الحوار المتمدن - موبايل


العراق يتهاوى ... هل من منقذ ؟

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 1 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


يمر العراق اليوم في منعطف تاريخي خطير جدا , أما أن يكون عراقا موحدا أو أن يصبح أشلاء ممزقة تتقاذفها الرياح , ويندب بعدها أهله حظهم العاثر , وتلعنهم الأجيال لما آل إليه حال العراق الذي أضاعوه , ولم يحفظوا عزته وكرامته وسيادته, جراء الفتن والصراعات العبثية التي إفتعلتها جهات خارجية وما زالت مستمرة دون هوادة حتى يومنا هذا, متخذة من العراق ساحة لتصفية الحسابات فيما بينها دون أي إكتراث لمصلحة العراق , ودون مراعاة لما ينجم عنها من أضرار فادحة بحقه. يلاحظ كل من يراقب المشهد السياسي الراهن في العراق , خفوت الصوت الوطني الهادف لبناء العراق القوي المزدهر , على أساس الهوية الوطنية العراقية التي تسمو فوق كل الهويات والعصبيات الأخرى تحت أي مسمى, ودون إملاءات من هذه الجهة أو تلك تحت هذه الذريعة أو تلك , أوصخب الأبواق المشبوه التي لا تضمر خيرا للعراق لا من بعيد ولا من قريب , ذلك أن مصلحة العراق أولا. ويلاحظ بكل أسف غياب دور النخب الثقافية والفكرية والأدبية وقادة النقابات والجمعيات الثقافية والمنظمات المهنية , عن كل ما يجري حاليا في العراق وكأنها غير معنية بذلك.
ومنذ غزو العراق وإحتلاله عام 2003 والعراق يرزح تحت مطرقة الفساد وسندان العنف والإرهاب , تنهب أمواله من كل من هب ودب , وتسفك دماء أبنائه دون ذنب , وحكامه سادرين بغيهم وينعمون بثرواته دون وجه حق , بعد إن كان معظمهم إن لم نقل جميعهم حفاة عراة , وإذا ما طالب الناس هؤلاء الحكام بحقوقهم المشروعة التي أبسطها توفير العيش الكريم , فإنهم يحدثونهم عن الزهد وضرورة تحمل مشاق الدنيا وشظف الحياة من أجل حياة أفضل بعد الممات , بينما يحدثنا سيد البلغاء الإمام الزاهد علي بن أبي طالب عليه السلام " لو كان الفقر رجلا لقتلته" .
وبعد أن طفح الكيل ولم يعد في القوس منزعا , خرجت جموع الفقراء والمهمشين في بغداد ومحافظات وسط العراق وجنوبه, بتظاهرات حاشدة مطالبة بإنصافها وتأمين حقها بالعيش الكريم ومحاربة الفساد والفاسدين وإستعادة كرامة الوطن المهدورة . وبدلا من أن تلقى هذه التظاهرات آذان صاغية من لدن السلطة الحاكمة لمعالجة أوضاع الناس , فإنها واجهتها بالتسويف والمماطلة , لتتطور فيما بعد إلى إنتفاضة عارمة لإقتلاع النظام السياسي الطائفي والأثني المقيت الذي أوجدته سلطة الإحتلال الأمريكي برمته, ورعته وساندته دول الجوار بما يخدم مصالحها . ما زالت الإنتفاضة مستمرة حتى يومنا هذا ,وإن إتخذ بعضها بعض أشكال العنف وتخريب بعض المصالح والممتلكات والإعتداء على بعض ممثليات الدول المعتمدة في العراق , وإلقاء كل طرف مسؤولية ذلك على الأطراف الأخرى , وهو أمر ليس بالغريب في مثل هكذا حالات , حيث يختلط الحابل بالنابل, وتختلط الأوراق وتتداخل الخنادق وتركب الموجة تجمعات وتشكيلات سياسية مختلفة ,وجميعها تحاول توجيهها بما يخدم توجهاتها وأهدافها السياسية تحت غطاء هذه التظاهرات.
وليت أن الأمر يقف عند هذا الحد , بل أنه قد إتخذ منحنا خطيرا آخر تمثل بإنقسام الشارع العراقي إلى فريقين , يطالب أحد الفريقين بإخراج القوات الأمريكية من العراق من منطلق إستعادة السيادة العراقية , ويصر الفريق الآخر على بقائها حيث يرى فيها ضمانا لمصالحه وقوة ردع قوية بوجه التغلغل الإيراني في العراق الذي يرى فيه التهديد الحقيقي لأمن وسيادة العراق من وجهة نظره. وتزداد خطورة هذا الإنقسام كونه إنقساما طائفيا وأثنيا في جوهره , إذ يمثل الفريق الأول الطيف الشيعي المتهم بالموالاة لإيران , ويمثل الفريق الثاني الطيف السني المعادي لإيران شكلا ومضمونا,ويضم أيضا الكرد المتحالفين مع الولايات المتحدة الأمريكية والأقل عداءا لإيران . وقد تجلى هذا الإنقسام بتصويت أعضاء مجلس النواب العراقي على مطالبة الحكومة العراقية بإخراج القوات الأمريكية من العراق , بجلسة حضرها النواب الشيعة فقط ,وقاطعها النواب السنة والكرد في حالة نادرة جدا بتاريخ المجلس, حيث جرت العادة بإتخاذ أتفه القرارات بصورة توافقية , فما بالك بقضية مصيرية كبرى كإخراج القوات الأمريكية من العراق. وعلى صعيد الشارع نظمت الأحزاب الشيعية مظاهرة كبرى في بغداد وصفتها بالمليونية مطالبة بإخراج هذه القوات.
وبذلك إختلطت الأوراق وتداخلت الخنادق في صفوف المتظاهرين بين فريق مطالب بالإصلاحات كأولوية لإصلاح حال الشعب, وآخر مطالب بالسيادة الوطنية لإستعادة كرامة الوطن .وبات الفرقاء يتراشقون التهم الجاهزة بالخيانة والعمالة لهذه الدولة او تلك عبر شاشات التلفاز ووسائل الإعلام المختلفة التي باتت تستهوى بعض هواة السياسة الذي راحوا ينظرون في كل شيئ ويسبغون على أنفسهم هالة المعرفة ببواطن الأمور وظواهرها . والغريب في الأمر أن من كان متهما بحث الولايات المتحدة الأمريكية على غزو العراق وإحتلاله وإسقاط نظامه السياسي طوال عقد التسعينيات من القرن المنصرم , وهوما تم لهم كما أرادوا عام 2003 وتسلمهم السلطة على طبق من ذهب من الإدارة الأمريكية , وإستمروا بالسلطة بفضل الدعم لهم والتواجد العسكري الأمريكي في العراق , وإشادتهم بهذا الدعم في المحافل الدولية وفي مجلس الشيوخ الأمريكي أكثر من مرة , نراهم اليوم قد إنقلبوا على ولي نعمتهم دون أن يدركوا مخاطر ذلك عليهم وعلى العراق بوضعه الحالي .
وإزاء هذا الإنقسام الحاد بين الكتل السياسية المشاركة في السلطة من جهة , وبين الجهات السياسية المعارضة المنقسمة هي الأخرى على نفسها من جهة أخرى, فضلا عن الفراغ السياسي الناجم عن إستقالة الحكومة العراقية التي جعلتها, حكومة تصريف أعمال بدون أية صلاحيات , لذا لا يمكنها مطالبة القوات الأمريكية بسحب قواتها العسكرية , أو حتى التفاوض بسحبها . فهل يتوقع أحد أن تستجيب الولايات المتحدة الأمريكية لطلب سحب قواتها العسكرية من العراق ؟ .فقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية بأن لا نية لها بالإنسحاب حتى إذا إفترضنا قيام الحكومة العراقية بمطالبتها بالإنسحاب. وهنا نقول أن خروج القوات الأجنبية من العراق مرهون بوحدة الصف الوطني وإجماعه على تحريم الإتكاء على الدول الأخرى تحت أي ذريعة أو أي مبرر , فالعراق الذي كان حتى وقت قريب يهابه الأصدقاء ويخشاه الأعداء , قادر على حماية نفسه من كل غادر تسول له نفسه العدوان على العراق , فبالأمس كانت تروج وسائل الإعلام الغربية وفي مقدمتها وسائل الإعلام الأمريكية أن العراق يملك جيشا مقداما هو الأقوى في المنطقة والأكثر خطرا على المصالح الأمريكية , مما دفعها لإفتعال الذرائع والحجج الواهية للإنقضاض على هذا الجيش المقدام وتدمير قدراته العسكرية , ليصبح العراق بلدا ضعيفا ومفككا لا يقوى على الدفاع عن العراق من أضعف خصومه.
والمفارقة الأخرى التي لا تقل غرابة عن المفارقة الأولى هي أن الفريق الآخر الذي صدع الرؤوس بمقاومة الإحتلال من براثن الإحتلال الأمريكي , نراه اليوم أكثر تشبثا ببقاء هذه القوات بدعوى التوازن مع الوجود الإيراني , ويذهب البعض منهم إلى أكثر من ذلك بمطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدتهم على التخلص من الطرف الاخر عبر تنظيم إنقلاب عسكري ينظمه بعض قادة الجيش العراقي الحالي وقادة الجيش العراقي السابق الذي حلته سلطة الإحتلال عام 2003, وتسليمهم السلطة بوصفهم أكثر قدرة ومعرفة بحكم العراق.
كما عاد الحديث مرة أخرى عن تأسيس الإقليم السني إلى الواجهة , إذ تتحدث بعض وسائل الإعلام الأجنبية والله أعلم , عن لقاءات بين بعض قيادات الأحزاب السنية مع كبار المسؤولين الأمريكيين في بعض العواصم العربية , بهدف إحياء مشروع جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي الأسبق القاضي بتقسيم العراق إلى أقاليم طائفية وأثنية , وإجراء بعض التعديلات عليها لضمان نجاحها , وذلك بجعل محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وبعض أجزاء من محافظتي ديالى وكركوك إقليما سنيا , وربطه بإقليم كردستان بإتحاد فيدرالي أو كونفدرالي لحل مشكلة كركوك , بضمان ودعم مالي من المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج العربي. ويروج أصحاب هذا المشروع إلى أنه يهدف للحد من تأثير النفوذ الإيراني في المنطقة , وتأمين أمن إسرائيل بقطع تواصل الإمدادات الإيرانية مع مقاتلي حزب الله في لبنان وإلى حلفاؤها المقاتلين في سورية حيث سيشكل الإقليم السني حاجزا جغرافيا منيعا بين إيران وتلك الدول. وتشير بعض التقاريرإلى أن هناك ثمة رغبة لدى الإدارة الأمريكية لتوطين بعض اللاجئين الفلسطين في هذا الإقليم كجزء من "صفقة القرن" التي تروج لها بعض وسائل الإعلام لتصفية القضية الفلسطينية.
يتوهم من يعتقد أن فكرة الأقاليم أوجدتها سلطة الإحتلال الأمريكي بعد غزوه عام 2003 , إنما تعود فكرتها إلى العام 1958 بعد قيام ثورة الرابع عشر من تموز , عندما إحتدم الصراع بين الأحزاب القومية المطالبة يومذاك بدمج العراق بما كان يعرف بالجمهورية العربية المتحدة التي تضم مصر وسورية , وبين القوى اليسارية والوطنية المعترضة على ذلك لأسباب لا مجال للخوض بتفصيلاتها هنا . تبنى الحزب الشيوعي العراقي يومذاك شعار " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان " , بعد أن ثبت دستور العراق المؤقت الذي شرعته حكومة الثورة بندا " أن العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن " , وذلك لأول مرة في تاريخ العراق. نفذت حكومة حزب البعث العربي الإشتراكي هذا الشعار عمليا عام 1975 بإستحداث منطقة كردستان للحكم الذاتي التي تضم محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وعاصمتها أربيل , تنفيذا للإتفاقية المعقودة بين الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البرزاني التي عرفت بإتفاقية الحادي عشر من آذار للحكم الذاتي للأكراد عام 1970. ونظرا لتطلع الحزب الكردستاني لضم مناطق أخرى لمنطقة الحكم الذاتي أبرزها محافظة كركوك , فقد لجأ الحزب المذكور وأحزاب كردية أخرى إلى التمرد العسكري, إلاّ أن ذلك لم يمنع الحكومة العراقية من تشكيل منطقة الحكم الذاتي ومنحها الصلاحيات لإدارة شؤون المنطقة الداخلية عبر برلمان ومجلس وزراء خاص بها.
وفي أعقاب دحر العراق في حرب الكويت عام 1991 , عزلت قوات التحالف الدولي منطقة الحكم الذاتي تماما عن العراق , وسلمت إدارتها إلى الحزبين الحليفين لها , الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني اللذان سرعان ما إختلفا فيما بينهما لتقاسم موارد الإقليم المالية , حيث أصبحت محافظة السليمانية تحت إدارة حزب الإتحاد , ومحافظتي أربيل ودهوك تحت إدارة الحزب الديمقراطي , وإستمر الوضع على هذه الحال حتى العام 2003 حيث تم توحيد إدارة المنطقة بصورة مشتركة من قبل الحزبين , تحت مسمى إقليم كردستان العراق الذي أصبح في حقيقة الأمر ليس إقليما يتمتع بصلاحات تصريف شؤون الإقليم المحلية , بل بات أكثر من دولة يتصرف بثروات الإقليم كيفما يشاء دون حسيب أو رقيب ويعقد الإتفاقيات مع الدول الأخرى دون الرجوع إلى الحكومة المركزية , وفوق هذا وذاك يشارك بقية محافظات العراق بمواردها ويتحكم بقرارات العراق المصيرية. الأمر الذي دفع آخرين للمطالبة بإنشاء أقاليم خاصة بهم على أسس طائفية وأثنية بتشجيع من الإدارات الأمريكية المختلفة لإضعاف العراق وتفتيته تمهيدا لتقسيمه. وهذا ما حذرنا منه مرارا لكون ذلك لا يمثل حلا لوضع العراق الذي يزداد تعقيدا يوما بعد آخر بسبب مداخلات الدول الإقليمية والدولية التي جعلت من العراق ساحة مواجهة ساخنة فيما بينها.
وخلاصة القول أن خلاص العراق مما أصابه من فتن وصراعات عبثية , إنما تكمن بوحدة شعبه والتخلص من كل أدران الماضي, وإسدال الستار على مآسيه ليقول فيها التاريخ كلمته, والكف عن تخوين الآخرين أو إزدراء معتقداتهم , وعدم الإستقواء بالأجانب أيا كانوا , والسعي لبناء عراق ديمقراطي حر ومزدهر على أساس المواطنة والمساواة وسيادة القانون . وأخيرا نقول أن العراق أمانة في أعناق كل الوطنيين العراقيين الشرفاء وعليهم الحفاظ عليه وصون كرامته.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - نعم. هناك منقذ!
سمير آل طوق البحراني ( 2020 / 1 / 29 - 11:07 )
المنقذ هو اتحاد الشعب العراقي ونبذ الطائفية وتحريم اي حزي يقوم على اسس دينية وابعاد المرجعية عن التدخل في الحكم وليكن للدولة دستور علماني والكفآءة هي المعيار لادارة الدولة
ولتكن العلاقات مع دول الجورار علاقات مصالح مشتركة وليس علاقات مذهبية او قومية عندها تكون العراق اقوى دولة في الشرق الاوسط. اما ان البلد ندار بفتاوى على اسس قومبة او مذهبية فتفكك العراق سيصبح من مصلحة دول الجوار وهذا واضح ولا يحتاج الى برهان. بجب على الشعب العراقي النظر الى مصالحه التي اصبحت لعبة بيد من يحكمونه حبا للنهب والاستقواء للمصالح الاجنبية. هل يعي الشعب العراقي وتندمج كل مكوناته في ثورته المباركة لنيل الاستقلال الحقيقي والخروج من التبعية؟؟. نتمنى ذالك. (واعتصموا بحبل جميع ولا تفرقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)

اخر الافلام

.. الصين والولايات المتحدة تتعهدان بالتعاون المناخي | #رمضان_ال


.. أندية الدوري الانجليزي تعلن انسحابها من دوري السوبر الأوروبي


.. تعليق محادثات فيينا بشأن الملف النووي الإيراني أسبوع للتشاور




.. وفد مصري برئاسة رئيس الوزراء يزور طرابلس


.. الحصاد - مقتل الرئيس التشادي وتفاؤل في محادثات فيينا