الحوار المتمدن - موبايل


سفر برلك. . رحلة التيه في الفلوات المُوحشة

عدنان حسين أحمد

2020 / 1 / 27
الادب والفن


يعود بنا الروائي السعودي مقبول العلوي في روايته الجديدة "سفر برلك" الصادرة عن "دار الساقي" في لندن إلى أيام "التهجير القسري" لأهالي المدينة المنورة على أيدي العثمانيين عام 1915، بل توغّل أبعدَ من ذلك حينما تتبّع "حكاية الفتى الخُلاسي ذيب" من لحظة اختطافه في بطائح مكة حتى وفاته عام 1955 ومواراة جثمانه الثرى في مقابر "المعلاة" بالقرب من الحرم المكيّ. ولو شئنا الدقة لقُلنا إن هذه الرواية تنحو منحى السيرة الذاتية لرصد حياة "ذيب" ونشأته في البرّ الصحراوي، وسقوطه في الأسر على أيدي اللصوص، وقطّاع الطرق، وبيعه في سوق النخاسة كعبد وهو حرٌ أصيل، وشرائه من قِبل الوجيه عبدالرحمن المدني، وتسفيره القسري إلى دمشق وعودته من جديد إلى مضارب أهله وذويه وما عاناه من مِحنٍ وشدائد في ذروة شبابه، ولولا ضربات الحظ، وحُسن المصادفات لكانَ ضحية للسُرّاق والمُختطِفين عربًا وأجانب.
تنطلق هذه الرواية السيريّة من الذات إلى الموضوع، وتتشعّب من المسار الصحراوي الخاص إلى الفضاءات العامة، ففي لحظة عصيبة فارقة يجد الفتى الخُلاسي نفسه أسيرًا لدى لصوص الصحراء ويُعامَل معاملة "العبد"، فالرجال المسلحون يتسنّمون الخيل والجمال، أما العبيد الخمسة، وبضمنهم "ذيب"، فيمتطون الحمير، وهذه هي الانعطافة الأولى في الرواية التي تناقش ثنائية الحريّة والعبودية التي لا تقتصر عليه فحسب وإنما تتجاوزه إلى خاله "مانع" الذي ظلّ مصيره مجهولاً بين الهرب والقتل والمقايضة. ومن خلال شخصية "ذيب" سنتعرّف إلى أسرته الصغيرة المكوّنة من أب أُصيب بالجُدَري، وأم حنونة رفضت أن تترك زوجها في المحجر الصحيّ، وفضّلت الانتقال إلى مشارف الصحراء لعل الهواء الجاف يُشفي طَفَحَهُ الجلدي المتقيّح. لم نعرف شيئًا عن والد "ذيب" سوى أنه كان واحدًا من أعيان مكة لكنه سوف يموت ويُدفَن عند مشارف الصحراء قرب الخيمة التي سكنتها الأسرة. أما الأم فهي جارية من بلاد النوبة أعتقها الأب وتزوّجها، ثم أعتق أخاها "مانع" الذي توارى إثر عملية الاختطاف. وبعد مسيرة عشرين يومًا سوف يُعرَض "ذيب" في مزاد حوش العبيد بالمدينة المنوّرة ويشتريه الشيخ الوجيه عبدالرحمن المدني الذي عَرف منذ أن رآه بأنه ليس عبدًا وأنه اشتراه لكي يفكّ أسْرهُ، ويمنحهُ حريته الكاملة.
ينفتح النص السيري على فضاء مديني جديد مغاير للصحراء ونقيض لها تمامًا، فالشيح عبدالرحمن رجل مثقف، ومتديّن، يحبُّ العلم والمعرفة وقد دفع ثمنًا باهضًا لشراء هذا الفتى بغية إخلاء سبيله من أسْر العبودية الذي وجد نفسه فيه من دون إرادته. وبما أنّ الشيخ ميسور الحال وأحد وجهاء المدينة فلاغرابة أن يكون لديه ثلاثة منازل لكنه اختار أن يسكن في المنزل الواقع في زقاق الطيّار الذي يُنظِّم فيه لقاءات أسبوعية يجتمع فيها العلماء والفقهاء والوجهاء، وتجّار المدينة المنوّرة. تتكشّف شخصية الشيخ حينما يقول:"لا أريد عبدًا في بيتي ولا جارية، فكل مَنْ في هذا المنزل هم بمكانة أبنائي وأتعامل معهم بهذا المفهوم". وبما أنّ الفتى يجيد القراءة والكتابة فقد عيّنه الشيخ عبدالرحمن موظفًا لديه براتب شهري ينقل له بعض المخطوطات، ويلخِّص صفحات من كتب معينة يستعيرها الشيخ من مكتبة عارف حكمت. يتوغل الروائي في كشف الحياة الغامضة للشيخ عبدالرحمن فنعرف أنه فقدَ زوجته قبل ثلاث سنوات، وأنّ لديه ابنة تعيش مع زوجها في جدة، وابن يدرس في مصر الأمر الذي طبعَ حياته بالوحدة والعُزلة المُستحبَّة التي يؤثثها بالقراءة وحُب الإطلاع.
تتنوّع شخصيات الروايةحينما يحيطنا الكاتب علمًا بأن الجارية مرجانة حبشية الأصل، فهي مدبرة المنزل التي تقوم بخدمة الشيخ وضيوفه، والأهم من ذلك أنها تنقذ النص الروائي من خشونته الذكورية لأنها الأنثى الوحيدة التي تتجرأ على التعبير عن مشاعرها الداخلية، وحاجتها الجسدية التي يلبّيها هذا الفتى اليافع القادم من مشارف الصحراء رغم ضآلة خبرته العاطفية التي تنمو شيئًا فشيئًا على يد مرجانة التي أخذت تتسلل إلى فراشه ليلاً وتوقظ فيه رغباته النائمة.
لابد من التنويه إلى إشكالية العنوان، فعبارة السفر برلك تعني في العراق وبلاد الشام النفير العام والإلتحاق بالجيش التركي عام 1914، بل أن العراقيين كانوا يسمّونه "السفر بلا عودة" لأن 80% من الجنود لايعودون إلى أهلهم وذويهم لكنه في نجد والحجاز سابقًا كان يعني الإجلاء، أو الترحيل، أو التهجير القسري بسبب حصار المدينة المنوّرة، وشحّة الموارد الغذائية، واحتمال اندلاع الحرب بسبب الثورة العربية الكبرى التي شنّها الشريف بن الحسين وولداه على الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى. وقدر تعلّق الأمر ببطل الرواية "ذيب" الذي كان يتردد على المكتبة ويستعير الكتب والمخطوطات للشيح عبدالرحمن فقد قَبض عليه ذات يوم الجنود العثمانيون واقتادوه إلى محطة العنبرية وحشروه في القطار الذي يجلي المواطنين إلى دمشق ولحسن حظه كان معه 140 ريالاً مجيديًا سوف ينفقها بالتدريج قبل أن يجد فرصة عمل. وبينما كان "ذيب" يعاني من محنة النفي من دياره واللجوء إلى دمشق، كمدينة مجهولة بالنسبة إليه، كان الشيخ عبدالرحمن يعاني نفاد المؤونة بعد أن حلّت المجاعة وتفشّت الأمراض في المدينة المنوّرة. وعلى الرغم من أنّ الحلفاء هزموا جيش الدولة العثمانية إلاّ أن القائد فخري باشا رفض الأوامر التي وردته من الإستانة وأمتنع عن تسليم المدينة المنورة إلى الشريف حسين وحلفائه البريطانيين. وربما تكون النقطة الجوهرية في هذه الرواية هي جرد محتويات الحجرة النبوية التي تضم 400 قطعة من الزمرد والياقوت والألماس، إضافة إلى بردة الرسول محمد "ص" والهدايا التي قُدِّمت من السلاطين العثمانيين للحرم النبوي على مدى قرون طوالا ونقلها بالقطار تحت حراسة مشددة إلى الإستانة وقد وصف الشيخ عبدالرحمن المدني هذه العملية بأنها:"لصوصية واضحة للعيان، ولا يمكن أن تكون غير ذلك". يصل المنفي "ذيب" إلى دمشق بعد ثلاثة أيام ويعمل فيها مساعدًا للصبي الذي يستقبل الزبائن في خان المحطة ثم يقفل راجعًا في موسم الحج ويصل إلى المدينة بعد مسيرة طويلة في الفلوات الموحشة ليكتشف أن البلدة خاوية على عروشها، وأنّ بيوت الشيخ عبدالرحمن خربة مهدّمة تصفر فيها الريح. ثم يستبدّ به الشوق إلى أمه فيقطع المسافة إلى مكة المكرمة خلال أسبوعين حتى يصل إلى خيمة الشَعر ويلتقى بأمه بعد ثلاث سنوات لكنه ما إن يحتضنها، ويشمّ رائحتها حتى يشعر وكأنه لم يذهب إلى أي مكان، وأنه لم يغادر جنّته الصامتة أبدًا.
حصل الراوي على معلومات غير مؤكدة تفيد بأن الشيخ عبدالرحمن قد ذهب إلى منزل ابنته في جدة لكنه قرر العودة إلى المدينة ومات فيها، ودفن في مقبرة البقيع. أما مرجانة التي أعتقها الشيخ فقد توفيت في المحجر الصحي بسبب التيفوئيد، بينما يُفرج عن القائد فخري باشا في عملية تبادل أسرى، ويُعيّن سفيرًا في كابول قبل أن يعود إلى إستانبول ويموت فيها عام 1948. كما تتم مقايضة "مانع" بعبدٍ آخر بعد يوم واحد من خطفه لكنه قُتل في محاولة هروب ودُفن في مكان غير معروف بين الطائف ونجد. أما "ذيب" الذي عاد إلى مضاربه فقد عمل مُطوّفًا للحجاج والمعتمرين في الحرم المكي إلى أن وافته المنيّة عام 1955 ودُفن في مقابر المعلاة بعد أن ترك بنتين وولد اسمه عبدالرحمن.
من روايات القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المنتج والمخرج الأردني إياد الخزوز يكشف عن ماذا ينقص المسلسل


.. الممثلة المغربية جيهان خماس.. عفوية معهودة وتلقائية في التفا


.. حوا بطواش - حوار عن الأدب والكتابة وأجمل إبتسامة محفورة في ا




.. نشرة الرابعة | ماهي دوافع إنشاء جمعية للفنانين السعوديين؟


.. حواديت المصري اليوم | حكاية ممثل شهير في الأصل ملحن كبير.. م