطة الإحتلال حتى ينجلي الموقف , وهو ما لم يحصل . لذا بات يصنف الحزب ضمن منظومة الحكم الحالي في العراق , لاسيما أنه قد إنضم إلى كتلة سائرون التي يتزعمها مقتدى الصدر وهي الكتلة التي أسهمت بفاعلية بتشكيل الحكومة العراقية التي يطالب المتظاهرون يتنحيتها . فكيف يكون الحزب الشيوعي والحالة هذه جزءا من الإنتفاضة المطالبة بإسقاط الحكومة.
وهنا أقول أنه من المعروف تاريخيا ليس في العراق فحسب , بل في جميع ارجاء العالم أن الحركات اليسارية بألوانها وتوجهاتها وأشكالها المختلفة , عادة ما تكون في مقدمة التظاهرات الشعبية المطالبة بحقوق شعوبها وإنصافها من حكامها . إلاّ أنه يلاحظ إنحسار دور الحركات اليسارية العراقية ذات التاريخ السياسي الطويل والأرث النضالي العتيد , الذي يمتد لأكثر من قرن من الزمن , في أي من التظاهرات التي إندلعت لأكثر من مرة في العراق منذ غزوه وإحتلاله عام 2003, والتي آخرها الإنتفاضة التشرينية التي إندلعت في الأول من تشرين الأول عام 2019 التي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا .
قاد المناضلون اليساريون وقادة ألأحزاب الوطنية المختلفة التظاهرات الشعبية السلمية التي إندلعت في العراق ضد توجه حكومة صالح جبر لإبرام ما عرف حينه بمعاهدة بورتسموث بين المملكة العراقية وبريطانيا عام 1948 التي تعد نسخة منقحة للمعاهدة البريطانية العراقية لعام 1930 التي منحت بريطانيا إمتيازات واسعة في العراق , أبرزها قاعدتين عسكريتين في الشعيبة جنوبي العراق والحبانية في محافظة الأنبار . نجحت هذه التظاهرات بإفشال عقد المعاهدة وإسقاط حكومة صالح جبر لتسجل سفرا خالدا في تاريخ العراق الحديث.
شهد العام 1952 سلسلة من الإضرابات الوطنية والتظاهرات العنيفة ضد الحكومة العراقية التي كان يرأسها يومذاك مصطفى محمود العمري , حيث أضرب عمال الموانئ في البصرة في الثالث والعشرين من شهر آب عام 1952 , وتبعهم طلاب كلية الصيدلة في السادس والعشرين من تشرين الأول , مما إضطر الأمير عبد الآله الوصي على عرش العراق , إستبدال العمري باللواء نور الدين محمود رئيس أركان الجيش الذي قام بقمع المظاهرات وإصدار الأحكام العرفية وحظر التجول وإغلاق الأحزاب السياسية والصحف وإحتجاز المتظاهرين البارزين.
وفي العام 1956 إندلعت إنتفاضة شعبية عارمة في بغداد ومعظم المدن العراقية التي كانت أبرزها تظاهرات مدينة النجف وإنتفاضة مدينة الحي , إستنكارا لموقف الحكومة العراقية المتخاذل تجاه العدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر , عقب قيام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس. شكلت الأحزاب السياسية المعارضة قيادة ميدانية لقيادة هذه المظاهرات ,ضمت الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الإستقلال والحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الإشتراكي.شارك في هذه المظاهرات طلبة الكليات والمعاهد والمدارس الثانوية ورافقتها إضرابات جماهيرية , واجهتها الحكومة بإعلان الأحكام العرفية وإغلاق المدارس والكليات وفصل العديد من الطلبة وسوق البعض منهم إلى التجنيد الإلزامي في سن مبكرة , ورافقتها بعض الصدامات بين قوات الشرطة والمتظاهرين التي أودت بحياة بعض المتظاهرين , وزج المئات منهم في السجون .وبذلك تمكنت السلطات من قمع هذه المظاهرات بقوة الحديد والنار ظنا منه أنها بهذه الإجراءات قد تمكنت من إطفاء جذوة الحرية المتقدة في نفوس العراقيين, وزج زعيم المعارضة الأبرز كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي في السجن . تحولت قيادة المظاهرات الميدانية فيما بعد إلى جبهة وطنية مؤلفة من أحزاب المعارضة الرئيسة, إنضم إليها لاحقا الحزب الديمقراطي الكردستاني . مهدت هذه الجبهة بالتنسيق مع عدد من ضباط الجيش لإنقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958, بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي أطاح بالحكم الملكي وإقامة النظام الجمهوري .
لم يشهد العراق في العقود اللاحقة أية تظاهرات أو إنتفاضات شعبية , سوى التظاهرات التي تنظمها الحكومات لإظهار التأييد لها , بل شهد العراق خلالها عدة إنقلابات عسكرية وفتن دامية وصراعات وحروب لا معنى لها , إحترق فيها الأخضر واليابس.
أدت هذه الإنكسارات والإخفاقات في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي , وسوء تقدير قياداته وعدم قراءتها الصحيحية لأوضاع العراق الداخلية , وتأثرها الواضح بمراعاة مصالح الدول الشيوعية وفي مقدمتها الإتحاد السوفيتي السابق , وتعاظم قوة خصومها الذين وحدتهم برغم خلافاتها , كراهيتهم للشيوعية فكرا وممارسة,والتنكيل بقواعده وكوادره إلى إنحسار دوره التاريخي الذي بلغ ذروته في عهد حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم , والتي لم تعرف الأجيال اللاحقة شيئا منه. لذا يحدونا الأمل أن تعيد قوى اليسار العراقي النظر بمجمل سياساتها بوقفة مراجعة شجاعة ونقد بناء لمسيرتها بهدف تصحيحها ووضعها في الطريق الصحيح لخدمة جماهيرها الكادحة , والإبتعاد عن حسابات الربح والخسارة السائد حاليا في بازار الساسة, إذ في النهاية لا يصح إلاّ الصحيح . والله من وراء القصد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سوريا..ترقب لردود الفعل الحكومية والمعارضة بشأن وثيقة الدستو


.. مصر ... تدويل ملف سد النهضة لكسر جمود المفاوضات | #من_القاهر


.. مجلس الأمن يفوض فريقا لمراقبة وقف إطلاق النار بليبيا




.. طهران: محادثات الملف النووي في فيينا تحقق تفاهما جديدا


.. مفاوضات فيينا تتواصل.. واتفاق على تسريع الوتيرة | #غرفة_الأخ