الحوار المتمدن - موبايل


الكتابة عن الأدب أسهل ألف مرة من الحكي عنه.

حمزة الذهبي

2020 / 2 / 1
الادب والفن


"لكي يصبح الحدث التافه مغامرة كبيرة ينبغي عليك أن تسرده"
سارتر .
***
أتزحلق من على السرير المُفرد و عقارب الساعة تزحف نحو العاشرة صباحاً، أفتح النافذة على مصراعيها ليلج الهواء إلى الداخل مبددا رائحة النوم التي لا تطاق. وأتوجه نحو المطبخ، أغسل وجهي بالماء البارد، أمسحه بالمنشفة، ثم أجلس ، على كرسي بلاستكي أبيض اللون لأتناول فطوري المُكون من كأس شاي بالنعناع، زيت الزيتون وقطعة من خبز بائت، أخذ القليل من الخبز، أغمسه في الزيت، أدسه في فمي وأتبعه بدفقة شاي، وأبدأ في تلويكه من هنا وهناك قبل أن أبتلعه، بينما أشاهد التلفاز الذي يعرض آخر الأخبار. لا جديد، الدماء تُسفك في كل مكان ، العالم مُشتعل . أفكر في أن "الكائن البشري ما فتئ يجتهد أيما اجتهاد في ابتكار واختراع طرق جديدة للموت". يتصل بي " حميد " ليخرجني مما كنت أفكر فيه، يقول لي:
- أين أنت لقد تأخرت ؟
أقول له:
- أنا قادم.
أنهي فطوري وانتصب واقفا، أعلق محفظتي على ظهري، انتعل حذائي و أخرج.
أجد " حميد " و" عماد " ينتظراني في شارع ابن الهيثم الذي يقسم حي واد الذهب إلى قسمين ، نتجاذب أطراف الحديث فيما بيننا ، ثم بعد أن أشتري جريدة وأحشرها في حقيبتي، نرتمي داخل سيارة أجرة صغيرة صفراء لا تسر الناظرين والتي تبدأ بأكل الطريق بصمت متجهة بنا صوب البحر. في السيارة أضع سماعات الهاتف في أذني وأشرع في الاستماع إلى الموسيقى بينما أتصفح ، على هاتفي ، مواقع التواصل الاجتماعي ، لا جديد ، العالم الافتراضي مُشتعل بدوره. أفكر في أن " الكائن البشري ما فتئ يجتهد أيما اجتهاد في ابتكار واختراع التافهين ثم السقوط في عبادتهم "
بعد خمسة عشر دقيقة نقترب من البحر، فتلفظنا السيارة. ونتوجه صوب مكاننا المعتاد الذي نجلس فيه . هنا يسألني عماد بوجهه الخالي من الفرح ، قائلا : " كيف يمكننا أن نواجه التفاهة ، الرداءة ، البلاهة ، التي تحيط بنا من كل جانب ؟"
أجيبه بدون تفكير ، لأن المسألة في نظري واضحة ، قائلا :
" أعتقد أن المواجهة لن تكون إلا عن طريق سلاح القراءة ، فمأساتنا أننا مجتمع لا يقرأ ."
يلوذ بالصمت ، انتظر أن يقول شيء ما ، بيد أنه لا ينبس ببنت شفة ، ولأني لا أحب الصمت ، وبالأخص عندما أكون برفقة الآخرين ، لذا أبادره قائلا : " ربما تفكر أو تتساءل عن ما الذي تستطيع القراءة فعله "
أومأ برأسه موافقا، فأضفت قائلا :
" لأن القراءة ببساطة تملك القدرة على إيقاظ المرء من سباته ونزع الأغلال عنه وتحصينه كي لا يعود سيرته الأولى وذلك بإكسابه التفكير النقدي .
فإذا كانت ، يا صديقي ، وظيفة الفيلسوف – كما يرى أعظم فلاسفة القرن الماضي فيتغنشتاين - هي مساعدة الذبابة على الخروج من الزجاجة ، فإني أرى أن وظيفة القراءة ، في هذا العصر ، هي مساعدتنا على الخروج من هذا الوضع المؤسف الذي وصلنا إليه . بيد أنه مادام المرء يتعلل بأنه لا يجد الوقت للقراءة ومع ذلك وهنا المفارقة يجد الوقت الكافي لمشاهدة التفاهة والرداءة فإن الوضع سيزداد سوءا أكثر مما هو عليه "
على أي ، ما إن نصل حتى أترك "حميد" و"عماد " يجهزان صنارتيهما ليبدأ صيد السمك وأتجه، أنا العبد المفتقر إلى معونة ربه، صوب مكان ظليل، غير بعيد عنهم، أخرج من محفظتي، قلم و جريدة من أجل ملئ الشبكة المسهمة، اشتريت الجريدة من أجل هذا الغرض أما محتواها فذلك آخر همي، أجد عبارة " يتمتع بعذاب الآخرين " من أربع خانات، الجواب سهل أقول في نفسي وأكتب كلمة "سادي" وأفكر في الماركيز دو ساد ، هذا الروائي الفرنسي ، الفاحش إلى حد ما والذي اشتقت الكلمة من اسمه، والذي وجد في العنف مادة أدبية للعديد من أعماله المريعة ، المرعبة، المنحرفة ، التي تنتهك ما هو متعارف عليه، أو تضع الإنسان أمام اللامفكر فيه ، كنت قد قرأت له أول مرة رواية قبل ثلاثة سنين من الآن تحت عنوان "جوستين " ملأت نفسي بالامتعاض ومع ذلك لم تسمح لي بالفكاك منها. ثم أعثر على عبارة " رهين المحبسين" من ست خانات ، أقول بدون شك إنه "المعري " أشهر أعمى في تاريخ العرب ، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ، سمى نفسه رهين المحبسين أي حبيس العمى والبيت وأضاف إليهما فيما بعد محبسا ثالثا وهو الجسد . أليس هو القائل: " أراني في الثلاثة من سجوني / فــلا تسأل عن الخبر النـبيث *** لفقـدي نــاظري ولـزوم بيـتي / وكون النفس في الجسد الخبيث " . ثم أجد عبارة " شاعر غرناطة " أقلب محتويات رأسي بحثا عن جواب بدون فائدة، أسأل "عماد " يقول لي : الجواب سهل، إنه لوركا. أقول له كيف عرفت أنه لوركا شاعر اسبانيا العظيم الذي قتله فرانكو، لا يُجيبني ، ينشغل بجذب سمكة علقت بصنارته. أكتب " لوركا" وأطوي الجريدة. أدسها في الحقيبة وأقف أمام البحر وأردد مقطعا أحفظه عن ظهر قلب من قصيدة "لوركا" لمحمود درويش :
"عفو زهر الدم يا لوركا
وشمس في يديك
وصليب يرتدي نار قصيدة
أجمل الفرسان في الليل
يحجون إليك
بشهيد وشهيدة
هكذا الشاعر زلزال
وإعصار مياه
ورياح إن زأر "
ما إن انتصر عماد في معركته ، حتى نادي علي ، لأرى السمكة التي تزن وزنا لا بأس به وهو يرسم ابتسامة خبيثة على وجهه ليغيض حميد الذي كان غاضبا . إذ أن حميد هو الذي علم عماد صيد السمك ، لكن مؤخرا التلميذ غالبا ما يتفوق على الأستاذ وهذا ما لا يغفره حميد لعماد .
بعد مرور ساعتين اصطاد عماد أربع سمكات أخرى ، أما حميد لم يصطد شيء. ولكي أخفف قليلا عن حميد، وأشد من أزره ، حكيت له ، ونحن نسحب أقدامنا نحو منازلنا ، قصة الشيخ سنتياغو في رواية الشيخ والبحر للمبدع هيمنغواي، لم أحكها جيدا ولم يفهمها جيدا ، حدث سوء فهم . هنا اكتشفت أن الكتابة عن الأدب أسهل ألف مرة من الحكي عنه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من هم الرؤساء الذين انتقدوا نشر كاريكاتير النبي محمد في فرنس


.. صباح الخير يا مصر - الاخبار الفنية.. المهن السينمائية تنعي ا


.. صباح العربية | سعيد تغماوي مغربي في عالم السينما الغربية




.. أنقرة تستدعي القائم بالأعمال الفرنسي بعد نشر كاريكاتير مسيء


.. عنايات المحمودى قصص قصيرة للقاص احمد دسوقى مرسى