الحوار المتمدن - موبايل


من دفتر الهجرة، الوصول

محمد زكريا توفيق

2020 / 1 / 19
الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة


ظلت طائرة "تي دبلو إيه" تحلق فوق مدينة نيويورك لمدة ساعة تقريبا قبل أن يسمح لها بالهبوط. مطار كينيدي كان مزدحما بالطائرات. من النافذة، لا ترى المدينة من شدة كثافة السحب السوداء المحملة بالمطر. بعض الأضواء التي تشبه الأمل البعيد في نهاية النفق تبدو لنا من ارتفاعنا الشاهق.

أخيرا هبطنا على أرض الميعاد. مأوي اللاجئين ومهبط المنبوذين وملاذ المضطهدين. الفارين من جور حكامهم وقسوة أبناء جلدتهم. ضحايا العنصرية ومحاكم التفتيش. الولايات المتحدة الأمريكية.

بلاد الديموقراطية وحقوق الإنسان. قبلة طالبي العلم والثقافة. أمل العلماء والمخترعين والمغامرين والمستثمرين ورجال الأعمال والفنانين، والباحثين عن الثروة أو عن فرص أحسن وحياة أفضل.

أنا هنا لا أتحدث عن جورج بوش الابن أو ترامب أو سياسة أمريكا الغبية في الشرق الأوسط وظلمها للعرب والفلسطينيين. إنما أتحدث عن الشعب الأمريكي بحضارته وآدابه وفنونه، وعن الحريات والقوانين والدستور الذي وضعه الآباء المؤسسين.

عام 1784م، جاء الآباء المؤسسون، عددهم 55. بهدف وضع مخطط تفصيلي (رسم هندسي)، لإنشاء حكومة وطنية جديدة، قوية غير مستبدة، تسعد رعاياها، وتشركهم في الحكم، وتحقق لهم الحرية والأمن والسعادة والمساواة.

كانوا يتناقشون ويجادلون ويعارضون، لكن كانت عيونهم وقلوبهم مع مصلحة بلادهم ومستقبلها. يقول موريس، أحدهم وممثل بنسلفانيا:

"جئت هنا لكي أمثل الجنس البشري كله. أرجوا من الإخوة الرفاق أن يعلوا، لكي يتخطوا اللحظة الراهنة، فوق حدود الزمان والمكان الضيقة، ويسموا إلى رحاب أعظم وأوسع."

هذا ما فعلوه بالضبط خلال أربعة شهور. جاءت جهودهم المخلصة ب 4440 كلمة، لتضع العقد الاجتماعي المسمى بالدستور الأمريكي.

الدستور الأمريكي دستور مدني لا ديني. بمعني أنه كتب على أسس منطقية وفلسفية، لا آيات وأحاديث نبوية. تستمد مواده من جون لوك وهوبز وجان جاك روسو.

يبدأ الدستور الأمريكي بعبارة "نحن الشعب". الإشارة الوحيدة للدين في الدستور الأمريكي، جاءت للتأكيد على عدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين.

أول تعديل للدستور، جاء بغرض إضافة وثيقة الحقوق (Bill of rights)، لكي تمنع الكونجرس، بأي حال من الأحوال، من تشريع قانون قائم على أساس ديني. أو لمنع حرية الرأي أو التعبير.

أمريكا التي أتحدث عنها، هي قلعة الحرية الفردية والاقتصادية. الشعب الأمريكي الذي عشت بين أفراده نصف قرن، شعب طيب كريم مضياف يحب الحياة.

متوسط عمر الرجال 76 سنة، والنساء 81 سنة. 73% مسيحيين، 2% يهود، 0.8% مسلمين. 77% بيض، 13.4% زنوج، 6% آسيويين، 1.3% هنود حمر.

بالطبع هنا عنصرية ضد الأجانب، بسبب الخوف منهم. وعنصرية ضد المسلمين بسبب سلوك المسلمين والدعاية الصهيونية. هنا أيضا تمييز ضد المرأة والزنوج والآسيويين وخلافه.

لكن الأمور تتحسن يوما بعد يوم بالتعليم الجيد وتطبيق القوانين الصارمة التي تحارب العنصرية وتحمي حقوق الإنسان. إلى عهد قريب، قبل وصولي بعدة سنوات فقط، كان غير مسموح للزنوج ركوب المواصلات العامة مع البيض، أو دخول نفس المدارس.

في عام 1957م، أرسل الرئيس الأمريكي أيزنهاور الجيش الفدرالي لكي يؤمن دخول 9 طلبة، زنوج أمريكان، مدرسة ثانوية في ولاية أركنساس.

في عام 1955م، تم القبض على "روزا باركس" لرفضها ترك مقعدها لرجل أبيض في الأوتوبيس في مونتجمري عاصمة ولاية ألاباما. مما أشعل حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كنج.

جهود الحركة أسفرت عن صدور قانون الحقوق المدنية عام 1964م، الذي يجرم التمييز العنصري أو الديني في المدارس أو المواصلات أو العمل أو أي مكان آخر. لاحظ هنا ديناميكية المجتمع الذي يعمل بصفة مستمرة على إصلاح عيوبه والسير إلى الأمام.

الفلسفة البراجماتية ل"وليام جيمس"، هي الكتاب المقدس للأمريكيين الأوائل ورجال الصناعة في الولايات المتحدة. تقول بأن الأخلاق تنحصر فيما يفيد ويعلو من شأن المجتمع ويعمل على إسعاد أفراده.

يجب البقاء على ما يفيد ويسعد المجتمع من القيم الخلقية ونبذ الباقي. القيم التي تعمل على استقرار المجتمعات والنهوض بها، وترفع من شأن الفرد داخلها، هي التي يجب أن تسود.

إلغاء الرق وتجريمه، كذلك مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وحرية العقيدة ومحاربة التمييز العنصري والديني، خير دليل على ذلك. لكن في كل الأحوال، المؤسسات الدينية لا يجب أن يسمح لها بالتدخل في شئون الناس. الإنسان يجب يضع قيمه الأخلاقية بنفسه، وفقا لعصره وبما يناسب وينهض بمجتمعه.

المجتمع الأمريكي مجتمع ديناميكي حي. يتقدم للأمام باستمرار. يحاول إصلاح عيوبه أولا بأول. غير بلادنا الراكدة محلك سر منذ 1400 سنة. النظام والدستور الأمريكي الذي وضعه الآباء المؤسسون، وهم بشر مثلنا، لم يهبط عليهم من السماء. الذي يهبط من السماء، هو المطر وإخراج الطيور.

الدستور الأمريكي، مع التنوع الحضاري والثقافي ومزج الجينات المختلفة، قديما وحديثا، هو الذي جعل أمريكا الأغنى والأقوى والأعظم بين كل الأمم.

تقريبا كل المخترعات الحديثة جاءت من الولايات المتحدة الأمريكية. بما في ذلك، القنبلة الذرية والهيدروجينية والترانزستور والكمبيوتر والإنترنت والليزر وأقمار المواصلات، إلخ. التقدم الطبي لا يقارن بأي بلد في العالم.

الناتج القومي يعادل ربع الناتج القومي لكل دول العالم. ميزانية الدفاع الأمريكية، تعادل ميزانيات الدفاع لكل دول العالم مجتمعة. أمريكا أرسلت إنسانا لكي يمشي على سطح القمر ويعود سالما عدة مرات. وهو شئ لم تفعله دولة أخرى حتى الآن.

الولايات المتحدة دولة فدرالية مكونة من 50 ولاية أمريكية. كل منها مثل دولة أوروبية متقدمة، وربما أغنى في الثروة الطبيعية. تشمل ولايتي ألاسكا (750 ألف)، وهاواي (مليون ونصف). تطل على المحيط الأطلسي شرقا، والمحيط الهادي غربا. شمالها كندا وجنوبها المكسيك.

عدد سكان الولايات المتحدة 327 مليون نسمة حتى عام 2018م. الدول العربية كلها 362 مليون نسمة. الدول العربية مجتمعة لا تقل في الثروة الطبيعية عن أمريكا، لكن الفرق هو الدساتير ونظم الحكم والقوانين. وهل هي جاءت عن طريق العقل، أم عن طريق الوحي.

تمثال الحرية، يقف في جزيرة صغيرة في مدينة نيويورك، يرحب بالقادمين من الشرق. التمثال على شكل فلاحة مصرية، تلبس ثوبها الطويل، وتحمل شعلة تهتدي بنورها السفن القادمة عبر الأطلسي. صنعه فريدريك بارتوري عام 1669م، لكي يوضع في مدخل قناة السويس.

التمثال يرمز إلى أن مصر كانت في الماضي تحمل ضوء الحرية إلى كل شعوب الأرض. أشعة الشمس المنبعثة من رأسها، مستعارة من عملة معدنية لبطليموس الثالث، تعني أن مصر كانت أيضا في الماضي مبعث الفكر والعلم والحضارة.

هذا ما كان يبغيه حقا الخديوي اسماعيل عندما أمر في البداية بعمل التمثال. لكن لأسباب مالية، لم يتحقق هذا الهدف. فقامت الحكومة الفرنسية بإهداء التمثال إلى الولايات المتحدة لكي يوضع في ميناء مدينة نيويورك.

أخيرا، هبطت الطائرة أرض مطار كيندي وقت المغيب. السماء ممطرة ودرجة الحرارة تحت الصفر المئوي. الجو مظلم كئيب. استغرقت إجراءات فحص أوراقنا والحصول على الكارت الأخضر، واستلام الحقائب، بعض الوقت.

عند تفتيش حقيبة مجدي، وجد بها موظف المطار أنبوب بلاستك به بودرة بيضاء. عندما سأل الموظف، ما هذا؟ أجاب مجدي ببراءة شديدة: "مخدرات". هو يعني دواء، "بودرة تلك".

كنت أقف خلف مجدي والموظف يفحص حقائبه. عندما سمع كلمة مخدرات، انتفض كأن ثعبانا قرصه. ثم تساءل مندهشا، مخدرات؟ تنبهت للمشكلة بسرعة وتدخلت لأوضح الأمر.

قلت له: "لا يا سيدي، هذا دواء، بودرة". فتح غطاء الأنبوب وأخذ شيئا من البودرة ليتذوقها بطرف لسانه وهو يهز رأسه متعجبا وغير مصدق. لا شك أنه مدرب جيدا على معرفة الفرق، إذا كان يعمل في وظيفة مثل هذه، فيجب أن يعرف.

المشكلة هنا هي اللغة. كلمة (Drugs) تعني مخدرات، وتعني أيضا دواء يعالج المرض. لكن كلمة (Medicine) تعني دواء فقط. الكلمة الأولى هي الشائعة للمخدرات في أمريكا. من هنا جاء اللبس.

مطار كيندي يقع في حي "كوينز". وهو أحد أحياء مدينة نيويورك الخمسة. الأحياء الأربعة الأخرى هي: مانهاتن، بروكلين، برونكس، وحي ستاتن أيلاند. مدينة نيويورك (8مليون)، تقع على خط عرض 40. ولاية نيويورك (18 مليون نسمة). عاصمة الولاية مدينة صغيرة هي "الباني"، عدد سكانها لا يزيد عن 116 ألف نسمة، حسب تعداد 1970م.

عندما كنا نستعد لمغادرة المطار بحقائبنا، وجدنا 4 أو 5 من زملاء مجدي يلوحون لنا بأيديهم من وراء زجاج الدور الثاني لصالة الاستقبال بالمطار. ، عندما علموا أنه لا أحد ينتظرني ولا أعرف أين أذهب، طلبوا مني مشكورين أن أذهب معهم.

ركبت أنا ومجدي سيارة أحد المستقبلين. ترك المطار وذهب عن طريق حي منهاتن إلى حي بروكلن حيث السكن. مررنا بكوبري معلق مصنوع من الصلب، طوله نصف كيلومتر، وعمره 100 عام تقريبا.

هو كوبري بروكلين، الأول من نوعه في العالم كله. كان مزينا بالأنوار كأنه يحتفل بوصولنا. منظر الأنوار المعلقة على جانبي الكوبري بالليل كان بديعا. لكنني كنت مشغول البال، لا أدري ما سيأتي به الغد.

وصلنا إلى مكان السكن في حي بروكلن بعد ساعة تقريبا. مجموعة عمارات سكنية مبنية بالطوب الأحمر على جانبي شارع 52. الشارع مظلم، والعمارات من الخارج تشبه مساكن الإيواء أو عنابر الجيش أو السجن. يا ساتر يا رب. هي دي أمريكا اللي جاي أعيش فيها؟ فين الفيلات والنسوان الحلوة اللي في الأفلام الأمريكاني؟

لا يزيد المبنى الواحد عن أربعة طوابق بدون مصعد. كل طابق به عدة وحدات سكنية بدون بلكونات. معظمها يتكون من غرفة نوم واحدة وصالة ودورة مياه كاملة ومطبخ به ثلاجة وبوتاجاز بفرن. يدير هذه العمارات مشرف اسمه "الليوي"، يسكن في أحد الشقق.

هشام، أحد المستقبلين، كان زميلا لمجدي في مصلحة الضرايب. متزوج من مصرية من القاهرة. كان يعمل بالسودان في شركة أجنبية، لذلك كان يجيد التحدث بالانجليزية.

استقبلنا هشام استقبالا حارا في شقته التي تقع في أحد عمارات الليوي في نفس الشارع. مكونة من غرفتين نوم وصالة كبيرة. قدم لنا عشاء فاخرا، فراخ مشوية وفاكهة وحلويات ومشروبات كحلية.

عندما علم أنني مهاجر فقير على باب الله وليس معى سوى 200 دولار. أخبرنا بأن أحد الشقق سوف تخلو لأن شاغلها المصري، لم تعجبه الحياة في نيويورك فقرر الذهاب إلى ولاية كاليفورنيا، هو ومجموعة مصريين.

اشتركت أنا ومجدي في تأجير الشقة. اشتريت بعض المفروشات وأدوات المطبخ ودفعت نصيبي في الإيجار مقدما. جملة المصاريف 100-$-. الشقة كانت غرفة نوم واحدة وصالة. الإيجار كان 90 دولار في الشهر، لا يشمل الكهرباء.

مشكلة السكن قد حلت. لم يبق سوى إيجاد عمل. اليوم السبت، وغدا الأحد. كل الشركات والبنوك في أجازة نهاية الأسبوع. البحث عن وظيفة سوف يبدأ من يوم الإثنين القادم.

وللحديث بقية فإلى اللقاء








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تصحيح واجب
محمد زكريا توفيق ( 2020 / 1 / 19 - 15:32 )
صانع تمثال الحرية هو فريدريك بارتولدي عام 1869م، الخطأ غير مقصود والعتب على النظر.

اخر الافلام

.. إستمرار الإحتجاجات بمنطقة كورنيش المزرعة في #لبنان


.. مدينة بريطانية تزود كاميراتها بذكاء اصطناعي يرصد مخالفة رمي


.. الكاظمي: مستعدون لدور الوسيط لتهدئة التوترات بالمنطقة




.. كيف اختفت الطائرات العراقية في أجواء إيران قبل 30 عاما


.. الربيع أيقظها من السبات!