الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ياسمينة على ضريح الله _ قيثاريّة النسرين

راوند دلعو
(مفكر _ ناقد للدين _ ناقد أدبي _ باحث في تاريخ المحمدية المبكر _ شاعر) من دمشق.

(Rawand Dalao)

2020 / 2 / 8
الادب والفن


( ياسمينة على ضريح الله _ قيثارية النسرين ! )

قلم #راوند_دلعو

نِسرِينُ فتاة محمدية حسناء ، يَنتابُها البدر يَوميَّاً صباح مساءَ .... فتُقمِر في سماء القرية مُزاحمةً شمس الصباح إشراقاً ، و نجوم الليل لمعاناً رقراقاً ، لتستفز الله من فوق عرشِهِ غِيْرةً من جمالها ، فيطلق باتجاهها أسراباً من عرائش الياسمين كي تتسلقَ جدائلها ... لتشتعل الحرب بين الجدائل و العرائش ... فتسفر عن أثيرٍ من ملايين الأرائج و حبّات البِرَّيْقِ و العطور المتناثرة في شعرها و وجنتيها ...

ثم بعد حرب ضروس تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة ال( بارفانيّة ) و ال( مِكياجيّة ) على طول اليوم ، ينتصر النسرين بنور يُشرق من شفتيها ما بين عريشة مضمخة بالأريج و جديلة مُلطَّخة بالعبير و ال(مَكَايِيْج) ... ثم لِتَتَوقَّفَ الحرب على مشهد هادئ من ملايين الجثامين الياسمينية و الأشلاء الزنبقية المتناثرة عند ضفاف خديها تحت أوشحة حريرية من أضواء الأقمار و لُمَعِ النجوم ، لتعود الحرب إلى بداياتها مع صباح يوم جديد !!

إنها حديقة متكاملة من جماليات البهرج الإلهيّ ... و ملاحم الحسن المتناهي.

كانت نسرين فتاة بسيطة تنتمي لعائلة من الطبقة الوسطى المحمدية السُّنية ، و كانت تعشق المشي عبر حقول السوسن و شقائق النعمان في الجوار ... تطارد رفرفات الفراشات و تطعم البط و البلابل عند البحيرات ، ثم تحصي عديد الفُلّ و القرنفل إلى أن تتعب فتستلقي على تلة صغيرة من النّوّار ....

مرت الأيام ... و بدأ قلب نسرين يدق ... دق دق دق ، ثم رويداً رويداً بدأت أوتاره تعزف الموسيقا لقلب شاب مسيحي من نفس القرية يدعى ماريو ... و الذي بادلها موسيقاها بموسيقاه ، و عزفها بعزفه ، و تراقصها بتراقصه ... ليتناغم المقام بالمقام و لتلتف الأحلام بالأحلام .... و هكذا أخذ السرور يمارس القفز الربيعي حول فستان نسرين و ظِلِّ حبيبها ماريو الذي تهيَّم بها حتى تتيّم .... ثم ما لبث أن نادى المنادي حي على الغرام ! ... حي على العشق و السعادة و الوئام ... !

و هكذا راح الحب يأكل الكبدين حتى الجنون ... في واحة من مرمرٍ و زيزفون ... تتلاقى فيها العيون ... تحت ظلال الشجون ... في واحدة من أروع قصص الحب الملحمي المجنون ... التي لم تشهد القرية مثلها من قبل ، لا في الواقع و لا في الظنون !

و بعد أن أفصحت شائعات الزمان تحكي لبيوتات القرية حكايتهما ، و ضجت الفراشات و العصافير و الألوان في الحقول بقصتهما ، و فاح الأريج عبر السماوات من سما إلى سما ، قرر ماريو و حبيبته الزواج ... و أن تتلاقى الأوداج بالأوداج على صفاء السريرة و نقاء الحب و رائق المزاج ، و أن يتحولا إلى جسد واحد أحد ، على طول الدهر الصمد ... إلى أَبَدِ أَبَدِ الأبد ...

و في لحظة رومنسية حالمة بين العاشقين ، كتب ماريو لنسرينَتِهِ قيثاريّة النِّسرين :

{ { حبيبتي ...

نسرينةٌ تغفو على نَيسَاني

والعطرُ شلَّالٌ من ذابلاتِ جفونِها ... من ثغرِها النَّعسانِ ...

عودي إلى صفحات عمري قصةً ....
مشكولةً بالهمس بالتِّحْنَانِ !

ولتَرفعي إكليل عطرٍ أسمر ... من لحدي المرشوشِ بالألوان

و لْتمنحيني قُبلة محفوفة
من عبقري الشَّفتين .... من دافق الوجدان


فالضوء سَيَلانٌ رقيقٌ خافتٌ

من شهقةِ اللَّمعانِ

فحبيبتي

نسرينةٌ

تغفو

على

نَيسَانِي } }

قرأت نسرين القصيدة فلم تتمالك نفسها إذ تسلّقت كتِفَي ماريو لتمنحه قبلة العشق الأبدي ... ثم خبأت قيثارية النسرين في قلبها تسقيها بماء عينيها كل يوم كي لا تعطش و لا تذبل ... و عاهدت ماريو على الحب السرمدي و أن يتحد الجسدان في روح واحدة إلى الأبد !

لكن الصاعقة على الحبيبين حلّت ، عندما رفض أهلهما مباركة زواجهما ، حيث أفصحت أحقاد و حواجز الموروثات الدينية عن نفسها ... فارتفع صوت الرفض في الوسط المحمدي عموماً و عائلة نسرين خصوصاً ، لمنع هذا الزواج و الحؤول دون وقوعه ، إذ لا يحق في دينهم لمحمدية أن تتزوج رجلاً من غير ديانة مهما كلف الأمر ، ففي هذا تنكيس لراية محمد أمام الديانات الأخرى ، و ( تَعلِيمٌ ) على جبين الديانة المحمدية و أتباعها ، و مخالفة صريحة لتعاليم القرآن _ كتابهم المقدس_ !

كما ارتفع صوت الرفض هو الآخر في عائلة ماريو و عموم الوسط المسيحي ! لاسيما وجهاء المسيحية في القرية ، إذ كيف لشاب مسيحي طاهر مُعمّد أن يعقد رباطه المقدس على إحدى المحمديات أتباع مُدّعي النبوءة الكذاب !! ؟؟

و عندما تبين للحبيبين ردود أفعال الناس و رفضهم مباركةَ هذا الزواج ، حزِنا حُزناً شديداً ، و قال ماريو لنسرين :

ما أظلم هذا القدر المجرم يا نسرينتي !!! إن قلبي يحترق حزناً و ألماً ... فمِن أجل رجلين مرَّا على هذا الكوكب منذ مئات السنين ، أحدهما يُقال أنه مات منذ ألفي سنة و اسمه يسوع ، و الآخر يُدَّعَى أنه مات منذ ألف و أربعمائة سنة و اسمه محمد ، لا نستطيع أنا و أنتِ الزواج و تقرير مصيرنا اليوم ؟ أمِن أجل ظنون و أوهام و أساطير
خلت يدمر الجُّهَّال آمالنا و يفسدون حياتنا اليوم ؟

ثم تمالك ماريو دموعه و ضم نسرين إلى صدره و قال : لكنني أعدك بأن لا أتركك و لو كلفني هذا الأمر حياتي ... فحبنا حقيقة صادقة أما ادعاءاتهم فمجرد أوهام !

فقالت له نسرين : و أنا لن أتخلى عنك يا كل عمري ...

و فعلاً ... لقد بَرَّ الحبيبان بقسمهما ، فبالرغم من كل الرفض الذي وُوْجِهَ به هذا الحب ، أصر الحبيبان على الارتباط المقدس و لو كلفهما ذلك حياتهما .... !

و عندها حدثت الكارثة الكبرى التي صدمت عائلة نسرين و زلزلتها ، ففي حركة جريئة و سابقة قلما تحدث في الوسط المحمدي ، هربت نسرين مع حبيبها ماريو و تزوجته في كوخ صغير مهجور على أحد أطراف القرية ، لتحقق بذلك حلمها بالعيش مع الروح التي عشقتها ... فدارت الحادثة على كل لسان في القرية ، و بات الشارع المحمدي يغلي مطالباً بدم الفاجرة المرتدة .... !

فزواجها من مسيحي باطل ، بل هو بمثابة اعتناقها للمسيحية ، و هذه ردة صريحة عن المحمدية ، فأفتى الشيوخ المحمديون بوجوب قتلها لأن محمداً قال : " من بدل دينه فاقتلوه " ! كما أنه قال : " لا يعلو كافر امرأة " ... و ماريو رجل كافر !

و انتشر بين المحمديين أن هناك فتاة محمدية هربت مع حبيبها المسيحي ، فيجب قتلها شرعاً !

و مرت الأيام و عاشت نسرين مع ماريو بعيداً عن الناس في كوخهما الصغير عند أحد أطراف القرية ، ثم ما لبثت أن زفَّتْ له خبر حملها منه ، فطارت بهما السعادة إلى أعالي السماء ... لكن _ وا حسرتاه_ لم تكتمل فرحتهما ، حيث سقط الموت بجسد نسرين إلى باطن الأرض ، و ذلك عندما تسلل أحد المحمديين الملثمين إلى كوخها أثناء غياب زوجها ، فذبحها مدفوعاً برغبته في استرداد شرف الطائفة ... !

فتوفيت المسكينة غارقة بدمائها الطاهرة ... و قد كانت في الأيام الأخيرة من حملها ، فمات معها الجنين الذي في بطنها !!

ماتت نسرين !!!

ماتت نسرين فبكاها زوجها ماريو بكاء قيس لليلاه !! بكى و بكى إلى أن ترمّد الجفن و ماتت القزحية و اسودّ البياض و تَأَخْدَدَ البؤبؤ لكثرة ما سال من مدرار الدمع .... ماتت فاحتضنها حتى كاد أن يكسر الضلوع بالضلوع ... و كم تمنى أن تخرج روحه من جسده لتدخل جسدها فيموت و يُحييها ! لكن هيهات أن يعود ميت إلى الحياة ! هيهات !

و بعد أن استفاق من وقع الكارثة أقسم أن لا يدفنها حتى يأخذ حكماً بالقصاص من القاتل و يسلمه للعدالة ...

فذهب إلى الكنيسة للحصول على حكم من كبير رجال الدين المسيحيين يقضي بالبحث عن القاتل و القصاص منه ، فرفض رئيس الكنيسة طلبه و قال : نحن غير مخولين بإصدار حكم في قضية محمدية هاربة ، عليك بالذهاب إلى مفتي الطوائف المحمدية ، فمحاكمنا تختلف عن محاكمهم !

لكن خاف ماريو أن يذهب بنفسه إلى المفتي المحمدي خشية أن يتم قتله بسبب زواجه من محمدية ، فأرسل أحد أصدقاءه المحمديين عوضاً عنه ، ليسأل المفتي عن كيفية الحصول على حكم بالقصاص من قاتل المحمدية إن تزوجت مسيحياً ثم قتلها أهلها انتقاماً ، فقال المفتي لصديق ماريو : للأسف يا بني أخبر زوجها أنها قد نالت عقابها و أن لا قصاص على الجاني ، لأن دمها هدر وفق شريعتنا ، إذ يجوز قتلها غِيلة لأنها مرتدة ، حيث خالفت المتواتر عن نبينا و تزوجت مسيحياً كافراً ... !

فصُعق ماريو من جوابَي الشيخ و رئيس الكنيسة ، و شعر بأنه يصارع طواحين الهواء وحيداً ... و أن جميع الهيئات الدينية و الكهنوتية ستقف ضده حتماً ... فقرر البحث عن الجاني بنفسه لكن دون جدوى ، فقد تستّر المحمديون على القاتل الذي كان من أفراد عائلة نسرين ، فهو بنظرهم البطل الذي استعاد كرامة الطائفة و حفظ ماء وجهها .... فدم نسرين بنظرهم ليس كالدماء ، و إنما كأس مهراق من آسِنِ الماء ... !


و عندما أدرك ماريو أن لا أحد يقيم وزناً و حرمة لدماء نسرين ، كفكف بعضاً من دموعه و تمالك ما تبقى من أنفاسه و أراد أن يُكرِمَها فيواريها و طفله الذي في أحشائها الثرى .... لكن الأمور لم تكن بهذه السهولة ، حيث اختصم في مدفنهما المحمديون و المسيحيون ... إذ رفضوا دفنها في مقابرهم !

يا للصاعقة !! حتى مقابر الأديان رفضت احتواء جثمانها !

أما المحمديون فرفضوا دفن نسرين في مقابرهم لأن الطفل الذي في بطنها مسيحي ، فدِين الطفل لأبيه ، و لا يحق للكافر أن يُدفَنَ في مقابر المحمديين ...!

و أما المسيحيون فرفضوا دفنها في مقابرهم ، لأنها محمدية لن تدخل الملكوت ، و لا يحق للمحمدي أن يُدفن في مقابر المسيحيين !

و بعد سجالات و جدالات بين الشيوخ و القساوسة ، قرروا و بالإجماع دفنها في خرابة مهجورة خلف روضة أطفال صغيرة تقع على الخط الفاصل بين القسم المحمدي و القسم المسيحي من القرية ...

فاستجاب ماريو مُكرَها لقرار رجال الدين ، فلا خيار لديه ...!

و عند الغروب حمل ماريو جثمان زوجته وحيداً على ظهره المكسور إلى تلك الخرابة ، ثم راح يحفر قبرها بيديه ... جلس عند قبرها باكياً يعزف قيثاريّة النسرين التي كتبها لها :


{ { حبيبتي ...

نسرينةٌ تغفُو على نَيسَاني

والعطرُ شلَّالٌ من ذابلاتِ جفونِها ... من ثغرِها النَّعسانِ

عُودي إلى صفحات عمري قصةً ....
مشكولةً بالهمس بالتِّحْنَانِ

ولتَرفعي إكليل عطرٍ أسمر ... من لحدِيَ المرشوشِ بالألوانِ

و لْتَمنحيني قُبلة محفوفةً
من عبقري الشَّفتينِ .... من دافقِ الوجدانِ


فالضوءُ سَيَلانٌ رقيقٌ خافتٌ

من شهقةِ اللَّمعانِ

فحبيبتي

نسرينةٌ

تغفو

على

نَيسَاني } }


دفنها و في بطنها طفله الذي لم يَرَ النور ... دفنها و الدمع يأكل سويداء قلبه ... دفنها و إذا به يدفن روحه بجوارها ... !

و بعد أن أتم دفنها في الخرابة المهجورة ، لم يستطع ماريو وضع صليب عند رأس نسرين لأنها محمدية ، كما لم يستطع وضع هلال لأن جنينها مسيحي .... فغرس عوضاً عن ذلك عند رأسها ياسمينة بيضاء يسقيهما بدموعه كل يوم ... ثم خاطب الياسمينة قائلاً :

" ياسمينتي لا تموتي ... إليك روحي و نور عينيّ ... أنت الأمل لا تموتي ... أنت ما تبقى من بياض في هذه البلاد ... أرجوك لا تموتي ... تحتُكِ المحبة و فوقك السلام ... لا تموتي ... لا تموتي !! "

و بعد أن دفن ماريو زوجته بيديه ، لم يستطع مغادرة الخرابة ، و ذلك من شدة حبه للتراب الذي ضم جسد زوجته ، كما أنه تعلق بأصوات الأطفال التي تتعالى في الصباح من وراء جدار الروضة التي تحاذي القبر ، فهي أصوات تذكره بطفله الذي كان يتمنى أن يراه ماشياً على الأرض ...

فبنى لنفسه بيتاً من صفيح بجوار قبر نسرين ، و راح يسقي الياسمينة البيضاء يومياً ، و يغني قيثارية النسرين بصوت شجيٍّ و لحن عذب ينسفحُ حزناً من على أوتارٍ نديّة لقيثارةٍ خشبية كانت قد أهدته إياها نسرين ... !

#الحق_الحق_أقول_لكم ....

ادفنوني إلى جوار الياسمينة البيضاء ، هناك عند منبت النور ... منبت المحبة و الحبور ... عمدوني برائحة ترابها ، دثروني ببتلاتها ، بأريج طلعها ، بأنغام قيثارية النسرين ... تلك التي تعزف حب الإنسان للإنسان ... بعيداً عن حواجز الأديان !

ادفنوني هناك في تلكم الخرابة بالقرب من روضة الأطفال حيث يلعبون ... يتراكضون .... يتدافعون ... يتخاصمون ... يتضاربون بعفوية و براءة ، ثم يتصالحون عن طيب قلب و نقاء خاطر .... في مرحلة ما قبل الطائفية و التصنيف ، ما قبل الديانات التي فرقت بين البشر ... ما قبل الأسلحة و السيوف ... ادفنوني هناك حيث تتعالى صيحات الطفولة و الصدق و البياض ... في مرحلة ما قبل الطقوس و الخرافة و الكراهية و الحواجز و الأديان و الكهنة.

ادفنوني هناك بجوار الشهيدة نسرين ، كي أصغي بهدوء إلى قيثارية النسرين ، عندما يعزفها ماريو في تلك الخرابة المهجورة ، عند الياسمينة المقدسة ، لأنني إنسان ... لأنني إنسان أحب الربيع و الأطفال و الموسيقا و النسرين و شهر نيسان ... حيث تتعدد الألوان ... و تتراكب الألحان ... و تحلق الطيور ما بين دوري و زَرزُورٍ و وِروارٍ و كروان ...

نعم ، واحسرتاه ماتت نسرين ، لكن نبتت الياسمينة عند رأسها يسقيها ماريو من ألحان قيثارية النسرين ...!

فلتشهدي يا سماء على قيثارية النسرينةِ التي ماتت ذبحاً بسيف الصراعات الدينية ... و لتبكي يا طيور تلك النِّسرينة التي طُعِنَت بخنجر الكراهية !

و بعد عشرين سنة من وفاة نسرين و ميلاد الياسمينة ، ضرب اللهُ القرية بجبروته ، حيث اشتعلت الحرب المقدسة الأكبر في تاريخ القرية ، ما بين أتباع الله من المحمديين ، و أتباع الله من المسيحيين ... و كل ذلك بمباركة الله و تحريض نصوصه المقدسة ...

فصاح المحمدي مكبراً :

الله أكبر حي على الجهاد و يا خيل الله اركبي !

و دق الصليبي الأجراس ، ثم رُفِعت الأناجيل و الصلبان ، و اشرأبت اليسوعية في قلوب رجال الدين المسيحيين تدعو للثأر ... يا جنود الرب هبوا لنصرة كنيستكم ...!

و كلما هجم المحمديون على حارة مسيحية أبادوها عن بكرة أبيها ، ليرد المسيحيون بالثأر و إبادة حارة محمدية ... و هكذا ...

فانتشرت المذابح الجماعية و عمليات التطهير الديني و ارتفعت الثارات في المساجد و الكنائس و الحارات ، و استحرّ القتل في الشوارع إلى أن نزح معظم الناس بعد أن تم هدم و حرق كل المساجد و الكنائس في القرية التي اغتسلت بدمائها و أُنهِكت بثاراتها ...

و بعد أشهر من اندلاع الحرب الدينية ... قرر من تبقى من سكان القرية _ و هم بضع عائلات من أصول مسيحية و محمدية متصاهرة غير مكترثة لأمر الدين و التدين _ أن يبحثوا لهم عن مكان محايد كي يختبؤوا فيه ، ليدرؤوا عن أنفسهم إجرام من تبقى من الميليشيات الطائفية التي أفنت القرية ، فخرجوا يبحثون عن مكان على الحياد بين الطائفتين ... لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء !

و بعد طول بحث و مسير ، توقف أحد الرجال و قال :

" انظروا هناك ... إنها ياسمينة وارفة الظلال ريانة الأغصان ... لها عبق رائع ... أستطيع أن أشتمه من هنا !! ، كما أنني أرى تحتها منطقة ظليلة تتسع للجميع ... فلنكمل السير إليها علَّنا نستريح بظلها ! "

و عندما اقتربوا من الياسمية أكثر و أكثر ، قال رجل آخر : " أنصتوا ... استمعوا .... يا إلهي ما هذا اللحن ؟ ... لكأني أسمع صوت قيثارة تعزف لحناً يأخذ العقل !! يا لهذا اللحن الرائع الحزين ... كأنه لحن هارب من الجنة ... إنه لحن يعزف للمحبة بين الناس !! إنه لحن السلام ! "

ثم اقترب القوم رويداً رويداً ، فإذا برجل ذي لحية بيضاء كالثلج يلبس ثوباً أبيضاً و قد جلس عند قبر تحت الياسمينة ، يعزف قيثارية النسرين عند الغروب !!!

إنه الزوج المخلص ماريو ... يبكي عند قبر حبيبة روحه نسرين ... يغني لها بصوت شجي حزين قيثارية النسرين :


{{ حبيبتي ...

نسرينةٌ تغفو على نَيسَاني

والعطرُ شلَّالٌ من ذابلاتِ جفونِها ... من ثغرِها النَّعسانِ ...

عودي إلى صفحات عمري قصةً ....
مشكولةً بالهمس بالتِّحْنَانِ !

ولتَرفعي إكليل عطرٍ أسمر ... من لحدي المرشوشِ بالألوان

و لْتمنحيني قُبلة محفوفة
من عبقري الشَّفتين .... من دافق الوجدان


فالضوء سَيَلانٌ رقيقٌ خافتٌ

من شهقةِ اللَّمعانِ

فحبيبتي

نسرينةٌ

تغفو

على

نَيسَانِي } }


إنه ماريو ... يمارس طقوس الوفاء لدماء زوجته نسرين ... تلك الوردة التي قطفها الدين في ريعان شبابها ... تلك الوردة التي ذُبحت بسكين العاطفة الدينية التي أججها تحريض الله و كتبه المقدسة ...!

#الحق_الحق_أقول_لكم .... لم يجد الناجون من المذابح الطائفية مكاناً يلوذون به إلا ظلال الياسمينة عند قبر نسرين ، هناك حيث يعيش ماريو وحيداً مع ذكريات زوجته الشهيدة نسرين ، يسقي الياسمينة و يغني للمحبة و الأمل و اللون الأبيض ... و يعزف قيثارية النسرين ....

ماتت كل ورود القرية و لم يتبقى إلا ياسمينة نسرين و قيثارية النسرين ...

عشرون عاماً و ماريو يسقي الياسمينة يومياً بماء الثلج الصافي ، إلى أن ابيضت لحيته و كبرت الياسمينة ليستظل من تبقى من سكان القرية بظلالها ... بعيداً عن رمضاء الطائفية الدينية و أوهام الأديان و الكهنة ... لينبعث النور من جديد ، و تورق براعم الإنسان من جديد .... و تستمر قيثارية النسرين.

و من هناك ... من تلك الخرابة ، و من تحت ظلال الياسمينة ، و بالتحديد عند قبر نسرين ، تشكلت نواة قرية جديدة من عائلات هجينة متصاهرة ذات أصول مسيحية و محمدية ... حيث أدرك الناجون من المذابح الطائفية التي قضت على كل من تبقى ، أن الأديان لن تزيدهم إلا فرقة و خصومة و كراهية ... فقرروا أن يبدؤوا حياة لا طائفية فيها و لا كراهية و لا دين ، و لا مقدس إلا العقل و الإنسان ...

و أدرك الناجون حينها أن الياسمينة كانت على ضريح الله ، و أن المعزوفة كانت قيثارية النسرين.



#الحق_الحق_أقول_لكم ....








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الحربُ على الله
muslim aziz ( 2020 / 2 / 8 - 10:57 )

الحق الحق اقول لكم-لك يا راوند- قلم سيّالٌ رائع وخيال ادبي واسع ومع كل تلكم الروعة اقول لكم قاتلكم الله فلتُسْألنَّ عن هذا النعيم، لأن الله اعطاك عقلا راجحا استعملته في محاربته.
أعجبني · رد · دقيقة واحدة

اخر الافلام

.. غياب ظافر العابدين.. 7 تونسيين بقائمة الأكثر تأثيرا في السين


.. عظة الأحد - القس حبيب جرجس: كلمة تذكار في اللغة اليونانية يخ




.. روبي ونجوم الغناء يتألقون في حفل افتتاح Boom Room اول مركز ت


.. تفاصيل اللحظات الحرجة للحالة الصحية للفنان جلال الزكى.. وتصر




.. فاق من الغيبوية.. تطورات الحالة الصحية للفنان جلال الزكي